سورة البقرة | حـ 52 | آية 22 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 52 | آية 22 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

13 دقيقة
  • الله سبحانه جعل الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل الماء فأخرج به الثمرات رزقاً للناس.
  • الحياة الدنيا مبناها على الأسباب، والله خالق الأسباب والمسببات.
  • قاعدة العلماء: الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب جهل.
  • النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتوكل مع السعي، كما تفعل الطيور التي تخرج خماصاً وترجع بطاناً.
  • السعي في طلب الرزق ضروري، فهناك ذنوب لا يكفرها إلا السعي في طلب الرزق.
  • النبي خرج وهو يلبس درعين في أحد، رغم قول الله "والله يعصمك من الناس"، لبيان أهمية الأخذ بالأسباب.
  • التوكل على الله والرضا بأمره لا يتناقض مع اتخاذ الأسباب الصحيحة.
  • الله نوَّع الثمرات والعبادات لكي لا يمل الإنسان من الرتابة.
  • لا تجعلوا لله أنداداً، فالله أغنى الأغنياء عن الشرك.
  • حياتنا تستمر بمدد الله، ولو قطع الإمداد لتحول الكون إلى الفساد.
  • "لا حول ولا قوة إلا بالله" كنز من كنوز عرش الرحمن.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية الأسباب والمسببات من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه الدقائق المعدودة، نطلب منه الهداية والهدى.

قال تعالى:

﴿ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ [البقرة: 22]

أخرج بسبب الماء، فأشار سبحانه وتعالى إلى أن هذه الحياة الدنيا مبناها الأسباب، ولكن من الذي خلق الأسباب وخلق المسببات؟ الله [سبحانه وتعالى].

قاعدة العلماء: الاعتماد على الأسباب شرك وتركها جهل

فالجمع بينها [بين الأسباب والمسببات] أننا قد قُهِرنا تحت ما خلقه الله بأمر الله فينا. فالعلماء ظلوا يتدبرون هذا الأمر حتى وضعوا قاعدة أن الاعتماد على الأسباب شرك، وأن ترك الأسباب جهل.

إذن إذا لا نترك الأسباب وإلا نكون قد خرجنا عن سنة الأنبياء والمرسلين الذين أرسلهم رب العالمين هداية للناس أجمعين.

حديث التوكل على الله ورزق الطير الذي يغدو خماصاً ويروح بطاناً

فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»

تغدو يعني تخرج في الغداة، يعني الصباح هكذا مبكرًا، وعندما تذهب فتصبح شبعانة. خماصًا أي جائعة، فلما ترجع شبعانة، بطانًا [أي] بطنها ممتلئ.

قال العلماء: ذهبت وجاءت، ولو بقيت في أوكارها تركت الأسباب. هي خارجة تقول يا رب الصباح:

﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]

فتقول يا رب ارزقنا. الطير وخارجة جائعة، سبحانه يرزق الطير في السماء فتعود شبعانة. إذا ذهبت وجاءت، يبقى لا بد من السعي.

مقولة اسعَ يا عبد وأنا أسعى معك ليست آية ولا حديثاً بل تجربة بشرية

ولذلك العامة يقولون لك: ماذا؟ اسعَ يا عبد وأنا أسعى معك. وبعض العامة الذين ليس لهم يعني حظ من التعليم يقول: قال تعالى: اسعَ يا عبد وأسعى معك.

هذه ليست آية ولا حديثًا، فما هي إذن؟ هذه تجربة بشرية، ثقافة إنسانية، أنه شعر عندما طلع الصبح وقال يا رب وذهب وليس معه شيء، يقلب أرزاقه بالبيع بالشراء بالخدمة وما إلى ذلك، حتى رزقه ربنا ورجع مجبور الخاطر آخر النهار.

وإن من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها إلا السعي في طلب الرزق.

دلالة كلمة «به» في الآية على أهمية الأخذ بالأسباب مع الإيمان بخالقها

إذ أشارت هذه الآية [من سورة البقرة] في كلمة «به» أي بسببه إلى الأسباب وأنها من خلق الله. وعلى ذلك فترك الأسباب جهل؛ لأن الله الذي أرادها سببًا.

وخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد المتوكلين في [غزوة] أُحد فقال: فبين درعين. هو ربنا يقول:

﴿وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ﴾ [المائدة: 67]

ليس محتاجًا هو [صلى الله عليه وسلم إلى] درعين، إنما قال فبين درعين للسبب. فترك الأسباب جهل، لكن هذه الأسباب مع مسبباتها يجب أن تعتقد في قلبك أنها من خلق الله.

التوكل على الله والرضا بأمره لا يتناقض مع اتخاذ الأسباب الصحيحة

ولذلك فالتوكل على الله والرضا بأمر الله والاعتقاد في خالقية الله لا يتناقض مع السعي الصحيح واتخاذ الأسباب الصحيحة للوصول إلى مراد الله في خلقه.

فهنا يؤكد [الله سبحانه وتعالى] فقال: فأخرج، وهو الذي أخرج وهو الذي أنبت سبحانه وتعالى، إنما قال فأخرج ماذا؟ فهل يكون هذا كتابًا معجزًا أم لا؟ والله إنه كتاب معجز.

فلو كان قال: فأخرج من الثمرة رزقًا لكم، لكان الكلام صحيحًا مائة في المائة، ولكنه يشير إلينا وهو يخاطبنا في تأسيس مجتمعنا واجتماعنا البشري إلى عدم التخلي عن الأسباب، وإن اعتقدنا أنها من خلقه ومن فعله سبحانه وتعالى.

معنى كلمة الثمرات وتبادل حرفي الثاء والتاء في اللغة العربية

فأخرج به من الثمرات، ثمرة بالثاء. والعرب تقلب الثاء تاءً، يعني مثلًا الثور يقولون عليه تور، الثمرة يقولون عليها تمرة. الثاء والتاء يتبادلان حتى في الأسماء؛ عندنا نقول عثمان، بعض الناس يقول عتمان.

إذن الثاء والتاء ضعهما في ذهنك أنهما من الحروف التي تتعاور مع بعضها البعض. ما معنى تتعاور؟ أي تأتي محل هذه مكان هذه وهذه مكان هذه، ويسميها العلماء تتعاور. ما معنى تتعاور؟ أي تأتي بعضها مكان بعض.

كرم الله في تنويع الثمرات والعبادات رحمة بالإنسان من الملل

إذن فالله كريم لم يكتفِ بأن يمنحني ثمرة واحدة، وإنما أعطاني ثمرات مختلف ألوانها، ثمرات كثيرة متنوعة؛ لأن الإنسان يمل من الرتابة والتكرار، ولكنه يأنس بالتنوع والاختلاف.

ولذلك نوّع الله علينا العبادات متنوعة: في صيام وفي صلاة وفي زكاة وفي حج. ونوّع علينا في الصلاة: قيام وركوع وسجود. ونوّع علينا قراءة القرآن وذكر وكذلك إلى آخره.

نوّع علينا في العبادة حتى لا نمل، فإن:

قال النبي ﷺ: «إن الله لا يمل حتى تملوا، فليعبد أحدكم ربه على طاقته»

لا تُثبِّت حالة، لا تصلِّ مائة ركعة وأنت لا تعرف ما تقول، لا.

النهي عن جعل الأنداد لله والتحذير من الشرك في القلب والواقع

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: 22]، قاعدة كبيرة، نهي كبير جدًا ألا نجعل لله سبحانه وتعالى شركاء لا في قلوبنا ولا في واقعنا ومعيشتنا.

والنِّد هو المساوي، والأنداد [معناها] إنك تساوي [شيئًا بالله]. والنبي [صلى الله عليه وسلم يُبلّغ عن ربه]، والله سبحانه وتعالى يقول:

«أنا أغنى الأغنياء عن الشرك»

ويقول:

«الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما أخذته ولا أبالي»

و«أنا أغنى الأغنياء عن الشرك» معناها أنه يتركنا والعياذ بالله إلى حولنا وقوتنا.

دعاء النبي ألا يكلنا الله إلى أنفسنا وحقيقة الإمداد الإلهي المستمر

ومن دعاء النبي [صلى الله عليه وسلم]:

«ربنا لا تدعنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك»

هذا لو أن ربنا سحب منا إمداده لفنينا، ليس نموت بل نفنى. هذه الصورة كلها تذهب كالسينما عندما تطفئها. لا حول ولا قوة إلا بالله.

