سورة البقرة | حـ 63 | آية 29 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 63 | آية 29 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • القرآن يؤكد أن العالم مخلوق له بداية وأن الله هو خالقه، وقد تجلت صفات الله في هذا الكون الذي يعد كتابه المنظور.
  • العلاقة بين الأسباب والمسببات في الكون علاقة غالبة وليست حتمية مطلقة، وهذا ما يؤمن به أهل السنة والجماعة.
  • يحدث أحياناً تخلف المسببات عن أسبابها كما في قصة إبراهيم مع النار التي لم تحرقه بأمر الله.
  • الفكر المادي يرى أن العلاقة بين السبب والمسبب حتمية لا تتخلف، ما يجعله ينكر المعجزات ويرفض الدين.
  • العلم الحديث اكتشف أن النظام الذي نعرفه يمثل نسبة ضئيلة من العالم، وأن الكثير مما حولنا لا يخضع للقوانين المعروفة.
  • المسلم يجمع بين قراءة كتاب الله المسطور (القرآن) وكتابه المنظور (الكون) فيرى اتساقاً وتكاملاً بينهما.
  • الله سخر ما في الأرض للإنسان، والمطلوب من المسلم أن يتخلق بأخلاق الله ويبحث عن النظام الإلهي وراء ما قد يبدو عشوائياً.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية خلق الأرض والسماوات من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات، مع قوله تعالى في سورة البقرة:

﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29]

تذكير الكافرين بنعمة الإحياء والإماتة ودلالتها على البعث

بعد أن نعى [الله سبحانه وتعالى] على الكافرين كفرهم وأنكر عليهم حالهم، وذكّرهم بأنه هو الذي أخرجهم من دائرة الموت إلى دائرة الحياة، ومن دائرة الحياة إلى دائرة الموت.

وهذا نشاهده؛ فنشاهد الإنسان بعد أن كان عدمًا يُولد ويُوجد وهو حادث في هذه الحياة الدنيا، ثم يحيا إلى أن يموت. ونرى الموت أيضًا، فنرى إحياءه ونرى إماتته، ونعلم أن قبل هذا الإحياء كان ميتًا، وأن بعد هذا الموت لا بدّ أن نعتقد أن هناك حياة أخرى في يوم القيامة، نقوم فيه إلى ربنا ونرجع إليه سبحانه، فينبئنا بما كنا فيه نختلف، وينبئنا بما كنا نعمل.

ويقوم هذا اليوم مقامًا عظيمًا في نفس المؤمن في التزامه بالصراط المستقيم.

الآية تثبت أن العالم مخلوق وأن الخالق هو الله وحده

أرجعنا [الله سبحانه وتعالى] إلى الحياة التي خلقها، فقال:

﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]

إجابة واضحة أن هذا العالم مخلوق. بعض الناس يرون أن هذا العالم قديم لا بداية له، والله يقول لنا من العقائد الأساسية حتى نسعى في إطارها: أن هذا العالم مخلوق، ومخلوق معناه أن له بداية.

حسنًا، ثانيًا: أن الخالق هو الله، هذه [العقيدة] الثانية؛ أن الخالق هو الله.

صفات الله التي وصف بها نفسه وتجليها في الكون المنظور

والله وصف نفسه بأنه على كل شيء قدير، وصف نفسه أنه فعّال لما يريد، وصف نفسه بأنه:

﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

وصف نفسه بأنه بديع السماوات والأرض، وصف نفسه بأنه حكيم، ووصف نفسه بأنه الأعلى:

﴿سَبِّحِ ٱسْمَ رَبِّكَ ٱلْأَعْلَى﴾ [الأعلى: 1]

ووصف نفسه بصفات، وهذه الصفات التي وصف الله نفسه بها قد تجلّت في هذا الكون. إذن هذا الكون هو كتاب الله المنظور الذي ننظر إليه ونحيا فيه.

ثلاثة مظاهر في الكون المنظور: النظام والأسباب والتنوع

فماذا نرى فيه [في هذا الكون]؟ نرى فيه نظامًا بديعًا لا يتخلف، نرى فيه أسبابًا ومسببات، نرى فيه تنوعًا واختلافًا.

ففي ثلاثة أشياء نريد أن نعالجها؛ هناك أشياء كثيرة لكن سنقف عند هذه الثلاثة.

أمثلة على الأسباب والمسببات في حياتنا اليومية

أسباب ومسببات: إنني عطشان، أريد أن أشرب، أشرب الماء فيذهب العطش، فيكون الماء سببًا للريّ. جائع، آكل الطعام فيذهب الجوع، فيكون إذن الطعام سببًا للشبع.

أريد أن أذبح كتكوتًا أم فرخة، ولا أقطع قطعة لحم ولا زبدة، فأقوم فآتي بالسكين وأفعل كذلك، فأجد في السكين سببًا للذبح أو القطع. أريد أن أشوي قطعة اللحم فآتي بنار، فالنار سبب للإحراق.

موقف أهل السنة والجماعة من العلاقة بين السبب والمسبب

ما العلاقة بين السبب والمسبب؟ فقام أهل السنة والجماعة فقالوا: علاقة عادية، بمعنى أن هناك تلازمًا بين السبب والمسبب؛ كلما أشرب أشبع، كلما أجلب النار كلما يحدث الاحتراق. فهناك علاقة بين السبب والمسبب لا تتخلف عادة.

قلت له: عادة تعني ماذا؟ قال: تعني غالبًا. قلت له: غالبًا تعني ماذا؟ قال: تعني أحيانًا تتخلف.

قصة إبراهيم عليه السلام دليل على تخلف السبب عن المسبب أحيانًا

قلت له: وهل يوجد أحد يضع يده هكذا في النار فلا تحترق؟ قال لي: سيدنا إبراهيم، سيدنا إبراهيم.

