سورة البقرة | حـ 74 | آية 45 : 47 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 74 | آية 45 : 47 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • القرآن الكريم كلام رب العالمين وفضله على كلام الناس كفضل الله على عباده، ومنه نطلب الهداية.
  • يعلمنا الله ألا تخالف أقوالنا أفعالنا ولا أفعالنا عقائدنا، فنهانا عن الكذب والافتراء والنفاق.
  • البر كلمة تحمل معانٍ متعددة، فهو العمل الطيب وسفينة النجاة وكل فعل يقيم الإنسان.
  • قوله تعالى: "أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب" توبيخ لمن يأمر بالخير ولا يفعله.
  • هذا الخطاب موجه لنا كما كان لبني إسرائيل، فقد أنزل الله إلينا كتاباً فيه ذكرنا.
  • الاستعانة بالصبر والصلاة تحقق العبادة، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والصبر يحدث هدوءاً في النفس.
  • "الذين يظنون" تعني المعتقدين اعتقاداً جازماً بلقاء الله والرجوع إليه.
  • ذكّر الله بني إسرائيل بنعمه عليهم وأنه فضلهم على العالمين في زمانهم، لكنهم لم يمتثلوا لأمره.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان فضل القرآن الكريم على سائر الكلام

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نطلب منه الهداية، ونقف عند كل آية بل كل كلمة منه؛ فهو من كلام رب العالمين. وفضل القرآن على كلام الناس كفضل الله سبحانه وتعالى على عباده؛ فالرب ربٌّ والعبد عبدٌ، وهناك فارق بين المخلوق والخالق.

الأمر بإقامة الصلاة والزكاة والنهي عن مخالفة القول للفعل

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ۞ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 43-44]

إذ يعلّمنا ربنا ألّا تخالف أقوالُنا أفعالَنا، ولا أفعالُنا عقائدَنا. ولذلك نهانا عن الكذب، ونهانا عن الافتراء، ونهانا عن النفاق.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۞ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الصف: 2-3]

﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]

معنى كلمة البر في اللغة العربية وتعدد دلالاتها بتعدد التشكيل

ما هو البِرّ إذن؟ قالوا: والله إن البِرّ هذه كلمة عجيبة. البِرّ هذا العمل الذي يؤدي بك إلى النجاة، البِرّ هذا العمل الذي تُشبع حاجة غيرك، البِرّ هذا هو العمل الذي تصل به رحمك، البِرّ هذا هو سفينة النجاة.

ما هذا الكلام كله؟ قال: الأصل أن في العربية شيئًا يُسمّى متفق اللفظ ومختلف المعنى، فهذا من قبيل مختلف المعنى؛ كلمة تُشكّلها ثلاث تشكيلات يكون لها ثلاثة معانٍ:

  • بِرّ بالكسر: يعني إحسان، يعني عمل طيب.
  • بَرّ: الذي هو ضد البحر.
  • بُرّ: الذي هو القمح.

العلاقة بين معاني كلمة بر والصلة اللغوية بين التشكيلات المختلفة

قال: طيب، يبقى إذن تختلف الحركة تختلف معنى الكلمة. يبقى هذا من المتفق لفظًا -الحروف يعني متفقة- لكنها مختلفة في المعنى باختلاف التشكيل، [أي] الحركة التي على الحرف.

قال: لكن أيضًا لا بد أن يكون بينهما صلة. فالقمح يفعل ماذا؟ قال: إن القمح هذا يُشبع الجائع، القمح هذا ما هو؟ هذا قوت؛ لا يستمر الإنسان إلا بطعام القوت. يعني أن الإنسان لا يستمر بالفاكهة، الإنسان لو كان عنده قليل من البهارات لا يعرف أن يستمر؛ يجب أن يكون عنده أرز، يجب أن يكون عنده قمح، يجب أن يكون عنده ذرة، وهو ما نسميه القوت.

فـالبُرّ به قيام الإنسان، والبِرّ فيه النجاة؛ لأنك في البحر يمكن أن تغرق، وعندما تصل إلى البَرّ فإنك تطمئن وفيه نجاة.

شمول كلمة البر لجميع أفعال الخير من البسمة إلى جهاد النفس

والبِرّ قيل لك: هو كل فعل تستطيع به أن تُقيم الإنسان، وأن تُنجي به الإنسان، وأن تجعله سفينة نجاتك عند الله. فتبقى كلمة بِرّ في معناها اللغوي تشمل كل أفعال الخير؛ ابتداءً من البسمة -التبسم في وجه أخيك صدقة- وانتهاءً بـجهاد النفس.

قال تعالى:

﴿أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ﴾ [البقرة: 44]

يعني بكلّه، من أولها [أفعال البر] إلى آخرها هكذا.

﴿وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44]

ليس هناك أيّ بِرّ تعملونه، يعني هذا نفيٌ عنهم أنهم يقدّموا أيّ شيء من البِرّ.

