سورة البقرة | حـ 61 | آية 27 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 61 | آية 27 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • الفاسقون هم الذين خرجوا عن الصراط المستقيم، ولهم ثلاث صفات رئيسية أوضحها القرآن.
  • الصفة الأولى: ينقضون عهد الله بعد ميثاقه، أي يدخلون في العهد ثم يحلون ما ربطوا.
  • الصفة الثانية: يقطعون ما أمر الله به أن يوصل، كصلة الأرحام وحق الجار وبر الوالدين.
  • الصفة الثالثة: الإفساد في الأرض، وهي أوسع دائرة من السابقتين.
  • المؤمن يعيش في سلام مع نفسه ومع من حوله ومع الأرض جميعاً.
  • سلام النفس يبدأ بالصلاة، فهي العهد الأول بين العبد وربه.
  • هذه الصفات الثلاث تتطابق مع صفات المنافقين: إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.
  • المنافق خاسر في الدنيا والآخرة، لذلك ختمت الآية بـ "أولئك هم الخاسرون" بأربعة تأكيدات.
  • العلم بالشر يؤدي إلى تجنبه، كما قال عمر رضي الله عنه: "لست بالخبيث ولكن الخبيث لا يخدعني".
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع الآية من سورة البقرة عن الفاسقين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه الدقائق، مع قوله تعالى في سورة البقرة:

﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِٓ إِلَّا ٱلْفَـٰسِقِينَ * ٱلَّذِينَ﴾ [البقرة: 26-27]

أي أن كلمة "الذين" جاءت في الآية التي بعدها، ولأنها جاءت بعد معرفة فهي لها [أي تفسير وبيان لصفات الفاسقين].

معنى الفسق في اللغة وهو الخروج عن منهج الله المستقيم

كأن شخصًا سأل: متى يكون الإنسان قد خرج عن منهج ربه؟ لأنه فَسَقَ، يعني خرج، وكلمة "خرج" هذه تعني خرج عن طريق مرسوم له، والطريق المرسوم رسمه الله عن طريق الوحي، وهو الصراط المستقيم، فخرج عن هذا الصراط المستقيم.

نريد أن نعرف الصفات التي إذا ما توفرت في أحدهم كان فاسقًا، حتى نتجنبها؛ لأن العلم بالشر يؤدي إلى تجنبه؛ لأن الشر سيء.

مقولة عمر بن الخطاب في معرفة الشر لتجنبه والحذر منه

وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: "لستُ بالخِبِّ ولكن الخِبَّ لا يخدعني"، أي: اعلم الشر حتى لا أقع فيه. يعني أنا لستُ خبيثًا، الخِبُّ الذي هو الماكر، ولكن الخبيث لا يستطيع أن يخدعني وأن يخدعني [بحيله]؛ لأني أعرف الألاعيب الخاصة بهذا الخبث.

الصفة الأولى للفاسقين نقض عهد الله بعد الميثاق والالتزام

فقال [الله تعالى]:

﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ﴾ [البقرة: 27]

فأول صفة فيهم أنهم ينقضون العهد؛ يعاهد [اللهَ] لكنه لا يلتزم بعهده؛ لأن كلمة "نقض" تعني حلَّ من بعد ما ربط. لا يُقال "نقض" إلا إذا ما حللتَ ما قد سبق وأن ربطتَ.

اربط الأول [أي افهم المعنى الأول]، وهذا كأن العهد فيه رباط مقدس بينك وبين الله سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك تحلُّ هذا الرباط.

معنى النقض في اللغة وأنه هدم لفعل سابق بالبطلان

فيبقى أم يأخذ بالله فيه نقض؟ فالنقض معناه الهدم، معناه فعلٌ يقضي على فعل سابق له بالبطلان. فالأول ربطتَ وبعد ذلك حللتَ، فالحلُّ الثاني هذا يسمى نقضًا، والنقض لا يكون إلا من فعل سابق.

إذن فهذا الصنف عاهد الله سبحانه وتعالى أولًا ودخل في العهد، بخلاف من لم يدخل في العهد، ثم بعد ذلك لم يستمر في أداء واجبات ذلك العهد، بل كفر عليه بالبطلان ونقضه وحلَّ الذي بينه وبين الله سبحانه وتعالى.

