سورة البقرة | حـ 65 | آية 30 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 65 | آية 30 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يُبيّن الله سبحانه للإنسان غاية وجوده في قوله تعالى: "وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة".
  • الله خلق الكون وسخره للإنسان، ووضع نظاماً للسبب والمسبب، وبيّن أن مهمة الإنسان هي الخلافة في الأرض.
  • فصّل الله غاية الخلق بقوله: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" وقوله: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها".
  • وضع الله برنامجاً مفصلاً يشمل كل أفعال البشر بأحكام خمسة: الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة.
  • الأحكام تتعلق بالأفعال وليس بالذوات، فلا يقال "الخمر حرام" بل "شرب الخمر حرام".
  • خلق الله الإنسان وهو يعلم أنه قد يفسد ويسفك الدماء، لكنه أعلم بالحكمة من ذلك.
  • قاعدة "ارتكاب أخف الضررين واجب" أساس في الفقه الإسلامي.
  • لا توجد مصلحة خالصة في الدنيا، فكل مصلحة يخالطها شيء من المشقة والضرر.
  • المصلحة نسبية، والله وحده هو من يحدد المصالح والمفاسد الحقيقية.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تفسير آية الاستخلاف ومنهج العلم في القرآن الكريم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات مع قوله تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

بعدما ذكر الله سبحانه وتعالى منهج العلم، وأنه يجيب على الأسئلة الأساسية التي تُخرج الإنسان من الحيرة إلى العمل، وأن الحيرة في السؤال: مِمَّ؟ مِن أين نحن؟ مُجابة بأنه خلق لنا ما في الأرض جميعًا.

وأن الحيرة [في السؤال الثاني]: ماذا نفعل هنا؟ سوف يُجيب عنها في هذه الآية.

حقيقة العلاقة بين السبب والمسبب وتسخير الكون للإنسان

وأن الله سبحانه وتعالى قد أشار لنا إلى حقيقة العلاقة بين السبب والمسبب، وأن هذا الكون مخلوق لخالق، وأن الخالق هو الله، وأنه مسخَّر لنا، وأن هناك نعمة أنعم الله علينا بها؛ لأنه يقول:

﴿هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]

فأخذنا منها أن الكون مخلوق لخالق كريم هو الله، وأنه مسخَّر لنا، فالعلاقة بيننا وبين الكون إنما هي الاتساق.

الحقيقة الثانية الكبرى: ماذا نفعل على هذه الأرض وقانون السببية

انتقل [القرآن] بنا إلى الحقيقة الثانية الكبرى: وماذا نفعل على هذه الأرض؟ إذن كان الله هو الذي خلق الكون، وإذا كان الله هو الذي خلق الإنسان، وإذا كان قد جعل هذه العلاقة بين الإنسان والأكوان، وإذا كان قد وضع قانونًا سببيًّا وهو أن هناك تلازمًا بين السبب والمسبب لكنه لا يتخلف غالبًا عادةً، لكنه قد يتخلف حتى لا ننكر المعجزات، وأن الكل من عند الله وبخلق الله.

فماذا نفعل هنا؟ استقر في أذهاننا هذا الإيمان وعناصر المنهج، إذن فما الذي نصنعه هنا في هذه الحياة الدنيا؟

معنى الاستخلاف في الأرض وتفصيل مهمة الإنسان في القرآن

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

الله يعني أنا خليفة هنا، خليفة يعني أتيتُ لأفعل شيئًا ما في هذه الدنيا. بعد ذلك فصَّل لنا فقال:

﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]

بعد ذلك فصَّل فقال:

﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]

بعد ذلك فصَّل فقال:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9-10]

وهو [سبحانه] وضع لنا برنامجًا مفصَّلًا يشمل جميع أفعال البشر، حركاتهم وسكناتهم.

الأحكام الشرعية الخمسة وتعلقها بالأفعال البشرية لا بالذوات

كل أفعال البشر فيها حكم لله: إما بالوجوب، وإما بالحرمة، وإما بالكراهة، وإما بالندب، وإما بالإباحة. خمسة أحكام، ليس هناك فعل بشري يصدر منك عن اختيار إلا ولله فيه حكم.

والحكم إنما هو للأفعال لا للذوات؛ عندما أقول: الخمر حرام، لا، بل شرب الخمر حرام، حمل الخمر حرام، عصر الخمر حرام، بيع الخمر حرام، شراء الخمر حرام، الجلوس في مجلسها حرام، وهكذا.

إذن إذا كانت الأفعال البشرية من ذات الإجازة الخاصة بالخمر، التي إذا وُجدت في الصحراء فما حكمها؟ ولا شيء، فالذات لا حكم لها، هذا الحكم في المتعلقات بها وهي الأفعال البشرية.