توجيه الخطاب القرآني لبني إسرائيل وللمسلمين على حد سواء

﴿وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [البقرة: 44]

إذن فهؤلاء ممن وصلهم الهدى وهم يتلون الكتاب، أم ممن لم يصلهم الهدى؟ ممن وصلهم الهدى. يكونوا على قسمين: آمن وكفر، ولكن بعد ما وصلهم الهدى بصورة لافتة للنظر؛ بل إنهم يتلون الكتاب آناء الليل وأطراف النهار ولا يؤثر ذلك الكتاب في أعمالهم.

هذا الكلام يصف بني إسرائيل فقط أم أيضًا موجّه إلينا؟ موجّه إلينا بالأساس.

﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10]

هذا كله لنا نحن. أنا ما لي وما له [أي ما لي وشأن غيري]، وأنا أذهب أقول له اعمل، فيقول لي أنا أعمل وأفعل ويكذب على ربنا، أنا ما لي شأن به. هذا الكتاب هذا أنت الذي تتلوه، فيقول لك: احذر أن تكون مثل هؤلاء [بني إسرائيل الذين خالفوا ما يتلون].

الاستعانة بالصبر والصلاة وتفسير الصبر بالصيام وبالمعنى الأعم

﴿وَٱسْتَعِينُوا بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ﴾ [البقرة: 45]

aطلبوا العون من الله بواسطة الصلاة التي هي صلة بينكم وبين الله، والصبر. وفي التفسير أن الصبر هو الصيام؛ لأن الصبر والصيام بمعنى الحبس، كلاهما في اللغة بمعنى واحد: صام وصبر.

فالصلاة والصبر يعني الصلاة والصيام. لكن لا، نحن يمكن أن يكون هناك معنى أعمّ من الصيام، كما في قوله تعالى:

﴿وَتَوَاصَوْا بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِٱلصَّبْرِ﴾ [العصر: 3]

على ذلك الحق، فاستعينوا بهذا [الصبر] وبهذا [الصلاة].

﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]

فهذا أمر يحتاج إلى ديمومة.

أهمية المداومة على العمل وأثر الصلاة والصبر في القلب

قال النبي ﷺ: «أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»

ووصفت السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها عمله صلى الله عليه وسلم فقالت:

«كان عمله دِيمة» [أي مستمرًا لا ينقطع]

يعني كان العمل مستديمًا. العمل مهم ولكن الديمومة هي التي تُحدث أثرًا في القلب.

وما أثر الصلاة في القلب؟ أثر الصلاة في القلب أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر.

والصبر، فـصبرٌ جميل يُحدث هدوءًا في النفس هكذا، والله المستعان على ما تصفون. وهذه الاستعانة بالصبر والصلاة تحقق تطبيق العبادة:

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]

تُقدّم العبادة وتُطبّقها بالاستعانة بالله رب العالمين.

معنى الظن في القرآن بين الاعتقاد الجازم والشك والريبة

﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 46]

أي يعتقدون اعتقادًا جازمًا، وليس يظنون بالمعنى أنهم يتذكرون، لا، يظنون هنا معناها اعتقاد جازم.

إذن ماذا عن هذا [المعنى] وهذا [المعنى الآخر]؟

﴿إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]

هذا معناها يعتقدون أي من غير دليل. لكن هنا «يظنون» يكون هذا من المشترك [اللفظي]؛ كلمة «ظنّ» تعني الاعتقاد الجازم وتعني الشك والريبة، وكلاهما استعمله القرآن.

إيمان المؤمنين بلقاء الله وأثر ذلك في سلوكهم وحياتهم

﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 46]

أي يعتقدون اعتقادًا جازمًا أنهم ملاقو ربهم. شاهدوها عندما ماتوا وعادوا؟ لا، ولكن استقرّت في قلوبهم بعد أن رأوا صدق النبي ﷺ، وبعد أن رأوا صدق الوحي، أنهم ملاقو ربهم.

وهذا يؤثر في سلوكياتهم في الحياة الدنيا، وأنهم إليه راجعون. لن يلقوا ربهم وبعد ذلك يحوّلهم إلى تراب، لا، بل سيرجعون إليه فيبدأ بهم حياة جديدة، حياة فيها نعيم مقيم؛ لأنهم آمنوا بالله وبرسله وبكتبه وباليوم الآخر وبلقائه سبحانه وتعالى وظنّوا فيه خيرًا.

قال الله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند ظنّ عبدي بي»

فالله ما دام يراك قد ظننت فيه خيرًا فهو خير، وإن ظننت فيه -والعياذ بالله- غير ذلك فأنت وظنّك. أنت حرّة على نفسها جنت براقش.

﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 118]

تذكير بني إسرائيل بنعمة التفضيل على العالمين وختام الدرس

﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 47]

يبقى هناك [في الآية السابقة]:

﴿يَـٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّـٰىَ فَٱرْهَبُونِ﴾ [البقرة: 40]

وهنا يذكّرهم بـالنعمة الكبرى بأنه قد فضّلهم على العالمين في زمانهم، ولكنهم لم يمتثلوا لأمر الله [سبحانه وتعالى].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.