سورة البقرة | حـ 70 | آية 36 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 70 | آية 36 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • أزل الشيطان آدم وحواء عن الجنة بوسوسته لكليهما، مما يؤكد المساواة بينهما في المسؤولية.
  • لم يذكر القرآن اسم حواء صراحةً، لكن هذا لا ينفي أن يكون اسمها كذلك، فالعبرة بالمفاهيم لا بالأسماء.
  • الرجل والمرأة يكونان معاً الاجتماع البشري، وقد جمعهما الله في الجنة قبل المعصية.
  • معصية آدم كانت معصية تشريف وليست معصية تكليف، لأنه كان في دار تشريف (الجنة) وليس في دار تكليف.
  • الأنبياء معصومون من معاصي التكليف التي يترتب عليها العقاب والمحاسبة.
  • عقاب آدم وحواء كان الهبوط إلى الأرض وبداية العداوة بين البشر وإبليس.
  • الصراع ليس أصل الخليقة، بل هو نتيجة للسلوك، فآدم وزوجته لم يكونا في صراع في الجنة.
  • الأرض مستقر وليست سكناً، والإنسان عليه أن يتخذ فيها سكناً رغم ما فيها من نكد وصعوبات.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

إزلال الشيطان لآدم وحواء والمساواة بينهما في المسؤولية

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا﴾ [البقرة: 36]

الشيطان ذهب موسوسًا لمن؟ لكلٍّ من الطرفين: آدم وحواء.

﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾ [البقرة: 36]

أيضًا هما الاثنان، يبقى هناك مساواة حقيقية بين الرجل والمرأة، لكن ليس هناك تساوٍ [مطلق في كل شيء].

﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36]

الذي هو الجنة التي دخلاها. أفيا ترى هذه جنة الدنيا أم جنة الآخرة؟ الإطلاق الخاص بالقرآن هكذا دون أن نعود إلى التفسير تبقى جنة الآخرة؛ أنه [آدم عليه السلام] دخل لكي يبقى في تشوُّفٍ لدى الإنسان، ينتقل من جيلٍ إلى جيلٍ في الجينات لهذه الجنة الحلوة التي سيجعلها الله سبحانه وتعالى نعيمًا مقيمًا معيارًا للطاعة، ويجعل النار أيضًا معيارًا للمعصية.

معنى كلمة الشيطان واشتقاقها من شاط أو شطن

﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ [البقرة: 36]

فما هو هذا الشيطان؟ الذي من "شاط" ولا من "شطن"؟ قال: قيل وقيل، تنفع [كلتا الاشتقاقتين].

"شاط" يبقى هَلَكَ؛ أجل، لأنه الذي يتبعه يهلك ويحترق.

"شطن" يعني ضلَّ؛ طالما هو ضلالي هو الآخر، فهذه وهذه مثل بعضهما [في الدلالة على حقيقة الشيطان].

إخراج آدم وحواء من الجنة وأمر الهبوط للجميع

﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾ [البقرة: 36]

أيضًا هما الاثنان.

﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36]

أيضًا هما الاثنان فيه. وقلنا:

﴿ٱهْبِطُوا﴾ [البقرة: 36]

جميعكم، فبقي إبليس على آدم على حواء، على كلِّه.

﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36]

وكذلك هي [حواء] لم تُذكر في القرآن باسمها. هذا لا يعني أنه لم يكن اسمها حواء، لا يوجد مانع عندما يأتون ليقولوا لنا أنها كان اسمها حواء، لا يوجد مانع، فهذا لا يُقدِّم ولا يُؤخِّر.

حقيقة المرأة في القرآن وموقعها من الاجتماع البشري

الذي يُقدِّم ويُؤخِّر هو المفاهيم: هذه المرأة عبارة عن شيطان وعبارة عن معاونة للشيطان وعبارة عن كذا وكذا، أم أن هذه المرأة مع الرجل يكوِّنان الاجتماع البشري؟

نذهب إلى كتاب ربنا ونرى ماذا يقول، فيقول كما هنا: إن المرأة والرجل جمعهما الله سبحانه وتعالى أول ما جمع، وأدخلهما الجنة، وأمرهم ونهاهم. ثم بعد ذلك حدثت طاعة وحدثت معصية، ثم بعد ذلك حدث هبوط، والهبوط يكون من العلو إلى السُّفل.

