سورة البقرة | حـ 45 | آية 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 45 | آية 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • شبّه الله تعالى المنافقين بتشبيهين: الأول استوقد ناراً، والثاني كصيب من السماء.
  • وردت كلمة "أو" في قوله تعالى "أو كصيب" ولها عدة معانٍ في اللغة: التخيير، التشكيك، بمعنى "بل"، وبمعنى الواو.
  • جاءت كلمتا "نارا" و"صيب" نكرتين، والنكرة تفيد العموم، فهي فرد شائع في جنسه يتحقق بأي فرد من أفراده.
  • قوله "من السماء" يفيد أن المطر ينزل من جميع أنحاء السماء وليس من جهة واحدة.
  • ذكر "ظلمات" بصيغة الجمع للدلالة على تنوع الظلمات وتعددها: حسية ومعنوية وآنية ومستقبلية.
  • الرعد والبرق في الآية كلاهما مرعب، فالرعد صوت مخيف والبرق ضوء يسبب الحريق.
  • الشريعة كالمطر النازل من السماء ينبت الزرع ويغسل الأوساخ ويحيي الخلق ويحدث الطهارة.
  • المنافق عندما تنزل عليه الشريعة لا ينتفع بها بل يجعل بينه وبينها حاجزاً، فيبقى خائفاً متحيراً.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الدرس وتشبيه حال المنافقين بالنار في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات المباركة، نلتمس منه الهدى. شبّه ربنا سبحانه وتعالى حال المنافقين بتشبيهين؛ فقال:

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17]

فالتشبيه الأول موضوعه النار، وجاءت نكرة وليست معرفة. ثم قال في الآية التي تأتي بعدها:

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ [البقرة: 19]

إذن فالموضوع الثاني هو الصيّب من السماء [أي المطر الشديد].

معاني حرف أو في لغة العرب بين التخيير والتشكيك والواو وبل

وكلمة «أو» تأتي في لغة العرب للتخيير، وتأتي في لغة العرب للتشكيك، وتأتي في لغة العرب بمعنى بل، وتأتي في لغة العرب بمعنى الواو.

فأيّ شيء يناسبها هنا؟ يعني أول ما يأتي إليك حرف هكذا، الذي هو «أو» حرف عطف، قم بفتح ملفه؛ أو [أي] هذه لها ملف، افتح الملف وانظر كيف تأتي هذه في كلام العرب.

إذن يجب أن نقف عند كل كلمة سواء كانت اسمًا أم فعلًا أم حرفًا؛ أقوى الكلمات الأسماء وأضعفها الحروف.

تفصيل معاني أو للتخيير والتشكيك ومعنى بل والواو مع التطبيق

«أو» نفتح ملفها فنجدها أصلًا للتخيير: إما هذا وإما ذاك. أو للتشكيك: والله حدث يا هذا، ماذا حدث؟ هذا ما لست أعرف، غير متأكد، متشكك. بمعنى بل، بمعنى الواو يبقى مطلق الجمع.

كذلك فيقول لك: ما رأيك أن هنا يعني يا هذا يا هذا يخيّرك؟ يعني وارد، تنفع. والله بعض المنافقين يصلح معهم مثال النار، وبعض المنافقين يصلح معهم مثال المطر الذي ينزل من السماء.

سبب مجيء كلمتي نار وصيب نكرتين في التشبيهين القرآنيين

صيّب يعني مطر، جاء به نكرة أم معرفة؟ لا، نكرة أيضًا مثل «نار» نكرة. هي يعني ما فيها «النار»:

﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ ٱلَّذِى ٱسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: 17]

لا، «استوقد نارًا» فتبقى نكرة. هي:

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: 19]

لا «كالصيّب»، ما فيها الألف واللام.

لماذا ما فيها الألف واللام؟ قال: لأنها تبقى هكذا [نكرة]. قالوا: ما معنى فائدة أن تكون نكرة؟ قال: عرّف النكرة؛ هذه النكرة ما معناها؟ فأصحاب التعاريف قالوا لنا: فرد شائع في جنسه.

شرح معنى النكرة بأنها فرد شائع في جنسه وعموم البدل

فرد يعني ماذا؟ واحد. شائع يعني ليس معيّنًا. ليس معيّنًا؛ عندما نقول «رجل»، جنسه ما هو؟ الرجال. طيب هو مَن فيهم؟ رجل، هذا ما لا أعرف، ليس محددًا، أيّ واحد.

