سورة البقرة | حـ 50 | آية 22 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •التقوى مشتقة من "وقى" حيث تبدل الواو تاءً في أول الكلمة كما في "تراث" و"تجاه".
- •التقوى تعني حماية النفس من غضب الله وعقابه وكدر المعصية، وهي جعل حاجز بين النفس والنار.
- •سأل عمر أبي بن كعب عن التقوى، فشبهها بمن يمشي في واد مليء بالشوك، فيشمر ثيابه ويحذر مواضع قدميه.
- •قال ابن المعتز: "دع الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى، واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى".
- •الصغائر إذا تراكمت صارت كالجبال، فلا ينبغي احتقار الذنوب الصغيرة.
- •تعبير "لعلكم تتقون" في القرآن يحتمل معنيين: حتى تتقوا، ويمكن أن تتقوا، وكلاهما صحيح.
- •كتاب الله واسع المعاني، فالآية تحتمل معانٍ متعددة ما لم تتناقض.
- •جعل الله الأرض فراشاً للناس، والسماء بناءً محكماً، وأنزل من السماء ماءً لإخراج الثمرات رزقاً للناس.
مقدمة الدرس والاستهداء بكتاب الله الذي هو هدى للمتقين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله نعيش هذه الدقائق المعدودة، نستهديه سبحانه وتعالى، وهذا الكتاب هدى للمتقين.
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]
معنى التقوى لغويًا وأصلها من مادة وقي في اللغة العربية
والتقوى كما قلنا من "وَقَى يَقِي وِقَايَة"، والعرب تُبدل الواو في أول الكلام تاءً. مثل "الوِجاه" تصبح "تِجاه"؛ تقول: أنا الآن متوجه إلى اتجاه كذا، متوجه اتجاه. ومثل "الوِراث" تجدها في "تُراث"؛ تراثنا يعني وِراثنا، يعني من الميراث.
يعني "تراث" تبحث عنها في المعجم فأيّ مادة؟ في "ورث". و"تجاه" في "وجه"، و"تقوى" في "وقى". تبحث فيها في الواو ولا تبحث فيها في التاء؛ ستذهب إلى التاء فلا تجد شيئًا، فلا تجد شيئًا، فتقول: هذا القاموس خاطئ! لا، هو يردّها إلى أصلها.
معنى التقوى الشرعي وهو جعل حاجز بين العبد وبين النار
و"وَقِيَ" يعني ماذا؟ اتقوا النار ولو بشقّ تمرة. إذن الوقاية معناها أنك قد جعلت بينك وبين النار حاجزًا. إذن الوقاية فيها نوع من أنواع الحماية؛ وتحمي نفسك من ماذا؟ تحمي نفسك من غضب الله، تحمي نفسك من عقابه، تحمي نفسك من كدر المعصية.
فهل للمعصية كدرًا؟ بطبيعة الحال بالطبع! أيترك الله العبد وهو في المعصية؟ أبدًا! فإن بعض الناس يستمرون في عصيان ربهم حتى تسودّ قلوبهم ولا يستطيعون أن يعودوا إليه.
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
ويبقى في الجحيم [جحيم المعصية] ولا يعرف كيف يخرج منه.
نور الطاعة وهدوء البال يأتيان بتقوى الله وترك الذنوب صغيرها وكبيرها
ولذلك نور الطاعة وهدوء البال أمر مهم، ويأتي أول ما يأتي بتقوى الله. خلِّ الذنوب كبيرها وصغيرها، ذلك التقيّ، واصنع كماشٍ فوق أرض الشوك يحذر ما يرى، لا تحتقرنّ صغيرة إن الجبال من الحصى.
تبقى إذن [القاعدة أن] هنترك الصغيرة والكبيرة؛ لأننا إذا فعلنا الصغائر حصاةً بجانب حصاة تصنع جبلًا. إن الجبال من الحصى كما قالوا، ومعظم النار من مستصغر الشرر.