﴿وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا﴾ [البقرة: 36]

يبقى فيه نزول، وفيها إشارة إلى أن حال الأرض ليس كحال الجنة؛ حال الجنة تشريف وحال الأرض تكليف.

التفريق بين عصيان التشريف وعصيان التكليف في حق آدم عليه السلام

وهذا يدل على ماذا؟ على أن سيدنا آدم الذي هو نبي والأنبياء معصومون، لم يعصِ ربه عصيان تكليف، وإنما خالف أمره وعصاه عصيان تشريف؛ لأن الفعل يُنسب إلى الدار التي هو فيها، وكانت الجنة دار تشريف ولم تكن دار تكليف.

وهبوطه من التشريف إلى التكليف دليل على هذا. يعني ماذا؟ يعني آدم كان في دار تشريف التي هي الجنة، صدر له الأمر فهو أمر تشريف: لا تأكل من هذه الشجرة، فخالف، يعني عصى عصيان تشريف، مخالفة التشريف، خالف التشريف، عصى التشريف فأكل.

الفرق بين معصية آدم ومعاصي البشر في دار التكليف

فإذا كان كذلك، أتصبح معصية مثل معاصينا؟ لا، هذه معاصينا معاصي تكليف عليها إثم، عليها إثم.

فكيف [نفهم الفرق]؟ وهذه مثلها لي [مثال] كذلك في الدنيا التي تقول له هذه معصية التشريف ومعصية التكليف.

كيف؟ قال: الولد عمره ثلاث سنوات، أقول له: لا تمسك الكتاب لئلا يمزِّقه. أأمرٌ هذا أم ليس بأمر؟ أقصده أم لا أقصده لئلا يمزِّق الكتاب.

طيب، الولد مزَّقه. ماذا تفعل فيه؟ خالف أم لم يخالف؟ خالف. نسمِّيه عاصيًا؟ سمِّه عاصيًا.

مثال الطفل الصغير وعدم العقوبة على مخالفة التشريف

فتقول لأمه: انظري كيف عصاني الولد ومزَّق الكتاب. قالت لك: هل هذا يفهم؟ هل هذا يفهم؟

في عقوبة مقررة لهذا الولد الذي عمره ثلاث سنوات عقوبة؟ ما هذا؟ أنت لو ضربته فلن يفهم لماذا ضربته أصلًا، ولذلك ليس فيها عقوبة.

فماذا فيها إذن؟ أن تُخرجه من الغرفة التي فيها الكتاب وتُغلق الغرفة. هكذا فعل الله بآدم [عليه السلام]؛ وضعه في الغرفة وقال له: افعل ما تشاء فيها والعب كما تريد، لكن لا تقترب من هذا المكان.

تطبيق مثال الطفل على هبوط آدم من دار التشريف إلى دار التكليف

فاقترب من هذا المكان، فقال له [الله سبحانه وتعالى]: أهكذا أمرتك؟ ألم أقل لك ألا تقترب من هذا المكان؟ فذهب وحمله ووضعه خارجًا وأغلق الباب، سبحانه وتعالى.

فإذن عصى آدم صحيح، ولكن عصيان ماذا؟ تشريف، وليس عصيان تكليف الذي يترتب عليه المحاسبة والعذاب والعقاب والمؤاخذة.

عصمة الأنبياء ونبوة آدم والتفرقة بين عصيان التشريف والتكليف عند أهل السنة

وهكذا الأنبياء معصومون، نعم. ويكون آدم نبيًّا؟ نعم.

ولذلك بعضهم يقول لك: آدم ليس نبيًّا، لماذا؟ لأنه عصى. لا، هذا عصيان تشريف وليس عصيان تكليف.

