سورة البقرة | حـ 59 | آية 26 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 59 | آية 26 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • المسلمون قسّموا القرآن إلى ثلاثين جزءاً متساوية في الحروف تقريباً، وكل جزء إلى حزبين، وكل حزب إلى أربعة أرباع لتسهيل الختم والحفظ.
  • دعا الإمام النووي لتعديل مواضع الأرباع التي لا يكتمل فيها المعنى، لكن العلماء فضلوا الإبقاء على التقسيم الموروث.
  • قوله تعالى: "إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما" ينفي عن الله الحياء بمعنى الخجل الذي يكون للبشر نتيجة الخطأ أو الخوف.
  • نسبة الحياء إلى الله في بعض النصوص تكون على سبيل المقابلة والمشاكلة، وليست على الحقيقة، بل هي رحمة.
  • مثلها ألفاظ "المكر" و"الخداع" المنسوبة إلى الله في القرآن، فهي جاءت للمقابلة وليست صفات مستقلة.
  • يجب الحذر من التلاعب بمعاني القرآن وتحريفها بحجة الحرية أو نزع القداسة، فهذا خروج عن المنهج العلمي.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة الدرس وبداية تفسير آية ضرب الأمثال في سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في سورة البقرة، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا﴾ [البقرة: 26]

وهذا تجده في المصحف الربع الأول.

تقسيم القرآن إلى أجزاء وأحزاب وأرباع وفقًا لعدد الحروف

وقلنا من قبل ونُذكِّر أن المسلمين قد جزَّأوا القرآن وفقًا للحروف على ثلاثين جزءًا، أي أن كل جزء يساوي تقريبًا في الحروف الجزءَ الثاني والجزءَ الآخر، أي جزء من الثلاثين يتساوى في عدد حروفه مع الأجزاء الأخرى تقريبًا.

لماذا تقريبًا؟ لأنه أحيانًا يأتي الجزء وتبقى آيتان وبداية سورة، فيجعلون الجزء من بداية السورة وهكذا.

وقسَّموا الأجزاء إلى حزبين طبقًا للحروف، وقسَّموا الحزب إلى أربعة أرباع طبقًا للحروف.

الحكمة من تقسيم القرآن إلى أجزاء وأحزاب وأرباع للعبادة اليومية

وذلك حتى تجعل لنفسك حصة كل يوم جزءًا فتختم القرآن في شهر. والحزبان وِرْد الصباح والمساء، عمل اليوم والليلة؛ فتجعل هذا الحزب في الصباح وهذا الحزب في الليل.

والأرباع قيل لكي تقرأ بها في الصلوات، ولكي تحفظ أيضًا بها، ونقول هاهنا: حفظتُ كم ربع؟ وهكذا.

دعوة الإمام النووي لتغيير مواضع الأرباع والرد عليها

ولذلك تجد الأرباع أحيانًا تأتي في موضع لم يكتمل فيه المعنى. ولذلك دعا الإمام النووي إلى أن نُغيِّر هذه الأرباع، نبحث لها عن موضع آخر ونُحرِّكها؛ لأن كل ذلك من وضع المسلمين وليس من تنزيل رب العالمين، فهي خدمة للكتاب، خدمة للكتاب الشريف.

قالوا له: لا، دعنا هكذا، هو موروث هكذا وجاءنا هكذا فليبقَ هكذا أفضل. وإلا فإننا كنا سنجد كل حين واحدًا يقول: لا، أنا يُهيَّأ لي أن الربع ينتهي هنا، لا يبدأ هنا، لا يُعمَل هنا، لا يُصنَع هنا. قالوا: لا، فهذا مما ألهم الله به المسلمين من أجل أن يحافظوا حتى على الشكل، حتى على الخدمة، حتى على الإطار الخارجي لكتاب الله.

عظمة خدمة المسلمين لكتاب الله عبر التاريخ وبداية تفسير الآية

فالحمد لله رب العالمين، لم يلقَ كتابٌ قطُّ هذه الخدمة بهذا التوفيق على مرِّ التاريخ، والحمد لله أن جعلنا مسلمين.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِٓ﴾ [البقرة: 26]

فإذا نفى [الله] عن نفسه الحياء، فهذا الحياء معناه الخجل. الله سبحانه وتعالى لا يخجل، والكسوف يعني هذا الكسوف من صفات البشر.

السبب الأول للخجل عند البشر وهو الخطأ وتنزيه الله عنه

فما الذي يدفع إلى الخجل؟ أول شيء يدفع إلى الخجل هو الخطأ، يعني أنت تخجل لماذا؟ لأنك فعلتَ شيئًا خاطئًا.

طيب، رب العالمين سيفعل شيئًا خاطئًا؟ إذن لا يستحي [سبحانه وتعالى من ذلك].

السبب الثاني للخجل وهو الخوف بنوعيه وتنزيه الله عنهما

ثاني سبب للخجل ما هو؟ الخوف. خائف من أن يغضب منك أبوك وأنت تريد أن تراعي خاطره، جارك يغضب منك على سبيل المجاملة، خائف من أن ابنك، زوجتك، صديقك، يعني يقول لك: أهكذا تفعل؟ يعاتبك ويلومك، فمكسوف.

جميلة في حقنا؛ لأن أنا عامل خاطر لأبي وزوجتي وابني وصديقي وحبيبي وهكذا إلى آخره، جميلة منا جميلة.

ممن يخاف ربنا؟ لا إله إلا الله، لا إله إلا الله، سبحانه وتعالى عن أن يخاف. أو خائف مرعوب من غيرك أن يؤذيك ويضرك؟ هناك الخوف نوع من أنواع المجاملة: خائف عليه، يعني خائف أن تُغضب صديقك أو حبيبك. والثاني خائف منه لئلا يؤذيك لأنه رجل مُفتَرٍ.