التأكيد على أن ناقض العهد دخل فيه أولاً ثم خرج منه

فكأنه يعني:

﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَـٰقِهِ﴾ [البقرة: 27]

أي بعد أن يربط [العهد مع الله]. وهنا يؤكد لنا أنه قد دخل فعلًا [في العهد] شيئًا أولًا، دخل ثم خرج، وليس هو خارجًا من البداية وغير راغب في الدخول، لا.

حسنًا، هذه الصفة الأولى [من صفات الفاسقين: نقض عهد الله بعد الميثاق].

الصفة الثانية للفاسقين قطع ما أمر الله به أن يوصل كصلة الأرحام وحق الجار

الصفة الثانية:

﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِٓ أَن يُوصَلَ﴾ [البقرة: 27]

ربنا أمر بـصلة الأرحام، قومٌ يقطعونها!

﴿لَا يَرْقُبُونَ فِى مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: 10]

ربنا سبحانه وتعالى أمر بـحق الجار:

قال رسول الله ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه»

سيجعله في الميراث من شدة تكرار جبريل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في التنبيه على حق الجار.

اقتران بر الوالدين بالتوحيد واقتران العقوق بالشرك في القرآن

أمر ربنا سبحانه وتعالى بـبر الوالدين، فإذا به يقطع ما أمر الله به ويعقُّ والديه. وبر الوالدين جعله الله مقترنًا بالتوحيد، وقطع هذا من العقوق جعله الله مقترنًا بالشرك:

﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [الإسراء: 23]

هكذا هو دائمًا، هكذا معًا في آيات كثيرة.

فهذه هي الصفة الثانية [من صفات الفاسقين]. إذن الصفة الأولى راجعة إلى نفسه [نقض العهد مع الله]، والصفة الثانية راجعة إلى من حوله: الأب والأم والجيران والأقارب.

الصفة الثالثة للفاسقين الإفساد في الأرض وتوسيع دائرة الشر

ونحن نوسِّع، ها نحن:

﴿وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 27]

هذه هي الصفة الثالثة، أوسع [من سابقتيها]. إذن ليس فقط أنه مع نفسه لا توجد تزكية فيه، نقضٌ لعهد الله مع نفسه، ولا مع من حوله لا يوجد بِرٌّ ولا صلة ولا حق، بل إنه يتعدى الدائرة الثانية هذه إلى دائرة أشد وهي الإفساد في الأرض.

﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: 204-205]

فما علامة هذا الفساد؟

﴿وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [البقرة: 205-206]

الدوائر الثلاث التي يريد الله من المؤمن أن يكون فيها في سلام

إذن عندنا دوائر ثلاث: مع النفس، مع من حولنا، مع الأرض جميعًا.

فالله سبحانه وتعالى يريد من المؤمن أن يكون في سلام مع نفسه، وأن يكون في سلام مع من حوله، وأن يكون في سلام مع أهل الأرض جميعًا.

ما السلام الذي مع النفس؟ سلام النفس أوله الصلاة؛ حافظ على الصلاة تجد روحك في سلام مع نفسك، إذا ما أديت الصلاة كما أمرك الله:

﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]

إقامة الصلاة هي أول تنظيم بينك وبين نفسك.

الصلاة هي العهد بين المسلم وربه ومعنى تركها في الحديث النبوي

قال رسول الله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»

انظر إلى سيدنا رسول [الله ﷺ]، فاهم إذن، العملية واضحة جدًّا، فينبغي عليك أن تفهم مراد الله ومراد رسوله من كلامه.

إذن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر. قال العلماء: عبَّر بالفعل ولم يعبِّر بالاسم، قال ["فقد كفر"] ولم يقل "فهو كافر"، بل قال: "فقد كفر".

ما الفرق بين التعبير بالفعل؟ قال: الفعل يفيد التجدد، والتعبير بالاسم كما قال يفيد الدوام والثبات والاستمرار.