حسنًا، عندما يكون الفرد شائعًا في جنسه، ماذا نستفيد منه؟ أنه أيّ واحد يصلح. عندما ننظر هكذا ماذا نجد؟ أن أيّ واحد يصلح، ولذلك يسمّونه ماذا في الأصول؟ عموم البدل.

عموم البدل يعني ماذا؟ يعني عندما أقول لك: ائتني برجل، تقوم فتذهب وتأتي [بأيّ رجل]، هذا يصلح طبعًا، هذا يصلح طبعًا، هذا هو يصلح، ما هو الرجال جميعهم [يصلحون].

تطبيق مفهوم النكرة وعموم البدل على نار وصيب في الآية

يكون إذن النكرة تتحقق بأيّ فرد من أفرادها؛ أيّ واحد تأتي به يصلح. يكون المثال [في الآية] لم يقف عند نار معيّنة بصفة معيّنة، هذه أيّ نار تصلح في المثال.

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: 19]

يكون أيّ مطر يصلح، وأيّ مطر يصلح. ما هو عمومًا المطر يكون [شاملًا]؛ كان المطر قد عمّ. ما هذا إذن؟ عمومًا طبيعة المطر نفس المطر، يعني مطر فحسب.

دلالة التنكير في صيب على شمول جميع أنواع المطر

يكون [المعنى أنه] سيدخل في جميع أنواع المطر، يدخل في جميع أنواع المطر؛ لأنه نكرة، لأنه فرد شائع في جنسه.

والمطر هذا ينزل من أين؟ من الأرض؟ قال: لا، من السماء. قال: ما الحاجة إذن أن نقول «أو كصيّب من السماء»؟ ما كان «صيّبًا» وانتهى الأمر، نازل مطر نازل، يكون نازلًا من فوق، ما الحاجة إلى أن نقول من السماء؟

قال: يعني من كلّ السماء، فيكون هناك عموم آخر؛ فالنكرة تفيد العموم من ناحية أنها فرد شائع في جنسه، و«من السماء» هذه بعد ذلك تفيد أنها من كلّ السماء وليس من جانب معيّن من السماء.

دلالة عموم السماء على شمول الظلمات في المثل القرآني

﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ﴾ [البقرة: 19]

فالسماء كلها أظلمت؛ عندما يكون ما ينزل فيه ظلمات، وليس من جهة واحدة فقط بحيث يبقى الباقي منيرًا، ولكن هذا كله أصبح ظلامًا من أوله إلى آخره.

«صيّب» يعني بجميع أنواع المطر، و«من السماء» يبقى راجعًا إلى المكان؛ كلّ المكان الخاص بالسماء ينزل منه مطر فيه ظلمات.

سبب جمع كلمة ظلمات ودلالتها على تنوع أنواع الظلمة

طيب، هل الظلمة تُجمع؟ ما هي الظلمة؟ ظلمة. قال لك: إنها عاملة مثل المصدر، هل المصدر يُجمع؟ لا، يُجمع [باعتبار أنواعه].

عندما تقول «البيع» هو البيع، هو البيع، «الضرب» هو الضرب وهكذا. قال لكم: ما له؟ يقول الفقهاء: إن «كتاب البيوع» هذا جمعها هنا، جمع المصدر. لماذا؟ قال: باعتبار أنواعه؛ الأصل في بيع صحيح، وبيع فاسد، وبيع باطل، وفي بيع السَّلَم، وفي بيع بالأجل، وفي بيع بالتقسيط، وفي بيع هذا، في البيوع كثيرة. فباعتبار أفراده وتنوّعه [جُمع المصدر].

دلالة جمع ظلمات على الظلمة الحسية والمعنوية والآنية والمستقبلية

يبقى لمّا قال لي «ظلمات» أفادني ماذا؟ أفادني أن الظلمة ليست فقط ظلمة حسية، هذه ظلمة معنوية وظلمة حسية وظلمة آنية وظلمة مستقبلية.

من الذي قال لك هذا الكلام؟ جمع ظلمة؛ فعندما جمعها كأنه أشار إلى أنواع مختلفة من الظلمة. هذا ما لم يجعلها الظلمة واحدة، هذا جعلها ظلمات بعضها فوق بعض.