فالإمداد والخلق مستمر، لا يزال الله خالقًا:

﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ﴾ [الرحمن: 29]

اعلم أنك تعيش بمدد الله لك وبخلقه لحظة بعد لحظة، وأن الله لو قطع عنك الإمداد أو التهيئة والاستعداد لوصلت من الكون إلى الفساد.

شرح معنى الكون والفساد وأثر قطع الإمداد والتهيئة الإلهية

الكون الذي هو حصولك هكذا [أي وجودك]، والفساد قال: نفيك وعدمك، يصبح عدم. السينما وأغلقناها، ما الذي على الشاشة؟ لا يوجد شيء. وما السبب؟ أما نحن فقد قطعنا الإمداد.

حسنًا، لو أزلنا الشاشة يصبح التهيئة والاستعداد ذاهبًا. ما هو هذا؟ إمداد وهذا تهيئة واستعداد.

حسنًا، ماذا يحدث؟ بدلًا من الكون: الفساد. هم [العلماء] كانوا يزنونها لكم: لو قطع الإمداد أو أخلّ بالتهيئة والاستعداد لتحول الكون إلى الفساد، أي من كون موجود قائم إلى الفساد [أي العدم والفناء].

النداء بعدم جعل الأنداد لله وتفريغ القلب من السوى

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: 22]. أنا أقول لكم إذن ما هنا، الله يحفظكم: لا تجعلوا لله أندادًا، أنقذوا أنفسكم ولا تجعلوا لله أندادًا، اتركوا القلب من السوى، أي سوى الله.

ليس لنا إلا ربنا في الدنيا والآخرة. والدنيا محدودة نقوم بها وفيها بأخلاق محمودة، لكن إن قمنا بها بأخلاق مذمومة فلن تنفعنا دنيا ولا آخرة.

فاجعلوا قلوبكم خالية من السوى، وهذا معناه لا حول ولا قوة إلا بالله، أي لا حول ولا قوة إلا بالله، أي فلا تجعلوا لله أندادًا.

لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز عرش الرحمن وعظمة الكون

وأنتم تعلمون أن هذه هي لا حول ولا قوة إلا بالله التي هي كنز من كنوز عرش الرحمن. هذا الذكر مكتوب على عرش الرحمن، وعرش الرحمن هو أعظم كائن في الكون، في الكون كله عظيم جدًا.

السماء الدنيا حلقة في فلاة [أي في صحراء واسعة] بالنسبة للسماء الثانية، والثانية حلقة في فلاة بالنسبة للثالثة، والثالثة وهكذا إلى السابعة، كل واحدة حلقة في فلاة.

حسنًا ما هذا؟ السابعة هذه لا يتصورها عقل أنها حلقة في فلاة بالنسبة للعرش. حسنًا إذا كنا نحن لا نعرف أن نأتي بالسماء الدنيا ولا نعرف أن نحيط بها، فما بالك بكون الله الواسع، الخالق الذي يقول للشيء كن فيكون سبحانه وتعالى.

استنكار جعل الأنداد لله وبيان مذهب الماتوريدية في الفطرة الإنسانية

أنت جاهل، أنت غبي تجعل لله أندادًا! هو طيب، أين الند هذا من الند هذا؟ أين الذي خلق وأين الذي رزق وأين الذي ربّى وأين الذي إذا دعوناه أجاب سبحانه وتعالى؟

﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22]

يعني في حال كونكم تعلمون، والواو للحال. ممكن أم هذه للبيان؟ الواقع أنكم تعلمون. أن الماتوريدية يقولون هذا، يقولون إننا مفطورون على عبادة الله. أنت نفسك تعرف من داخلك أن هناك ربنا لكنك تقاوم.

ولذلك فإن الفطرة الإنسانية هذه، الماتوريدية يقولون هذا رضي الله عنهم، هم أهل السنة والجماعة مع الأشعرية، الفطرة الإنسانية وحدها تصدق بالله سبحانه.

خاتمة الدرس والتوديع بالسلام والدعاء

وتعالوا وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.