سورة البقرة | حـ 77 | آية 49 : 50 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يذكر الله بني إسرائيل بنعمة تنجيتهم من فرعون الذي سامهم سوء العذاب، منبهاً إلى أن استمرار الظلم يولد نفسية العبيد.
- •نفسية العبيد تتميز بالطاعة العمياء، والتفكير الجمعي، وعدم القدرة على الإبداع أو المشاركة في تنمية المجتمع.
- •يجب على المسلم إزالة المنكر أو الإعراض عنه، كما علمنا الرسول صلى الله عليه وسلم.
- •قصة قاتل المائة نفس تظهر مفهوم التوبة المتعلقة بالمستقبل وليس بالماضي، وتبين أن سكوت المجتمع على الظلم يعكس نفسية العبيد.
- •دماء البشر يجب أن تكون أعظم في أنفسنا من أي دم آخر، وقد ضرب مثالاً بالخوارج الذين يسألون عن دم البعوضة ويستحلون دم علي كرم الله وجهه.
- •القرآن ليس مجرد قصص تاريخية بل عبر لنهتدي بها في حياتنا.
- •الله لا ينصر إلا من نصره، فحين التزم بنو إسرائيل مع موسى نصرهم الله بالمعجزات.
تلاوة آية نجاة بني إسرائيل من آل فرعون وبيان سياقها
مع كتاب الله في سورة البقرة، ومع قوله تعالى وهو يمنّ على بني إسرائيل، وينبّهنا نحن أيضًا أن نلتفت إلى مثل هذه المعاني، فيقول:
﴿وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 49]
أثر استمرار الظلم في تكوين نفسية العبيد عند المظلومين
ماذا يكون عندما يستمر الظالم في ظلم ضحيته؟ إن ذلك يولّد في نفوس الناس أو الطائفة أو الجماعة نفسية العبيد.
ونفسية العبيد تطيع سيدها، ونفسية العبيد تفكر بطريقة جمعية؛ لا يستطيع واحد منهم أن يفكر تفكيرًا مستقلًا. ونفسية العبيد لا يمكن أن تبدع شيئًا ولا فكرًا، ونفسية العبيد لا يمكن أن تشارك في تنمية مجتمعاتها.
ولكن الله سبحانه وتعالى مع هؤلاء الذين يساوون صفرًا؛ لأنهم كانوا تحت الاضطهاد المدة الطويلة، منّ الله عليهم وأخذهم وحملهم حملًا إلى الهجرة [أي الخروج من أرض الظلم إلى أرض الحرية].
قصة قاتل المائة نفس ونصيحة العابد والعالم له بالتوبة
إذا رأيت منكرًا فلتُزِله. انظر إلى النفسية الأبيّة التي علّمها لنا رسول الله ﷺ، أو فلتُعرض عنه. وقصّ علينا [رسول الله ﷺ] قصة ذلك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم سأل عابدًا:
قال: هل لي توبة؟ قال: لا، تسعة وتسعين نفسًا! ما هذا؟ فقتله، فأكمل به المائة. لقد سدّ [ذلك العابد] باب الرحمة في وجهه.
وذهب [الرجل] إلى عالِم فسأله، فقال: مَن ذا الذي يمنعك من التوبة؟ تُب إلى الله، يقبل الله توبتك؛ لأن التوبة ليست متعلقة بالماضي، إنها متعلقة بالمستقبل. التوبة مراقبة للنفس البشرية وانتقال إلى مراد الله.
تحليل العالم لبيئة القاتل ونقد مجتمع لا ينكر المنكر
فقال له [العالم]: وما الذي يمنعك من هذا [التوبة]؟ ولكن العالم أصبح عالمًا يحلل الأمور التي أمامه، [فقال له]: أراك بأرض قوم سوء، تركوك تقتل تسعة وتسعين نفسًا!
ما من أحد منهم قام فأطلق عليك رصاصة، ولا أحد منهم قام فقبض عليك، ولا أحد منهم قام فقدّمك لمحاكمة، ولا أحد منهم اعترض أي شيء. هؤلاء أناس سيئون جدًا، نفسيتهم هكذا، نفسية العبيد.
هؤلاء أناس يجب عليك أن تنتقل منهم، فإني أراك بأرض قوم سوء، فاخرج منهم واذهب إلى أرض كذا، أرض دلّه عليها، فإن فيها أقوامًا يعبدون الله.
خطورة السكوت عن الظلم واستهانة الناس بدماء المظلومين
لكن هذه ليست عبادة الله [وحدها]، هذا خراب أن يُؤخذ فينا المظلوم فلا يتحرك ساكن، وأن يُقتل المقتول فيكون دم البشر عندنا أهون من دم الحيض.
تجد كثيرًا من الناس تسأل في الحيض وفي النفاس، ولكنها لا تسأل عمّا أُريق من دماء المظلومين في الشرق والغرب. هذا لا يرضي ربنا.
ولذلك يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن الكافر العادل خير من المسلم الظالم؛ لأن الملك أساسه العدل. يعني سيُفضَّل الكافر العادل على المسلم إذا كان ظالمًا.
