سورة البقرة | حـ 46 | آية 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات في سورة البقرة يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يصف حال المنافقين بتشبيه قد يكون مفرقا بأن يقابل كل جزء في المشبه كل جزء في المشبه به، وقد يكون مركبًا بمعنى أن الهيئة الاجتماعية من هذا المثال تساوي الهيئة الاجتماعية من هذا المثال، يعني عندما تقول هجم اللاعب على المرمى هجوم الأسد على الشاة، هل اللاعب هذا أسد؟ وهل المرمى هذه شاة؟ هل هو نفس الهجوم؟ لا، وإنما هذا الهجوم القوي من الأسد على الشاة وفيه
قوة شبيه بالقوة التي هجم بها هذا المهاجِم على هدفه أو مرماه، بل التشبيه بالجملة، ليس أن اللاعب أسد والمرمى شاة والهجوم نفس الهجوم. لا، ليست بالأجزاء وهذا يسمونه التشبيه المركب. هل يصلح في الآية؟ نعم، يصلح في الآية أن نجعلها تشبيهاً مفرقاً ونجعل كل مشبه به بإزاء أجزاء المشبه، ويصلح أن يكون تشبيهاً مركباً يجعلون. أصابعهم في آذانهم هذا مجازٌ لأنك عندما تضع إصبعك في أذنك، فماذا تضع؟ الأنملة فقط. حسناً، هو يقول إصبع، نعم فقد أطلق الكل وأراد البعض. عندما يقول لك: من السُّنة الوضوء
قبل الطعام، ماذا يعني هذا؟ هل أتوضأ لكي آكل؟ لا أحد يفعل ذلك، إذن ماذا يقصد الحديث؟ قصد الحديث غسل اليد، أطلق الوضوء وأراد جزءاً منه، أليس غسل اليد جزءاً من الوضوء؟ نعم، جزء من الوضوء، فأطلق الوضوء. قال: "الوضوء قبل الأكل سنة"، قال: "قبل الأكل وبعده". نعم، يعني غسل اليد قبل الأكل حتى نأكل بأيدينا نظيفة، وبعد الأكل لكي نزيل أثر ما قد يتعلق باليد من طعام قال له قبل الأكل وبعده. الوضوء هنا ما معناه؟ ليس هو الوضوء المتعارف عليه الذي نفعله لنقوم إلى الصلاة، الوضوء هنا هو غسل
اليد. إذن ما نوع المجاز؟ أطلق الكل الذي هو الوضوء وأراد البعض الذي هو غسل اليد. هنا "يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ فِىٓ ءَاذَانِهِم" [البقرة: ١٩] أصابعهم؟ لا، هي أناملهم، جزء من الإصبع. فتكون الأصابع هنا كلاً والمراد هنا جزءاً، فيُكون قد اطلق الكل وأراد الجزء. وفي المجاز عكس ذلك، أن تُطلق الجزء وتريد الكل. تقول: صليت ركعتين، أنت لم تفعل ركوعاً فقط، بل أنت قرأت الفاتحة ثم ركعت ثم سجدت وقيام إلى آخره. وسلام وكذا لكن نقول صليتُ ركعتين أو ركعة، أطلقتُ البعض
وأردتُ به الكل. هذه علاقات يسمونها المجاز، فيجب أن ننتبه أن الكلام منه حقيقة ومنه مجاز. ثم يأتي شخص لا يفقه شيئا كما نرى هذه الأيام، فيقول لك: إن الله قال أصابعهم. والصباع لا يُوضع في الأذن فنقول له اسكت اخفِ جهلك، وإلا ستُفضح أمام الناس، لأنه يوجد في اللغة العربية شيء يُسمى المجاز ، والمجاز له خمسة وعشرون علاقة، ومن هذه العلاقات إطلاق الكل وإرادة البعض، وإطلاق البعض وإرادة الكل، وإطلاق الآن إرادة المستقبل، وإطلاق المستقبل وإرادة الحاضر - نقول جاءت المرأة بالولد - ونقول جاءت المرأة بالرجل، هي لم تنجب
رجلاً، بل أنجبت ولداً صغيراً، لكنه ذكر. لذلك أطلقنا عليه باعتبار ما سيكون. شربت بنا أنا شربت قهوة، أنا لم أتناول البن. باعتبار ما كان، هناك أنواع مختلفة من المجاز الحالية والمحلية والجزئية والكلية، وباعتبار ما يكون، وباعتبار ما سيكون، وباعتبار ما كان وهذا الكلام كم مقداره؟ قال لك خمس وعشرين علاقة. إذن هذا سيكون علم له علماء. نعم، عندما نقول لك اصمت حتى لا تكون جاهلاً. لمن هذا الكلام؟ لمن يعترض على القرآن، القرآن أعمق بكثير من لعب الأطفال هذا. لعب الأطفال هذا ليس لنا علاقة به. لأن هذا القرآن عميق جداً جداً جداً جداً، فيأتي أحدهم في القنوات التلفزيونية ويقول لك ها هو القرآن يقول، ولا ينظر إلى المجاز. كل هذا دجل. فنضحك ونقول سبحان الله لا إله إلا الله، سيغنينا الله