قصة سيدنا عمر مع أبيّ بن كعب في تعريف التقوى بالمشي في وادٍ فيه شوك
سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] سأل أُبيّ بن كعب [رضي الله عنه]، كانوا جالسين يتذاكرون وينصح بعضهم بعضًا:
ما التقوى يا أُبيّ؟ قال [أُبيّ]: أسرتَ في وادٍ فيه شوك؟ قال [عمر]: نعم. قال: فماذا فعلت؟ قال: شمّرت، أي أمسك ثيابه هكذا وشمّرها كي لا تتعلق بالشوك. هذا "شمّرت عن ثيابي وحذرت مما أرى"؛ يضع قدمه بعيدًا عن الشوك وهو حذِر.
قال [أُبيّ]: هكذا التقوى! ها أنت الآن أصبحت تتقي، ولكن تتقي ماذا؟ هنا تتقي الشوك [وفي الحياة تتقي المعاصي].
شعر ابن المعتز في التقوى مستوحى من قصة عمر وأبيّ بن كعب
فابن المعتز ذهب فأخذ هذا المعنى من القصة المروية عن سيدنا عمر وسيدنا أُبيّ [بن كعب رضي الله عنهما]، قال هذا الشعر:
دَعِ الذنوبَ صغيرَها وكبيرَها ذاك التُّقى، واصنعْ كماشٍ فوق أرض الشوك يحذرُ ما يرى، لا تحقرنّ صغيرةً إنّ الجبال من الحصى.
هذه التقوى [في معناها الشامل: ترك الذنوب صغيرها وكبيرها والحذر من كل ما يغضب الله].
معنى لعلكم تتقون بين الغاية والإمكان واحتمال اللغة العربية للمعنيين
وقوله سبحانه وتعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ يعني: حتى تتقوا، من أجل أن تتقوا. أم "لعلكم تتقون" بمعنى يمكن أن تتقوا؟ واردٌ هذا وواردٌ هذا، يعني أن اللغة العربية تحتمل المعنيين.
فماذا نفعل نحن عندما تحتمل اللغة العربية المعنيين؟ والله إن جاز الجمع بين المعنيين فاجمع بين المعنيين، ويكون كلام الله واسعًا؛ فهو صفة من صفاته سبحانه وتعالى أنه واسع. فإذا جاز الجمع بين المعنيين فاجمع بينهما، وتكون الآية تعني ذلك وأيضًا تعني هكذا.
اختلاف القراءات القرآنية وقاعدة الجمع بين المعاني عند عدم التناقض
وهذا يظهر لك عندما تختلف القراءات [القرآنية]؛ فالقراءة هذه تعني شيئًا والقراءة هذه تعني شيئًا، وتبقى الآية تدل عليهما معًا ما دام لا يوجد تناقض.
طيب، وإذا كان هناك تناقض فيجب أن ننتقل في ترجيحه إلى شيء آخر: السياق، العصر الذي نحن فيه، المعلومات التي لدينا تدل على ماذا؟ خير المجتمع، السنة، إجماع الناس، وهكذا. وهذا الذي يوجّه معنًى عن معنًى إذا تعذّر الجمع بينهما، فإذا أمكن [الجمع] فكتاب الله واسع.
الرد على المعترضين الذين جهلوا أساليب اللغة العربية في فهم القرآن
الحقيقة هذه لا يعرفها كثير من المعترضين على كتاب الله ممن جهلوا حقائق اللغة وأساليب العربية التي نزل بها القرآن. فيقول لك: انظر المفسر هذا يقول كذا، [والمفسر الآخر] يقول هكذا، نحن احترنا!