وجوب استيعاب المسلم لخطر الظلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إذن لا بدّ على عقل المسلم أن يستوعب الدرس، وأن يعلم أن الاستمرار في الظلم في طائفة ما أو في جماعة ما يولّد نفسية العبيد، وأن هذا ضد مراد الله من خلقه.
وأنه ولا بدّ من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا بدّ من أن نستعظم في أنفسنا دماء البشر أكثر من دماء البراغيث، أو من دماء الحيض، أو من أي دمٍ آخر لا قيمة له.
مفارقة الخوارج في التورع عن دم الذبابة واستحلال دم الإمام علي
ولذلك رأينا فرقة الخوارج، أحدهم ضرب ذبابة فنزل دم الذبابة على ثوبه، فأخذ يسأل: هل هذا نجس؟ هل هذا يبطل الصلاة؟ هل يجوز أن أصلي في هذا الثوب؟ وهو متوجّه لقتال علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه!
إذن هذا الذي لم يفرّق بين الدماء، ويسأل في دم البعوضة ويستحلّ دم من كرّم الله وجهه، الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها»
والذي قال ﷺ:
«أنت مني بمنزلة هارون من موسى»
والذي ورد فيه من الفضائل في [كتاب] فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل أكثر من ثلثي الكتاب، وفي الصحابة كلها الثلث.
استنكار استحلال دم الإمام علي وخروج الخوارج عن مراد الله من الدين
سيقتله [أي سيقتل الإمام عليًا]! وبعد ذلك هذا دمه حلال؟! هذا الإمام علي، هذا زوج السيدة فاطمة عليها السلام، هذا حلال الدم؟! وبعد ذلك من ليس حلالًا [دمه] أن يسأل عن دم البعوض!
يجب علينا أن نعلم أن هؤلاء [الخوارج] قد خرجوا عن الدين الذي أراده الله للبشرية عدلًا وإنصافًا وأمنًا وطمأنينة وسلامًا، ولم يريدوه على هذه الصفة أبدًا.
قراءة آيات بني إسرائيل للاعتبار لا للتاريخ والتحذير من اتباع سنن السابقين
فيذكّرنا ربنا ألّا نقرأ هذه الآيات [المتعلقة ببني إسرائيل] على أنها تاريخ، بل نقرأها على أنها تفيدنا في هذه الحياة الدنيا. ولا نقرأها على أنها قد وُجِّهت لبني إسرائيل، ولكن نقرأها على أنها تُبيّن لنا ما الذي يُحبّه ربُّنا من البشر وهو يخاطبهم.
وتُحذّرنا من أن نتّبع سُنَن الذين كانوا من قبلنا حذوَ القُذَّة بالقُذَّة، حتى لو دخلوا جُحْر ضَبٍّ لدخلنا وراءهم. وتُحذّرنا من أن نسير كما سارت الأمم، ولمّا صارت رسل الله لهم، الأنبياء يتعاقبون نبيًا بعد نبي حتى يصحّحوا لهم المسيرة.
القرآن هو العهد الأخير من الله وقصصه للعبرة والاقتداء
وبعد النبي [محمد ﷺ] لن يأتي أحد؛ لأن هذا عهد الله الأخير.
قال رسول الله ﷺ: «بُعثت والساعة كهاتين» وأشار إلى السبابة والوسطى
﴿ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]
﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1]
آخر كلام القرآن هذا هو العهد الأخير، فهو ليس كتابًا يحكي قصصًا، ولكن جعل في هذه القصص عبرة وأمرنا أن نهتدي بهم:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
وأمرنا أن نبتعد عن من غضب عليه أو عن من أضلّه:
﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]
آية فرق البحر وشرط نصر الله المشروط بالتزام العباد وعملهم
قال تعالى في تعداد النعم على بني إسرائيل:
﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: 50]
يعلّمنا ربنا سبحانه وتعالى أنه لا يتدخل لنصرة البشر بما يشبه المعجزات إلا إذا نصرته [أي نصروا دينه] وبدأت بالالتزام والعمل.
فلمّا التزموا مع موسى [عليه السلام] وجعلوا دورهم قبلة، وصلّوا وصاموا وآمنوا ووافقوا أن يخرجوا معه، نصرهم الله. سنذهب هناك [إلى أرض الحرية]، إذن سنجد أن:
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]
كيفية تحقق النصر الإلهي وضرورة نصرة الدين أولًا قبل طلب التأييد
إذن:
﴿وَمَا ٱلنَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 126]
كيف يتم هذا النصر؟ يتم بإلقاء الرعب في قلوب الآخرين؛ أن يذهب [العدو] ويرسل طائرة فلا يعمل المحرك، أو تهبّ عاصفة فتُسقط هذه الطائرة بمن فيها. أليس هذا من عند الله؟ ألم تذكروا:
﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]
بأساليب مختلفة وبقوة؟
ولذلك نبّهنا إلى النصر على النفس والنصر المؤيّد من عند الله، إنما لا تطلب نصر المؤيّد من عند الله وأنت لم تنصر ربنا بعد.
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