الاستخلاف في الأرض وحكمة وجود الإنسان وتحريم الانتحار

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]

هذا هو الأساس الخاص بنا هنا. إذن فهمنا هنا لماذا واحد يشعر بالشك والارتياب؟ واحد يشعر بأنه ضَجِر مملول، لماذا يعيش؟ فانتحر! لا، فأنا هنا لغرض، ولذلك حرَّم الله الانتحار:

﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا أَوْلَـٰدَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَـٰقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْـًٔا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا * وَلَا تَقْتُلُوا ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِى حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلْحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَـٰنًا فَلَا يُسْرِف فِّى ٱلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: 31-33]

إذن [هذا] برنامج عمل [واضح للإنسان في هذه الحياة].

سؤال الملائكة عن الإفساد في الأرض وجواب الله تعالى بعلمه المطلق

قالوا [أي الملائكة]:

﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: 30]

الملائكة، طيب وذُكر هذا لماذا لنا؟ لكي يعلِّمنا نحن، ما هو كل الكتاب هذا تعليم لنا:

﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]

﴿قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]

إذن فهذه صفة يقولها الملائكة هي موجودة فعلًا [أي الإفساد وسفك الدماء]، ولكن مع وجودها فإن الله الحكيم الذي يعلِّمنا قد خلقنا.

هداية النجدين والفرق بين طبيعة الملائكة وطبيعة الإنسان

إذن نحن عندنا النجدين [طريق الخير وطريق الشر]:

﴿وَهَدَيْنَـٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10]

طريق الخير وطريق الشر، القدرة على فعل الخير والقدرة على فعل الشر. يقولون [أي الملائكة]: حسنًا، نحن الآن نسبِّحك تسبيحًا خالصًا وعبادة محضة:

﴿لَّا يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: 6]

ليس هناك معصية تصدر منهم، والذي يُؤمرون به يفعلونه، خير محض. جاء [الله] بهؤلاء [البشر]، لكن هؤلاء يمكن أن يفعلوا الشر.

قاعدة ارتكاب أخف الضررين وقاعدة عدم وجود مصلحة خالصة في الدنيا

قال [الله تعالى]:

﴿إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]

فهنا نتعلم قاعدة جليلة قام عليها الفقه الإسلامي وهي أن ارتكاب أخف الضررين واجب.

وقاعدة أخرى صرَّح بها الفقه الإسلامي وأشار إليها الإمام القرافي وتكلم عنها بتوسع، وهي أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق في هذا العالم الأرضي مصلحة خالصة أبدًا؛ فكل مصلحة فيها شيء من العناء ومن الضرر ومن المشقة ومما يخالطها، بحيث لا يجعلها خالصة أبدًا مطلقًا.

أمثلة واقعية على اختلاط المصالح بالمشقة في حياة الإنسان

وضرب [الإمام القرافي] لذلك مثلًا فقال: تعال عندما تأتي لتأكل فتجد يدك قد اتسخت من الطعام فتضطر إلى أن تغسلها. عندما تريد أن تعمل شيئًا جيدًا لا بد أن تُدخل النار فيه، فعندما تطبخ تحترق يدك، تحترق! والله ليس هكذا مائدة تنزل من السماء لا يوجد فيها نار ولا فحم، لا غبار ولا لسع ولا أي شيء، لا يوجد.

وبعد أن تأكل يجب أن تذهب لتُفرغ ما أكلته. وبعد أن تقع المرأة حاملًا ترى الأمرَّين من حملها وهي فرحة بحملها، وإن لم تحمل تذهب تدور على الأطباء ولا تسكت، تريد أن تنجب، وهي تعاين الموت أثناء الولادة! ما هذا؟!

نسبية المصلحة والمفسدة وأن الله وحده هو الذي يحددهما

قال [الإمام القرافي]: مصلحة خالصة [لا توجد]، كما أنه لا توجد مفسدة خالصة، الحكاية مختلطة.

فمن الذي يحدد المصلحة والمفسدة؟ الله؛ لأن الفاحشة والسرقة والقتل فيها مصلحة، ولكنها مصلحة ضعيفة إزاء المفاسد التي تحملها هذه المصائب.

والصلاة والأكل والشرب والوضوء والصيام فيها مفسدة ومشقة، يقول لك:

«إسباغ الوضوء على المكاره»

في الدنيا عند البرد شتاءً، وبعدها الفجر وأقوم أتوضأ، طيب ولماذا؟ ما أنا نائم أحسن! مصلحتي أن أنا نائم. أيُّ مصلحة أنت الذي تقدِّرها؟ ما أنت منتبه للمستقبل، ما أنت منتبه للبشرية، ما أنت منتبه للأمة، ما أنت منتبه حتى لثوابك في الآخرة، أنت منتبه أنك تريد أن تنام الآن!

خلاصة الإمام القرافي في نسبية المصلحة وأن الله هو الذي يقدرها

وقد توقفنا عند هذا: فمن الذي يقدِّر المصلحة؟ الله. فالإمام القرافي وهو يتحدث عن المصلحة يتحدث عن أنه ليس هناك مصلحة خالصة، ولذلك فالمصلحة نسبية.

ولذلك فإن الله هو الذي يقوِّم لنا هذه المصالح وينبِّه عليها، ويقول لنا: إن هذه هي المصالح وهذه هي المفاسد.

وللحديث بقية، نستودعكم الله، عليكم السلام ورحمة الله.