سورة البقرة | حـ 79 | آية 53 : 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 79 | آية 53 : 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

12 دقيقة
  • ذكر الله بني إسرائيل بنعمة إيتاء موسى الكتاب والفرقان ليهتدوا به.
  • الكتاب يمثل الشريعة والفرقان هو فهم الكتاب واستعماله للتمييز بين الحق والباطل.
  • الكتب المنزلة على الأنبياء من مصدر واحد، وكلها نور وهدى.
  • بدون الكتاب والفرقان يضطر الإنسان لإنشاء معيار للتقويم من عقله أو مصالحه أو رغباته، مما يؤدي للخلل.
  • المعيار المطلق يكون من عند الله، والحكم لله وحده، وهذا ما أجمع عليه المسلمون.
  • الآية ترد على من يدعون إلى استحلال المحرمات بدعوى الحرية أو المصلحة أو العقل.
  • بدون الكتاب والفرقان ينحل الاجتماع البشري وتتحول الأمور إلى نفسية السادة والعبيد.
  • تضمنت الآيات توبة بني إسرائيل بعد عبادة العجل وعقوبتهم بقتل أنفسهم.
  • أقر الله فلسفة العقوبة لتحقيق الأمن ومنع ارتكاب الجرائم.
  • العقوبة تحقق أمرين: منع الجريمة ابتداءً، وتحقيق العدالة لمن ارتكبها فعلاً.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية إيتاء موسى الكتاب والفرقان من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله نعيش مع سورة البقرة، نطلب منها الهداية في حياتنا، مع قوله تعالى:

﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53]

وهي منة أخرى يذكرهم الله سبحانه وتعالى بها: يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي، وجلس يفصل في هذه النعمة. فمن ضمن هذه النعمة أنه قد أوحى لموسى بالكتاب والفرقان.

الفرق بين الكتاب والفرقان وأن الكتاب شريعة والفرقان تطبيقها

الكتاب فيه الشريعة، والفرقان هو فهم هذا الكتاب واستعماله فارقًا بين الحق والباطل. يعني دائمًا الكتاب فيه وصف للدين، والفرقان هو استعمال هذا الدين.

فإذا استعملنا الدين فرقنا بذلك بين الحق والباطل، وبين المقبول والمردود. ولذلك الكتاب الذي لنا [القرآن الكريم] فرقان، والكتاب الذي لسيدنا موسى فرقان، والكتاب الذي لسيدنا عيسى فرقان؛ لأنه فرق بين الحق والباطل.

وكلها من عند الله:

﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 78]

وكلها نور وهدى وشفاء.

الكتب السماوية المنزلة على الأنبياء خرجت من مشكاة واحدة ومصدر واحد

والذي يطلع على ما أنزل علينا من الكتاب فإنه يراه أنه قد خرج من مشكاة واحدة. الكتب المنزلة على الأنبياء من مشكاة واحدة، من مصدر واحد:

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: 53]

نعمة من النعم؛ لأن بدون الكتاب والفرقان يحدث ماذا؟ يحدث إننا ننشئ لأنفسنا معيارًا للتقويم والقبول والرفض.

عجز المعايير البشرية من عقل ومصلحة ورغبة وقوة عن تحقيق العدل المطلق

كيف ننشئ هذا المعيار؟ من عقلنا؟ حسنًا، العقول مختلفة. حسنًا، من مصالحنا؟ لكن المصالح مختلفة. حسنًا، من رغباتنا وانطباعاتنا؟ لكن الأهواء مختلفة. حسنًا، من قوتنا؟ لكن القوة مختلفة.

فحتى الإنسان يكون شابًا وقويًا هكذا، ثم يأخذه النقصان حتى لا يستطيع أن يقوم من مكانه. والأمم والجماعات تكون قوية ثم تضعف وهكذا.

فما المعيار وكيف نطبقه هنا؟ سيحدث خلل.

المعيار المطلق يكون من عند الله وحده وإجماع المسلمين على ذلك

متى لا يكون الخلل؟ عندما نجعل الحاكم هو الله:

﴿إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 40]

إذن متى يكون المعيار مطلقًا؟ عندما يكون من عند الله. وهذا ما أجمع عليه المسلمون: أن الحكم بيد الله، وأن الحاكم هو الله.