لا تحتر يا أخي! هذا وهذا صحيح، هما الاثنان لا يُجري [أحدهما على الآخر] شيئًا. هذا كتاب الله واسع، هذا معجز، هذا هداية للعالمين إلى يوم الدين، فتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
نعمة جعل الأرض فراشًا صلبة ينام عليها الإنسان ويستريح
قال [سبحانه وتعالى] ﴿الَّذِي﴾ أيضًا ستكون صفة لربكم:
﴿جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا﴾ [البقرة: 22]
الأرض سماها سبحانه وتعالى فراشًا نفترشها، أي ننام عليها. فالأرض جعلها الله صلبة ولم يجعلها تغوص بنا.
فالإنسان عندما يقف على قدميه يتعب، وعندما يتعب يحب أن يستريح، وبما أنه لا يملك من الدنيا شيئًا، فإن الله يريحه فيجعله ينام على الأرض؛ يمدّ طوله ويُصلب ظهره من تعب الوقوف.
فالله جعله يمشي على قدمين وأن جعله منصوب القامة، إلا أنه أيضًا جعله يتعب ممن يتعب من الوقوف، فينام ويستريح فيجد الأرض فراشه.
نعمة السكن والبيوت والأسرّة وتعليم الله للإنسان ما لم يعلم
وهذه نعمة [عظيمة]، فإذا أُضيفت إليها نعمة هداية الله لنا في السكن، فخلق لنا بيوتًا تقينا الحرّ وتقينا البرد، أيضًا سننام على الأرض. ثم جاء معلّمنا [الإنسان بإلهام الله] فصنع الأسرّة والكراسي.
فلو تأملت أين هو الإنسان وكيف يحيا الآن لعرفت نعمة الله عليه.
﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]
ولا استعظمت نعمة الله عليه ولا شكرت الله سبحانه وتعالى عند استعظامك للنعم.
تخصيص النعم للإنسان دون غيره وجعل السماء بناءً محكمًا بديعًا
فانظر إلى الكلمة: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾، انظر إلى كلمة "لكم" هذه؛ يعني هي ليست للحيوانات ولا للنبات ولا للجماد، هذا لك أنت سبحانه وتعالى. لك كل ما في الأرض وكل ما في السماء.
﴿وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً﴾ [البقرة: 22]
لمّا تنظر إلى السماء وقد حُرمنا من النظر إليها بعد التلوث الضوئي وبعد التلوث السمعي وبعد الأضواء والكهرباء، ولو حاولت أن تخرج هكذا بعيدًا عن ضياء المدينة وتنظر إلى السماء تجدها شيئًا بديعًا.
نظام السماء المحكم وعدم اصطدام الأجرام وآيات الله في الكون
وإذا بها وهي كذلك لا يضرب بعضها بعضًا، وكلٌّ في فلك يسبحون.
﴿لَا ٱلشَّمْسُ يَنبَغِى لَهَآ أَن تُدْرِكَ ٱلْقَمَرَ وَلَا ٱلَّيْلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِ وَكُلٌّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]
﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَـٰهَا بِأَيْيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]
تجد في البناء [الكوني] ما من نجم يصطدم بنجم آخر، ما تنهدم علينا من الكهرومغناطيسية ومن الجاذبية. اجلس ففسّر إذن، اجلس ففسّر وتعلّم، ولكن المنظور أمامنا أنها بناء وأنها بناء محكم.
إنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات رزقًا للناس والختام
﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً﴾ [البقرة: 22]
والماء جعل الله فيه كل شيء حيّ، فيبقى إذن به حياة البشر وبه حياة الحيوان. قال: "وأنزل من السماء" يعني من جهة السماء وليس من ذات السماء؛ ما هو المياه آتية من السحاب. فيبقى إذن "من جهة السماء".
ينفع في العربية هكذا؟ أينفع "من جهة السماء" أم "من ذات السماء"؟ هي تنفع أيضًا في العربية. وأما المياه فمن أين تنزل؟ لقد تأكدنا أنها من السحاب، والسحاب بُخِّر من البحر، وهكذا إلى آخر هذه الدورة المعروفة [دورة الماء في الطبيعة].
﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: 22]
وهذه تحتاج إلى مزيد إيضاح، فإلى لقاء آخر. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
