سورة البقرة | حـ 62 | آية 28 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 62 | آية 28 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • يستنكر الله تعالى في الآية الكريمة "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون" على البشر كفرهم به.
  • الاستفهام في الآية ليس لطلب المعرفة، بل للاستنكار والتبكيت، فهو من نحو المعاني وليس نحو الألفاظ.
  • ينكر الله منطقياً كيف يكفر الإنسان بخالقه الذي أوجده من العدم ثم يميته ثم يحييه للحساب.
  • الموت حقيقة مكتوبة على كل إنسان مهما طال عمره، كما في قصة نوح الذي عاش 950 سنة.
  • يذكر المتحدث قصة آدم الذي وهب من عمره لداود، وقصة موسى مع ثور الطور.
  • الإيمان بيوم القيامة يضبط سلوك الإنسان في الحياة الدنيا.
  • بدون الإيمان بالحساب يسود قانون القوة، فيأكل القوي الضعيف.
  • الإيمان بالله هو الضابط الذي يجعل الإنسان يسير على الصراط المستقيم.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

مقدمة تلاوة آية كيف تكفرون بالله من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه الدقائق، مع قوله تعالى في سورة البقرة:

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَـٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28]

أدوات الاستفهام في اللغة العربية وأصل السؤال في طلب الفهم

في هذه الآية سؤال، وأصل السؤال يأتي ببعض أدوات الاستفهام: هل، كيف، أين، متى، وهكذا. هذه الأدوات التي للاستفهام تجعل الكلام في أصله لطلب الفهم؛ في أصله إنشاء، فالاستفهام إنشاء وليس خبرًا.

أريد به المعرفة، فيكون إذن أصل السؤال في لغة العرب كشفًا عن التصديق أو التصور؛ يعني إما أن أسأل: ما الذي حصل؟ وإما أسأل: ما الذي حدث من هذا أو من ذاك؟ و"كيف" للسؤال، فهي أيضًا من هذا الباب.

انتقال السؤال من الاستفهام إلى الاستنكار عندما يكون السائل هو الله

قال: ولكن يتنوع غرض السؤال باختلاف السائل والمسؤول عنه. من السائل هنا؟ الله، فهذا علّام الغيوب؛ إذن لا يريد منا علمًا لأنه هو علّام الغيوب، السائل هو الذي علّمني.

قال: إذن ينتقل السؤال ما دام قد صدر عن علّام الغيوب من كونه للاستفهام إلى كونه للاستنكار.

مثال توضيحي على الاستنكار بأسلوب السؤال في الحياة اليومية

وأنا أرى واحدًا يلعب، ولدًا يلعب هكذا، أنا أراه بعيني أنه يلعب والامتحان غدًا، أقول له: أنت تلعب؟ أنت تلعب؟ هذه "هل تلعب؟" ها هي السؤال.

أما أن يكون باسم استفهام أو حرف استفهام، ويمكن أن يكون بالنَّبْر؛ النَّبْر الذي هو الضغط. "أنت تلعب!" وتلوح له باليد هكذا مع النَّبْر، يجعلك كأنك تسأل وأنت تراه يلعب.

nعم، فإن الغرض من هنا ليس الاستفهام، وإنما هو الاستنكار من السائل؛ شخص عرف وعلم أن أخانا هذا يلعب، فيقول له هكذا: "أنت تلعب!" في أي حال؟ في حال يستوجب عدم اللعب لأنه حال جِدّ.

الفرق بين نحو الألفاظ ونحو المعاني في فهم أسلوب الاستفهام القرآني

فيبقى إذا هنا نظرنا إلى السائل، ونقلنا الكلام من الاستفهام إلى الاستنكار. حسنًا، وما فائدة هذا الكلام الذي أقوله؟ هذا فائدته أنه سيظل استفهامًا في علم النحو، ولكن نحو المعاني ما هو؟

في نحو الألفاظ ونحو المعاني: نحو المعاني هو استنكار، النحو الخاص بالألفاظ "كيف" للاستفهام، والنحو الخاص بالمعاني "كيف" للاستنكار.