من الذي يصل إلى الله بالضر؟ إنه يقول للشيء كن فيكون.

تنزيه الله عن جميع أسباب الحياء البشري وانتفاء الاستحياء في حقه

لا يوجد عتاب، إذا لم يكن هناك لا خوف بأي شكل، ولا خوف من المجاملة، ولا خطأ وقع فيه، وهو منزَّه سبحانه وتعالى عن النقائص، فمن أي شيء يستحي؟

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسْتَحْىِٓ أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا﴾ [البقرة: 26]

نسبة الحياء إلى الله تكون على المقابلة لا على الحقيقة

ربنا يحب الحياء سبحانه وتعالى، يحب الحياء من عبده. ولذلك نسبة الحياء إلى الله على المقابلة.

انظر إلى الكلام: أصبحت نسبة الحياء إلى الله تكون على المقابلة. ما هذه المقابلة؟ هذا يعني ليس حقيقيًّا، وإنما في مقابلة شيء ما؛ فالشيء هذا نسميه حياءً من أجل مقابلته بحياء، وإنما هو في حقيقته رحمة.

أمثلة على نسبة الحياء إلى الله وأنه رحمة في حقيقته

أن الله يستحيي أن يعذب ذا الشيبة في الإسلام، أن الله يستحيي، لا، ليس حياءً حقيقيًّا، ليس حياءً مثل حيائنا هذا. لماذا؟ لأن هذا الشيخ واستمراره على الإسلام وعمله في الإسلام وخدمته لمجتمعه وأهله تستوجب الرحمة، فالله يرحمه.

«ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»، فاستحياء الملائكة على المقابلة؛ وجدوه حَيِيًّا فتركوه في حيائه هكذا وأكرموه بسبب حيائه. فيكون إذن [الحياء المنسوب إلى الله والملائكة على المقابلة لا على الحقيقة].

أسلوب المشاكلة في القرآن والتحذير من وصف الله بصفات المقابلة استقلالًا

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]

لا، هذا ليس على الحقيقة، هذا على المقابلة.

﴿يُخَـٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَـٰدِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]

هذا ليس على الحقيقة، هذا على المقابلة.

﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]

لا، هذا ليس على الحقيقة، هذا على المقابلة. فهذه يسمونها أهل البلاغة المشاكلة.

فإذا وصفتموه بها استقلالًا احذروا، ليس استقلالًا! احذروا أن تقولوا: إن الله ماكر، إن الله خادع، إن الله يستحي. لا يجوز أن تصفوه بها [استقلالًا دون مقابلة].

بيان أن السيئة الثانية في آية الجزاء قصاص وليست سيئة حقيقية

﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ﴾ [الأنفال: 30]

نعم، ما هو:

﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]

وهذه السيئة الثانية هذه ليست سيئة ولا شيء، هذا قصاص.

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 179]

فانتبه لهذه الأمور؛ لأن كثيرًا منهم يلعبون فيها، ويقول لك: انظر، هذا يقول لك إن الله خادع! ما قال هكذا، ما هذه؟ مقابلة! ما، اقرأ الكلام وافهم.

أسباب أذية الخلق في فهم القرآن من جهل وسوء قصد وتلاعب

وأذية الخلق [في تحريف معاني القرآن تعود إلى أسباب]:

  1. عدم إدراكهم للعربية، هذا أول شيء.
  2. وثانيًا سوء قصدهم، هذا ثاني شيء.
  3. وثالثًا تلاعبهم؛ يريد أن يلعب [بكلام الله].

وانتبه، ولذلك كلما قرأ [مثل هذا الشخص] القرآن ازداد طغيانًا وكفرًا، لا دخل لنا به فيه.

معنى نفي الاستحياء عن الله في ضرب الأمثال وأن كلامه لا يأتيه الباطل

نحن نريد أن يهدينا هذا القرآن ونأخذ منه الهداية. فيقول لي ماذا؟ أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما.

ما المعنى وراء هذا الكلام؟ وراءه أن الله سبحانه وتعالى عندما أنزل كتابه وكلامه فهو كلام معتبر، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

بعض الناس يريدون أن يجعلوا كلام الله محل المناقشة والآراء والأفكار، بدعوى الحرية مرة، وبدعوى نزع القداسة مرة أخرى، وبدعوى المكافأة مرة ثالثة. وكل ذلك يخرج عن المنهج العلمي إلى المنهج الغوغائي؛ لا أنت قادر على الفهم باللغة، ولا معك أصول للفهم وأسس.

معنى سمادير السكارى وحالة من يجادل في كلام الله بغير علم

وتأتي بأفكار تُسمَّى بسمادير السكارى. هو السكران عندما يدخل في حالة السكر فإنه يرى خيالات تصل إلى الفيل الوردي.

ما هذا الفيل الوردي؟ يُقال إن السكران يكون جالسًا هكذا ثم يرى أن هناك فيلًا لونه وردي يهاجمه، وذلك لأن عينيه حمراوان من الشراب، يهاجمه من الحائط، فيسمونه الفيل الوردي.

وهي حالة الفيل الوردي الناتجة عن السكر. فالعرب أطلقوا على هذا اسم سمادير، وسمادير السكارى يعني الهذيان الذي يتخيله السكران.

خطورة الجدال في كلام الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير

فإذا كان الإنسان فاقدًا لأدواته، غير قادر على إدراك المنهج السليم للفهم السليم، يفقد أسس الفهم، وأراد مع ذلك أن يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، ثاني عطفه، فإن هذه الحالة التي هو فيها من سمادير السكارى.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والحمد لله رب العالمين.