من فضله ورسوله. "يَجْعَلُونَ" الجعل، قد يكون الخلق، وقد يكون تسمية سموها هكذا يعني، وقد يكون السَّيْرُورَة، فهنا "يَجْعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمْ" ماذا تعني؟ أي يُصَيِّرُونَ أَصَابِعَهُمْ، أي يَضَعُونَ أَصَابِعَهُمْ. فالجَعْلُ له أكثر من معنى، أي أن الكلمة تكون كلمة واحدة ونجد لها أكثر من معنى في القرآن. نعم بالتأكيد، كلمة تكون واحدة مثل "جَعَلَ" هذه، وتجدها مرة بمعنى الخلق، ومرة بمعنى التسمية، ومرة بمعنى الصيرورة، ومرة تكون زائدة، إلى آخره. يجب علينا عندما نفتح الكلمة أن نقرأ ملفها كاملاً لنرى فيمَ
ستصلح؛ فأحياناً تصلح لمعنىً واحد، وأحياناً تصلح لمعنيين، فنختلف مع بعضنا في التفسير سعة من كلام الله لنا، لأنه كتاب سيخاطب العالمين إلى يوم الدين. المعجزة أنه نافع ومستمر ويخاطب العالمين إلى يوم الدين؛ لأن الكلمة لها عدة معانٍ، أحياناً يصلح معنيان، وأحياناً يصلح ثلاثة، وأحياناً يصلح الأربعة، وأحياناً يصلح معنى واحد فقط ولا يمكن أن تحمله على معنى آخر. فانظر إلى القرآن في كم كلمة وكم جذر؟ ألف وثمان مئة وعشرة. وكل واحدة منها كم عدد معانيها؟ كثير كثير، حتى إن بعضها له خمسة معانٍ. منهم ستة ومنهم ثلاثة ومنهم اثنان ومنهم واحدة، فالتقاطعات
الخاصة بهذه الأمور ماذا تُنتج؟ تُنتج آلافاً مؤلفة وملايين متعددة، وهل كتاب ربنا فيه كل هذا؟ نعم، بالتأكيد، وكل هذا برواية حفص، فلو ضُمت إليها عشر قراءات ستصبح مليارات، كتاب ربنا لا تنتهي عجائبه، كتاب ربنا لا يمكن يكون من عند البشر يا إخواننا، لما استطاع أحد أن يكتب مثل القرآن، ما استطاع أحد أن يفعل مثل ما فعل القرآن، سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الله علينا بأن حفظ لنا سنته وأقواله وأحاديثه، فلما حفظ لنا هذا، فهناك فرق كبير بين السنة وصياغتها وكلامها وبين كتاب ربنا سبحانه وتعالى الذي تنزل على قلب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق. الصواعق
تنزل من السماء بناءً على البرق والكهرباء وتُسبب حريقاً. حذر الموت هذا تمييز، فيقول له حذر الموت يعني خائف من الموت، فتكون من صفات المنافقين. ما هي أول صفة من الصفات؟ لاهون في الدنيا متعلقون بها. بأيديهم وأسنانهم فيها لماذا؟ لأنه غير مؤمن، فهو ليس مؤمناً باليوم الآخر، والذي لا يؤمن باليوم الآخر هذا، هل يُنتظر منه أن يكون شجاعاً وجيداً وهكذا؟ إنه لا يعرف إلا هذه الدنيا، وليس هناك إلا هذه الدنيا، فلا بد أن يتمسك بها بيدي وأسناني، لكن أنا ممسك. فيها بيدي وأسناني، من جهة ثانية من جهة أن الله أمرني أن
أفعل ذلك، انظر الفرق الكبير، ربنا قال لي عمّر الدنيا بطولها، حاضر، سمعنا وأطعنا. ربنا قال لي لكن إياك أن تنتحر، حافظ على النفس البشرية، قلت له يصبح إذا انتحرت كأنني في الجهاد وليت الأدبار. المنتحر... ما الذي يفعله؟ يُمسك بنفسه كأنه يُلقيها في وجه الملأ الأعلى! خذوا النفس التي لكم! نعم، فيصبح حراماً ويصبح مجرماً ويصبح هذا الانتحار جريمة كبيرة، قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. هو انتحر، فالله سبحانه وتعالى قال له أن يعمّر الأرض وقال له أن يتمسك بالدنيا لكن لا تضعها في قلبك. وحينئذٍ أتصرف فيها، أتصرف فيها بإرادة الله من عمران الكون ومن السعي في الأرض صلاحاً. هذا الكون يسبح،
هذا الكون يسجد، هذا الكون مخلوق، هذا الكون مسخر لي. أنا جزء من هذا الكون باعتباري سيداً في هذا الكون، ولست جزءاً منه باعتباري مادة أو قطعة لحم هكذا تمشي في الطريق، لا. والله محيط بالكافرين، أحاط يعني أحدق من كل جانب، فالله سبحانه وتعالى بيده هذا.