التعبير بالفعل كفر يفيد وجود فرصة للتوبة ونقض العهد بترك الصلاة

"كفر" إذن هناك فرصة [للتوبة والرجوع]، يعني أتى فعلًا من أفعال الكفار، أنه ليس هناك صلة بينه وبين الله، أنه أزال ربنا من ذهنه، وهو نقض العهد.

قال رسول الله ﷺ: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة»

إذن إذا كانت الصلاة هي أول درجات ذلك العهد، فواحد يقول لي: أريد أن أبدأ إذن وأسير على الصراط المستقيم، فيجب أن تكون الصلاة أول شيء.

أركان الإسلام الخمسة وعلاقتها بالدوائر الثلاث مع النفس ومن حولك والأرض

قال رسول الله ﷺ: «بُني الإسلام على خمسة أركان: على الشهادة وإقامة الصلاة»

أول شيء هكذا [الصلاة هي العهد مع النفس].

وإيتاء الزكاة؟ نعم، هذه لمن حولك [الدائرة الثانية: السلام مع من حولك].

وصيام رمضان، وحج البيت؟ نعم، هذا الحج مظهر من مظاهر عمارة الأرض [الدائرة الثالثة].

ولذلك هم هؤلاء الثلاثة [الدوائر الثلاث: النفس، ومن حولك، والأرض].

ناقض العهد كاذب وصفاته من صفات المنافقين في الحديث النبوي

الذي ينقض العهد هذا صادق أم كاذب؟ فقال: لا، كاذب؛ لأنه قال: أنا على عهد أن أستمر وعهد الله أن أستمر، وبعد ذلك اتضح أنه لا يستمر ولا شيء.

قال: حسنًا، وإذا حدَّث كذب، هذا من صفات من؟ صفات المنافق.

قال: حسنًا، وعندما يؤذي جيرانه ويعقُّ والديه ويسعى هكذا فيمن حوله بالقطع:

﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِٓ أَن يُوصَلَ﴾ [البقرة: 27]

فيكون هذا مندرجًا تحت أيِّ الثلاث [من صفات المنافق]؟

صفات المنافق الأربع في الحديث النبوي وعلاقتها بصفات الفاسقين في الآية

قال رسول الله ﷺ: «من كانت فيه كان منافقًا خالصًا: إذا حدَّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر»

وفي رواية:

«وإذا خاصم فجر»

وفي رواية: آية المنافق أربع وليس ثلاث، وجمعوا الأربع هذه: إذا حدَّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر.

ما رأيك أن هذه الثلاث التي لدينا هنا [في آية سورة البقرة] هي إذن صفات المنافقين؟

المنافق منبوذ في الدنيا وصفة الفجور في الخصومة من علامات النفاق العملي

المنافق هذا ما وضعه في الدنيا؟ منبوذ؛ لأن هذه الصفات التي يسمونها النفاق العملي الإنسان يضيق بها.

أنت عندما تجد إنسانًا كذابًا وفاجرًا في خصومته، عندما يأتي ليخاصم يبيع الدنيا ويقول لك: يا ذاهب أكثر من الفضائح! هذا كلام، هذا كلام المنافقين: يا ذاهب أكثر من الفضائح! ألستَ ستترك العمل نهائيًّا؟ قل لهم أقوالًا سيئة لا تليق.

وما هذا؟ هذا "إذا خاصم فجر"، يبقى إذن هذه صفات المنافقين.

خسارة المنافق في الدنيا والآخرة وتأكيدات الآية الأربعة على خسرانهم

المنافق خاسر في الدنيا وخاسر في الآخرة:

﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]

ولذلك ختم الآية فقال:

﴿أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَـٰسِرُونَ﴾ [البقرة: 27]

ما لم يقل "أولئك الخاسرون"، بل أكدها بـ**"هم"** هذا للتأكيد، والألف واللام للتأكيد، و**"خاسرون"** بالاسم وليس الفعل للتأكيد، وعندما يشير إليهم [بأولئك] يكون للتأكيد.

إذن فيها واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة تأكيدات، أي هم هؤلاء فعلًا [الخاسرون حقًّا].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.