الله! طيب، وسيدنا إبراهيم ربنا فعل به ذلك لماذا؟ وقال:

﴿يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]

قال: حتى يبيّن أن العلاقة بين السبب والمسبب علاقة تلازم لا تتخلف غالبًا، لكنها قد تتخلف، قد تتخلف.

الفكر المادي يرفض تخلف الأسباب ويكذّب المعجزات النبوية

الفكر الثاني يقول ماذا؟ يقول: أبدًا لا تتخلف [العلاقة بين السبب والمسبب] أبدًا. قال: ولا تتخلف أبدًا هكذا.

فهو قال: وما معنى هذا؟ قال: معناه أن كتابكم هذا كاذب لمّا قال:

﴿يَـٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَـٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]

فيكون هذا كذبًا. فماذا بعد ذلك؟ قال: إذن ما دام هذا كذبًا فلنغلق أبواب الدين هذه نهائيًا، والأسباب لا تتخلف أبدًا. قال: أبدًا لا يمكن.

إنكار المعجزات النبوية بحجة حتمية الأسباب والمسببات

فلمّا يأتي إليّ ليقول لي إن موسى [عليه السلام] ضرب بعصاه فصار كل فِرق كالطود العظيم، وعندما يأتي ليقول لي إن إبراهيم [عليه السلام] دخل النار من هنا وخرج من هنا ولم يصبه شيء، وعندما يأتي ليقول إن عيسى [عليه السلام] رُفع إلى السماء، وعندما يأتي كل هذا الكلام فهو مخالف للأسباب؛ لأن السبب والمسبب العلاقة بينهما الحتم، شيء محتم.

عقيدة أهل السنة في أن العلاقة بين الأسباب غالبية لا حتمية

في حين أن عقائد أهل السنة والجماعة تقول: إنه ما هي العلاقة [بين السبب والمسبب]؟ ما هي؟ علاقة غالبًا.

نعم، كل واحد يضع يده في النار يحترق إلا سيدنا إبراهيم [عليه السلام]. كل واحد لا يعرف أن يطير بنفسه هكذا في السماء إلا سيدنا عيسى [عليه السلام]. كل واحد لا يعرف أن يفلق البحر إلى نصفين إلا سيدنا موسى [عليه السلام].

لا ضير في هذا، غالبًا؛ لأن الله على كل شيء قدير، لأنه:

﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]

لأنه:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

لأنه هكذا، يعني مفاهيم كهذه خاصتهم [أهل السنة والجماعة].

العلم الحديث يكتشف عشوائية الكون بعد قرون من ادعاء الحتمية

قوم تدور الأيام وتذهب الأيام وتأتي الأيام، ويرون أسبابًا غير راضية أن تسير مع مسبباتها، وبعد ذلك يأتون ليقولوا أن العالم عشوائي.

حدث سبب ولم يحدث المسبب الخاص به، وحدث سبب ولم يحدث المسبب الخاص به، وحدث المسبب ولم يحدث السبب الخاص به. ونحن لا نعرف له نظامًا، والنظام الذي نعرفه صغير جدًا؛ ثلاثة في المائة، وسبعة وتسعون في المائة من العالم الذي حولنا ليس له نظام [وفق زعمهم].

نقد دعوى العشوائية والحتمية وبيان موقف أهل السنة الوسطي

ففي فوضى! الله! أي لا يوجد حتم؟ قالوا: لا، لا يوجد حتم. أخيرًا، بعد أن ظللتم تضحكون علينا لمدة قرنين من الزمان، وتجعلون الذين يقولون إنه لا توجد حتمية مجانين ومتخلفين وشيء كهذا، يعني عقلية الخرافة.

وبعد ذلك الآن تأتون في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدلًا من أن تؤمنوا بالله، وبدلًا من أن تؤمنوا أن العلاقة بين السبب والمسبب ليست حتمًا وإنما هي غالبًا كما قال أهل السنة والجماعة عبر القرون، بدلًا من ذلك تذهبون إلى الناحية الأخرى من الكفر وتقولون إن هذا العالم عشوائي.

الإيمان بالله هو المفتاح لقراءة كتاب الله المسطور والمنظور

حسنًا، إذن ابقَ وأنت تفكر وأنت تنظر لتعرف أن هذا الكلام صحيح وهذا الكلام صحيح، ولكن الإيمان بالله هو الذي يجعلنا نقرأ القراءة الصحيحة لكتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور؛ فهما لا يختلفان.

كتاب الله المسطور الذي هو القرآن، كتاب الله المنظور الذي هو الكون.

وجوب استقرار مبدأ الخالقية وتسخير الكون للإنسان لا صراعه معه

فانظر، هو [الله سبحانه وتعالى] يقول لك:

﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]

فيجب أن يستقر مبدأ الخالقية في عقلك، وبعد ذلك تعرف أن هذا الخلق إنما هو مسخّر لك. وأنت بينك وبين هذا الكون اتساق وليس صراع.

هناك [من] يقول لك: هذا عشوائي وصدفة، وبينك وبينه صراع، ونحن حيارى ولسنا نعرف ماذا نفعل. الأمر ليس كذلك.

خسارة العالم بانحطاط المسلمين ووجوب التخلق بأخلاق الله في طلب العلم

فانظروا ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين! انظروا لمّا لم يفكر المسلمون وأخذ غيرهم الريادة في أيديهم ونحّوا رب العالمين إلى ما وصلوا.

فيقول:

﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29]

عالمٌ لكل شيء، ولذلك لا بدّ عليك أن تتخلق بأخلاق الله وتسعى لترى النظام جليًّا وراء ما ظننته أولًا أنه عشوائي؛ لأنه من عند الله الحكيم البديع.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.