التحذير من خلط نحو الألفاظ بنحو المعاني لإثارة الشبهات ضد القرآن

المعلومات البسيطة هذه يلعبون بها الآن؛ يقول لك: "انظر هو يسأل!" هو الله يسأل؟ نعم، الله يسأل. لماذا؟ للتبكيت والاستنكار؛ لأن هذا نحو معانٍ.

يخلطون بنحو الألفاظ وحول المعاني، أم أنهم لا يخلطون بل يتعمدون الخلط لكي يثيروا شبهات ضد القرآن؟ وكلما أثاروا شبهات ضد القرآن كلما القرآن يتعالى عليهم؛ شيء عالٍ جدًا، فهذا لعب أطفال لا ينفع.

معنى كيف تكفرون بالله الاستنكاري وبيان أنه لا منطق ولا عقل يؤدي للكفر

"كيف تكفرون بالله" فيكون هذا معناه ماذا؟ الاستنكار. لن نعيدها مرة أخرى؛ لأن هذا سيأتينا بأساليب في القرآن. كذلك نحو الألفاظ هو للاستفهام، نحو المعاني الذي هو الاستنكار.

"كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتًا"، كيف؟ يعني هذا ليس منطقيًا ولا عقلًا يؤدي إليه؛ لا المنطق يؤدي إليه ولا يؤدي العقل إليه. من الذي قال لكم كذلك أن أنتم تكفرون بالله وهو الخالق؟

حيرة المنكرين لوجود الله وعجزهم عن الإجابة عن سؤال الخلق

شِلْ من الحكاية [أي أزل الإيمان بالله من المعادلة] لا تبقى سوى الحيرة. من الذي خلقك؟ يقول لك: "لا أعرف، وأنا أريد أن أبحث." متى بدأ هذا الكون؟ وكيف بدأ؟ ولماذا بدأ؟ حسنًا ابحث.

يقعد يبحث، لكنه لا يريد أن يصل إلى نتيجة؛ من زيّنت له الشهوات، لا يريد تكليفًا. فيقول لك: "لا يوجد رب." بداية: لا يوجد رب. حسنًا، كيف وُجدنا؟ ومن هذا الذي نصلي له وندعوه فيستجيب؟ أنت أحمق!

من يقر بوجود الله لكنه ينكر الوحي والتكليف هروبًا من الالتزام

إذن من هذا الذي ندعوه فيستجيب؟ أنت ما شأنك؟ قال له: قال إنه يوجد رب لكن ليس له شأن بنا. يريد أن ينكر الوحي والتكليف؛ لا يريد أن يصلي، ويريد أن يكون غير منضبط وغير مترابط.

﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا﴾ [البقرة: 28]

لم تكونوا موجودين هنا في الحياة الدنيا فأحياكم.

عجز المذاهب الفلسفية عن الإجابة عن سؤال الوجود ووضوح الإسلام

اعطني هذا السؤال [سؤال: من أوجدنا بعد العدم؟]، وهو سؤال فلسفي حيّر العالم. ويجب على المذاهب الفلسفية أن تجيب عنه؛ إجابات أحيانًا مضحكة، وأحيانًا غبية، وأحيانًا بليدة، وأحيانًا...

ولكن الإسلام أمر واضح. ماذا يقول لك؟ والله الذي خلقنا ربنا؛ لأن هذا ما حدث فعلًا. فإذا صرفنا وجوهنا وعقولنا عن هذه الحقيقة البسيطة نضطرب ونقول كلامًا عجيبًا غريبًا، ونقوله ثم نتراجع عنه، وهكذا. لكن مع وجود الله ينتهي الأمر.

حتمية الموت وعجز الإنسان عن التخلص منه مهما طال العمر

فأحياكم ثم يميتكم، الموت نراه بأعيننا. بعض الناس قالوا: لنقم بأبحاث لنطيل بها عمر الإنسان. قالوا: حسنًا أطيلوا العمر. الإنسان قالوا: نقضي على الموت! فتعال امشِ في هذا الطريق؛ ستجد نفسك في طريق مسدود.

الموت مكتوب علينا؛ ما من أحد يعرف كيف يتخلص منه، وما من أحد سيتخلص منه.

