سورة البقرة | حـ 64 | آية 29 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 64 | آية 29 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يشرح النص العلاقة بين السبب والمسبب، مؤكداً أنها مبنية على الأغلبية والعادة وليست حتمية، فالله يخلق الإحراق عند مماسة النار والشبع عند الطعام.
  • يبين أهمية استحضار الإنسان لمخلوقية الأرض والسماء وتسخيرهما من الله، فإنكار ذلك يؤدي للانحراف عن الصراط المستقيم.
  • يوضح أن الله خاطبنا في القرآن بالظاهر المدرك بالحس المشترك بين الناس جميعاً، دون مخالفة للحقائق العلمية التي يكتشفها الإنسان تدريجياً.
  • يفرق بين منهجين: أحدهما يزداد حيرة كلما ازداد علماً، والآخر يزداد يقيناً مع ازدياد المعرفة.
  • يربط قوله تعالى "وهو بكل شيء عليم" بالمنهج العلمي في إدراك الكون وتفسيره.
  • يشير إلى خسارة العالم بانحطاط المسلمين للقيادة الفكرية المؤمنة التي تضع الحقائق في مكانها الصحيح.
  • يؤكد أن طلب العلم أساس من أسس الدين مع ضرورة عدم إخراج الله من منظومة الفكر.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الحلقة وتلاوة آية خلق ما في الأرض من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات، مع قوله تعالى في سورة البقرة:

﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]

وتحدثنا في حلقة سابقة عن العلاقة بين السبب والمسبب، وأنها مبنية على الأغلبية والعادة، وأن الله سبحانه وتعالى يخلق الإحراق عند مماسة النار، ويخلق الشبع عند مماسة الطعام لمعدة الإنسان، ويخلق الري عند مماسة الماء لفم الإنسان، وهكذا.

العلاقة بين السبب والمسبب ليست حتمية لأن الحتمية تنكر المعجزات

وأن العلاقة بين السبب والمسبب ليست حتمية؛ لأن القائل بالحتم ينكر المعجزات، وإنكار المعجزات فيه إنكار للكتب التي نزلت من عند الله ولهدايتها.

وهنا يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]

إذن ما سوف نراه في هذه الأرض نرى وراءه خلق الله.

وجوب استحضار مخلوقية الأرض والسماء وتسخيرها للإنسان

وقلنا إن الإنسان لا بد أن يستحضر المخلوقية، أن هذه الأرض مخلوقة وهذه السماء مخلوقة، وأنها مسخرة للإنسان، وأنها من عند الله، ولا يفقد شيئًا من هذا [الاستحضار].

لأنه لو ظن أن هذه الأرض ليست مخلوقة وليست مسخرة وليست من عند الله لانحرف عن الصراط المستقيم.

معنى استواء الله إلى السماء وأنه خبر غيبي يؤثر في حياتنا

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾ [البقرة: 29]

وهذا غيب لم نره:

﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]

ولكنه هنا يخبرنا خبر الإيمان خبرًا يؤثر في حياتنا وفي مناهج علمنا وبحثنا، يؤثر في طريقة تعاملنا مع الكون، وهو أنه سبحانه وتعالى استوى إلى السماء. والاستواء هنا معناه أنه ارتفع إلى السماء، وهذا يناسب ما عليه عقلنا من أن السماء فوقنا وأن الأرض تحتنا.

الفرق بين ظاهر العالم وحقيقته ومعنى السماء في اللغة العربية

في حين أن هذا العالم له ظاهر وله حقيقة. الظاهر أن لدينا أسفل وأعلى؛ الأسفل هو الأرض والأعلى هو السماء.

والسماء كل ما فوقك؛ أي حتى السقف يسمى سماء، السحاب يسمى سماء، المطر يسمى سماء لأنه يأتينا من جهة العلو. "إذا نزل السماء بأرض قوم رعيناه ولو كانوا غِضابا"، إذا نزل السماء بأرض قوم يعني إذا نزل المطر، سمّى المطر سماءً لأنه يأتينا من جهة العلو.

حقيقة الأرض ككرة تسبح في الفضاء ونسبية مفهوم الفوق والتحت

لكن حقيقة الأرض أنها كرة وأنها تسبح في الفضاء حول الشمس، وأن الشمس تجري في مجرتها. فأين الفوق والتحت؟ وفوق ماذا وتحت ماذا؟ لا تعرف مقدمتها من مؤخرتها كما لا تعرف بداية الدائرة من نهايتها.

أين بداية الدائرة؟ لا أعرف. أين أعلاها وأين أسفلها؟ أنت تنظر إليها من أين؟ هذه الدائرة مكتوبة أمامك على الورق، فيكون هذا يمينها وهذا شمالها، فأين الأعلى وأين الأسفل؟ وهكذا إلى آخره، فالمسألة نسبية.

قاعدة جليلة في فهم القرآن: مخاطبة الناس بالظاهر المشترك دون مناقضة الحقيقة

فيقول:

﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾ [البقرة: 29]

أي ارتفع إلى السماء. إذن هناك قاعدة جليلة في فهم كلام الله، وهي أن الله قد خاطبنا بالظاهر أساسًا بما لا يناقض الحقيقة، فكلّفنا بالمشترك بيننا.