هذا ما لم يجعلها الظلمة واحدة هكذا؛ إذا قال «ظلمة» فحسب فهو في ظلمة [واحدة]، لا، بل الظلمة هنا متنوعة، وهذا التنوع يقوّي المثل.

هل تصلح أو بمعنى الواو في تشبيه المنافقين بالنار والمطر

أليس أننا نضرب مثلًا بالمنافقين مرة بـ«استوقد نارًا» ومرة «أو كصيّب»؟ فهل يصح أن تكون «أو» هنا بمعنى الواو؟ قال: يصح أن تكون بمعنى الواو.

[ومن الشواهد الشعرية على مجيء «أو» بمعنى الواو]: زعمت ليلى أنّي فاجر، أي أن ليلى تقول لقيس: أنت فاجر. فقيس زعل من الحكاية هذه، قال:

زعمت ليلى أنني فاجر... نفسي لها تُقاها أو فجرها

نفسي لها تلقاها أو فجرها. «أو» هنا بالمعنى الواضح يعني: تلقاها و ماذا؟ وفجرها، هذا وهذا.

الفرق بين أو والواو في الذهن والخارج ودلالة الظلمات والرعد والبرق

ولذلك «أو» تأتي بمعنى الواضح الخاص بالتعاريف؛ فقد قالوا لنا أشياء كثيرة في هذا. قال لك: «أو» هذه تبقى في الخارج، ولكن «الواو» تبقى في الذهن.

﴿فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ﴾ [البقرة: 19]

الرعد صوت، والبرق ضوء، وكلاهما مرعب. الرعد يصيب الإنسان بالرعب، والبرق يصيبه بالرعب؛ لأن منه الحريق [فهو] كهرباء، والكهرباء تحدث حريقًا.

ولذلك قديمًا يُقال له: نار تنطفئ سريعًا، يعني تصيب الشيء هكذا وتذهب فحسب، تكون شعلة الدنيا البرق. حتى عملوا لها مانع الصواعق.

الفرق بين التشبيه المفرق والتشبيه المركب في البلاغة القرآنية

هذا تشبيه، «أو كـ» يعني تشبيه، يشبّه شيئًا بشيء. قال: والله عندنا تشبيه مفرق وتشبيه مركب.

التشبيه المفرق: كل جزء من المشبّه يقابل جزءًا من المشبّه به، كل جزء من المشبّه يقابل جزءًا من المشبّه به. مثل ما تضع كل إصبع هكذا في يدك أمام كل إصبع في يدك الأخرى، يكون هذا نسمّيه ماذا؟ مفارقة [أي تشبيه مفرق].

أم هذا تشبيه مركب: أن يدك على بعضها أمام يدك على بعضها، يعني ما هو ليس كل جزء [يقابل جزءًا]، ليس كل جزء [بمفرده]. قال: ينفع الاثنان.

تطبيق التشبيه المفرق على مثل الصيب والشريعة وحال المنافقين

لمّا ينفع الاثنان فتذهب تبحث: أين الصيّب من السماء؟ [يقابله] الشريعة؛ مطر ينزل من كل السماء.

متى تكون فيه ظلمات؟ عندما كفروا به [أي بالإيمان]. فهذا المطر ينبت الزرع، هذا المطر يغسل الأوساخ عن الناس، هذا المطر يحيي الخلق سواء كان إنسانًا أو حيوانًا أو نباتًا، هذا المطر يحدث الطهارة، هذا المطر شيء جميل جدًّا.

فماذا حدث عندما نزل؟ عندما نزل على قلب مظلم جعل بينه وبين هذا الإيمان حاجزًا، ولذلك ضيّع نفسه.

حال المنافق بين الخوف والحيرة والومضات العابرة وخاتمة الدرس

﴿فِيهِ ظُلُمَـٰتٌ وَرَعْدٌ﴾ [البقرة: 19]

المنافق ليس مطمئنًّا، خائف ومتحيّر. وبرق: أحيانًا هكذا في ومضة تحدث وبعدها تختفي منه؛ لأنه سامع وكذا إلى آخره.

وهكذا تحاول أن تجعله [التشبيه] مفرقًا، ولكن لو كان على بعضها هكذا [أي تشبيهًا مركبًا] فهو يبقى في شيء غير ضروري أن أقول لك: كصيّب من السماء والشريعة. لا، إن هذه الحالة تشبه تلك الحالة [إجمالًا].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.