ضرب المثل بسيدنا نوح وآدم في طول العمر وحتمية الموت

سيضرب الله لنا مثلًا هنا على سيدنا نوح الذي عاش في الدعوة تسعمائة وخمسين سنة؛ ألف سنة إلا خمسين عامًا. هناك أناس عاشوا كثيرًا، ولكن بعد ذلك ماذا؟ ولا شيء، سيموتون أيضًا.

وقيل أن سيدنا آدم عاش ألف سنة، وأنه قد اطّلع إلى عالم الملأ الأعلى فاستمع إلى صوت جميل، فقال: ما هذا يا رب؟ ما هذا الصوت الجميل العذب؟ قال: هذا صوت داوود. كان سيدنا داوود صوته عذبًا جدًا، وكان عندما يقرأ المزامير يسبّح بها ربه؛ يعني شيئًا آخر، يعني شيئًا جميلًا جدًا.

قصة آدم مع ملك الموت وتقديمه مائة سنة من عمره لداوود

أعجب آدم [بصوت داوود]، فآدم قال له: حسنًا، ما رأيك أن تعطيه من عمري مائة سنة؟ قال له: حسنًا.

عندما جاء ملك الموت لآدم، قال له: ما هذا؟ إنني باقٍ لي مائة سنة! فقال له: ألست أنت الذي قدّمت مائة سنة لابنك داوود الذي سيأتي، وقد اتفقنا على ذلك؟ قال: لا، أنا ما لي علاقة.

قال: فنسي آدم فنسيت ذريته؛ يعني نسي الذي وعد به، المائة سنة هذه وعد بها.

حب الإنسان للحياة وحتمية الموت حتى مع طول العمر كقصة موسى

هكذا الإنسان يحب أن يعيش؛ كلما تقدم في العمر كلما يقول لك: "فقط دعنا نبقى كذلك خمس أو ست سنوات"، وهكذا. وفي النهاية ماذا؟ مائة، بعد المائة سنة مات.

وكذلك سيدنا موسى قال له [ملك الموت]: ضع يدك على ثور، أي ضع يدك عليه، فبعدد شعر ذلك الثور تعيش. قال له: ثم بعد ذلك، بعد ذلك ماذا؟ قال له: ثم تموت. قال له: حسنًا، الآن أحسن.

وأنت الآن ستجعلني أعيش ألف سنة، ألفي سنة، عشرة آلاف سنة؛ انظر كم شعرة في الثور! ثم بعد ذلك أموت.

أرذل العمر ونعمة الموت في رحمة الله بالإنسان

الإنسان يعجز ويصبح مردودًا إلى أرذل العمر. ما هو أرذل العمر؟ هذا الذي تحتاج فيه إلى غيرك؛ تريد أن تتوضأ لا تعرف كيف تتوضأ، تريد أن تنام لا تعرف كيف تنام، تريد أن تأكل ولا تعرف كيف تأكل. هذا هو أرذل العمر.

فلماذا لا يموت الإنسان وهو في صحة جيدة؟ إذن فنعمة الله سبحانه وتعالى علينا أنه جعل هذه الحياة ميتة [أي فانية].

البعث يوم القيامة والحساب وأثر الإيمان في ضبط سلوك الإنسان

ثم يميتكم ثم يحييكم، أي يوم القيامة، الناس ينكرونه. ثم إليه ترجعون للحساب.

وهذه هي تربية الإنسان؛ فلا يعتدي على أخيه الإنسان في الدنيا. يوم القيامة، ما الذي يجعل الإنسان تراه متمسكًا بالطاعة، معمّرًا للأرض، خائفًا من ربه لئلا يُحاسب؟

حسنًا، أزِلْ هكذا يوم القيامة [من المعادلة]؛ إذا لم يكن هناك يوم قيامة فإن القوي يأكل الضعيف، والدولة القوية تأكل الدولة الضعيفة، والأمة القوية تتسلط على الضعيفة، ويحدث الفساد في الأرض.

استنكار الله للكفر والفساد وأهمية الإيمان في السير على الصراط المستقيم

ومن هنا استنكر الله عليهم الكفر، واستنكر الله عليهم الفساد في الأرض، واستنكر الله عليهم ألا يؤمنوا بالله سبحانه وتعالى.

وهو الضابط الرابط للإنسان في أن يسير على الصراط المستقيم.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.