ما هو المشترك بيننا؟ الظاهر. ما المشترك ما بين الجاهل والعالم، وبين الأمي والمتعلم، وبين البدوي والحضري، وبين الكبير والصغير؟ الظاهر، وهو الظاهر المدرك بالحس المعتاد.

كلنا نرى أن الأرض منبسطة حتى لو كانت كرة، وجميعنا نرى الشمس تشرق من المشرق وتغرب في المغرب حتى لو كانت ثابتة.

القرآن يخاطب الناس أجمعين بالظاهر ولا يخالف الحقائق العلمية المكتشفة

إذن هناك قاعدة جليلة وهي أننا إذا قرأنا القرآن فإن مستوى المعرفة الأولى فيه إنما يخاطب الناس أجمعين؛ مؤمنهم وكافرهم، عالمهم وجاهلهم، ولذلك فهو يخاطبهم بالظاهر.

إذن والحقائق التي تظهر لنا إما بالمعقول، وإما بالمحسوس، وإما بالتجريب، وإما بالاستنباط، وإما الحقائق العلمية، فهو لا يخالفها.

قال [العلماء]: حسنًا، وهذا شأن كلام البشر أن يخاطبهم، فإذا بهم يخاطبهم على مستوى معرفي يشمل جميع المتلقين فيما هم مشتركون فيه من إدراك الظاهر، ثم بعد ذلك لا يخالف في حرف واحد الحقائق التي يكتشفها الإنسان شيئًا فشيئًا شيئًا فشيئًا شيئًا فشيئًا شيئًا فشيئًا عبر تاريخه الطويل.

استحالة أن يكون القرآن من عند محمد لأن البشر لا يدركون الغيب ولا يحيطون بكل العلوم

هل هذا يمكن أن يكون من عند محمد ﷺ؟ والله لو اجتمعت الجن والإنس بعلومهم - وعلومهم محدودة تزداد كل يوم - ما استطاعوا؛ لسبب بسيط وهو أنهم لا يدركون الغيب، ولسبب آخر وهو أنهم لم يحيطوا بكل العلوم وبكل المعلومات.

ولذلك كلما اتسعت المعرفة لدى البشر كلما اتهموها بالعشوائية، حتى ينظروا إلى النظام داخل هذا الذي يدعونه عشوائيًا أولًا، فيقولون: لا، هذا الجزء قد فهمناه ليس عشوائيًا بل يتبع النظام. وهكذا يحلّ هذا [الإشكال] أن نؤمن بكلام ربنا سبحانه وتعالى.

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين من فقدان القيادة الفكرية المؤمنة

ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟ خسروا المبادئ الأولى الضابطة الرابطة للفكر المستقيم، خسروا الإيمان، فقدوا بسبب انحطاط المسلمين القيادة الفكرية المؤمنة المستنيرة التي كلما توصلت إلى الحقيقة وضعتها في مكانها الصحيح ولم تزدد بها حيرة.

هؤلاء أناس كلما ازدادت معلوماتهم كلما ازدادت حيرتهم، وهؤلاء [المؤمنون] أناس كلما ازدادت معلوماتهم كلما تيقّن الإيمان في قلوبهم. فهل يستويان؟ هذه هي القضية.

طلب العلم واجب لكن الحيرة سببها إخراج الله من منظومة الفكر

فهي ليست [مسألة] تحصيل العلم، فتحصيل العلم واجب، فطلب العلم واجب على كل مسلم.

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

أول ما أُنزل:

﴿ٱقْرَأْ﴾ [العلق: 1]

فقضية العلم هذه أساس من أسس الدين، ولكن الحيرة التي تنتاب الإنسان كلما تعلّم سببها أنه قد أخرج الله من منظومة فكره.

الآية تتعلق بالمنهج العلمي القائم على الظاهر المشترك ولا يخالف الحقائق

والله سبحانه وتعالى هنا يردنا إليه:

﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَـٰوَٰتٍ﴾ [البقرة: 29]

جزء مرئي مدرك متفق عليه بين الناس، وجزء ينبغي علينا أن نصدق فيه ربنا سبحانه وتعالى.

﴿قُلْ صَدَقَ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 95]

وهو بكل شيء عليم. كان يناسب [أن يقال]: "وهو على كل شيء قدير" أنه خلق لنا ما في الأرض جميعًا، أنه خلق لنا السماوات السبع، لكن هذا فيه إشارة.

ختام الآية بالعلم إشارة إلى المنهج العلمي في إدراك الكون وازدياد يقين المؤمن

إذن هنا "وهو بكل شيء عليم" أي أن هذه الآية تتعلق بالمنهج العلمي، بمنهجك في الإدراك، بمنهجك في تفسير ما حولك من الكون، وأنه قائم على الظاهر المشترك ولا يخالفه، وفي الوقت نفسه أي دوائر معرفية أخرى يكتشفها الإنسان عبر التاريخ البشري.

﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى ٱلْـَٔافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]

وكلما ازدادت المعلومات لدى هذا المؤمن كلما ازداد يقينه، وعند غير المؤمن تزداد الحيرة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.