قال: حسنًا، إذن الأنبياء ليسوا معصومين؟ لا؛ لأن هذا عصيان تشريف وليس عصيان تكليف.

كل كلام أهل السنة والجماعة صحيح، ولكن بالتعريف والتفرقة بين المفاهيم.

الفاء في الآية ليست للتعقيب الفوري والانتقال من طهر الطاعة إلى نكد المعصية

﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَـٰنُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: 36]

وقلنا ليس [الفاء هنا] للتعقيب على الفور، لا. هم كانوا في طُهر الطاعة في الجنة، أخرجهما مما كانا فيه من طُهر الطاعة إلى نكد المعصية.

ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن أنزلهما بعد ذلك. قال له: حسنًا، انظر الآن، اجمع حاجتكم، إذن هنا أنتم ستجمعون حاجتكم هنا وستنزلون. وقلنا لم يقل "فقلنا" [بل قال]:

﴿وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36]

عقوبة الهبوط والعداوة بين البشر وإبليس وذريته

هذا العقاب: "اهبطوا" هذه رقم واحد.

﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36]

هذه رقم اثنين. كانوا في راحة لم يكونوا في نزاع، أصبحوا الآن في نزاع.

بعض مَن؟ هذا البعض، هذه تشمل إبليس عدو البشر:

﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50]

يبقى إبليس وأعوانه وأولاده وكذا إلى آخره عدو.

الإنسان عدو نفسه إذا اتبع هواه والتحذير من اتخاذ الهوى إلهًا

وأنت إذا ما ظلمت نفسك فأنت عدو نفسك؛ فالإنسان خصيم نفسه وعدوُّه. ولذلك يجب ألا تتخذ هواك إلهك تطيعه:

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]

أرأيت الذي اتخذ إلهه هواه، أفأنت تكون عليه وكيلًا؟ يبقى لا تتخذ إلهك هواك؛ فالإنسان عدو نفسه، والإنسان عدو الإنسان.

ولذلك علَّمنا [الله] أن نستعيذ من الجن والناس؛ لأن الجن متسلطون، ولأن الناس متسلطون.

الصدام بين البشر ناتج عن السلوك لا عن أصل الخلقة

فيبقى هناك صدام هنا. هذا الصدام آتٍ من السلوك أم من أصل الخلقة؟ لا، من السلوك؛ لأن آدم وزوجته لم يكونا في صراع في الجنة، لا مع نفسه ولا مع زوجته ولا أي شيء من هذا القبيل.

لكن لمَّا نزل:

﴿وَقُلْنَا ٱهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة: 36]

فهذا من عقائد المسلمين أن الصدام خلاف الأصل.

الصدام ليس أصل الخليقة وموقف المسلمين من نظرية صدام الحضارات

بعض الناس يفهم من ذلك أن ليس هناك صدام. لا، يوجد صدام، هذا نحن نعيش ونائمون في صراع.

لكن السؤال: هل هذا الصدام أصل الخليقة أم لا؟ نحن نقول: لا، ليس أصل الخليقة. وهنا نختلف مع كثير من مفكري الأرض الذين يرون أن الصدام بين الأمم هو الأصل، ولذلك يجب أن نقوم به.

نحن نقول: لا، ليس الأصل، ولذلك يمكننا أن نتجاوزه، ويمكننا أن نُصلح من أنفسنا، ويمكن أن نُشيع السلام في الأرض من غير صدام لو حسُنت النوايا وأخلصنا لله.

الأرض مستقر وليست سكنًا وطبيعتها مبنية على النكد والكدر

ولكم في الأرض مستقر، أم قال سكن؟ قال: مستقر. يبقى الأرض مستقر لنا، إنما فيها سكن؟ لا، ما فيها السكن هذا، فيها مستقر.

علينا أن نتخذ سكنًا فيها، لكن هي أصلًا مبنية على النكد والكدر والصعوبة والمشكلات.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، الحمد لله رب العالمين.