لا نستطيع أن نخرج من حكمه فنبيح في يوم من الأيام الشذوذ أو الزنا أو القتل بغير حق أو السرقة؛ لأن كل هذه تمثل النظام العام الذي لا يمكن أبدًا أن نتخلى عنه.

خروج بعض البشر عن حكم الله واستباحتهم المحرمات باسم حقوق الإنسان

ومن الذي جعلها نظامًا عامًا؟ الله. فلما حكمنا الله في أنفسنا جعلنا هذا نظامًا عامًا.

بعض البشر خرج عن هذا [النظام الإلهي] فأباحوا المخدرات، وأباحوا القتل الرحيم، وأباحوا الشذوذ، وأباحوا الزنا، وأباحوا وهم جالسون يبيحون.

وأشد من ذلك أن بعضهم يعتبر ذلك من حقوق الإنسان، وهم يريدون أن يقتلوا الإنسان أمام الرحمن، ثم يقتلوا الإنسان أمام الإنسان. فالإنسان أمام نفسه لا يساوي شيئًا ولا يكون شيئًا، ويكون الفساد العظيم.

الكتاب والفرقان نعمة إلهية ترد على دعاة استحلال المحرمات بدعوى الحرية

﴿وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 53]

واعتبروها نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى. يرد [هذا الخطاب القرآني] على أصحاب العصر الجديد الذين يدعون إلى استحلال المحرمات، والذين يريدون أن ينشئ الذهن البشري ما يريد من شهوات كيف ما يريد، بدعوى الحرية أو الشخصية أو المصلحة أو المادية أو النسبية أو العقل أو غير ذلك من هذه الدعوات.

[هذه الدعوات] باطلة؛ لأنها قد خرجت عن الكتاب والفرقان الذي أنزله الله على المرسلين وعلى النبيين.

بدون الوحي ينحل الاجتماع البشري وتسود نفسية السادة والعبيد

وبدونه [بدون الكتاب والفرقان] ينحل الاجتماع البشري وتتحول الأمور إلى نفسية السادة ونفسية العبيد. وهذا ضد روح الحرية التي يدعون إليها، وهذه ليست بحرية بل انفلات وضد حقوق الإنسان.

لأن حقوق الإنسان يجب أن يكون الأمر متفقًا عليه فيها. ما الذي يجعل الشذوذ ليس من حقوق الإنسان وغير متفق عليه؟ هذه أهواء بعض الناس.

إذن فهذه الآية تبني لي نفسية وعقلية تأبى الفساد، وهذه الآية تردني إلى المعيار الذي به التقويم وهو الوحي الرباني؛ لأنه وإن كان في صورة كتاب إلا أنه فرقان، ولأنه بالرغم من أنه في صورة كتاب إلا أن اتباعه يؤدي إلى الهداية، وضد الهداية ماذا؟ الضلال.

قول موسى لقومه بالتوبة من عبادة العجل ورسالة المرسلين في فتح باب التوبة

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 54]

هذه من النعم، من ضمن تعداد النعم أن موسى قال لقومه: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم.

فيبقى جماعة المرسلين ترشدنا إلى أن:

«كل بني آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون»

جماعة المرسلين ترشدنا إلى أن الباب مفتوح وليس مغلقًا. جماعة المرسلين ترشدنا إلى أن الذي يخطئ لا يتمادى في الخطأ، يقف وعليه أن يتوب إلى خالقه وبارئه.

معنى فاقتلوا أنفسكم بين الحقيقي والمعنوي وما ورد عن بني إسرائيل

﴿فَٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54]

اقتلوا أنفسكم حسيًّا وارد، أم اقتلوا أنفسكم معنويًّا؟ يعني اجعل نفسك تحت قدميك، اقتل نفسك بمعنى معنوي.

نذهب نسألهم، نسأل بني إسرائيل: عندكم في الكتب التي تملكونها ماذا؟ فاقتلوا أنفسكم يعني اقتلوا أنفسكم معنويًّا، أم قفوا واقتلوا بعضكم بعضًا؟

فورد عنهم -والعهدة عليهم- أنهم وقفوا صفين، كل منهم يمسك بسيف، وضربوا علامة، فأخذ كل منهم في قتل من أمامه. الذي يلحق يقتل أولًا، والذي سيتباطأ قليلًا هكذا يُقتل. يعني القتل هنا حسي.

مشروعية العقوبة في الإسلام وفلسفتها الوقائية والأمنية

هذه عقوبة شديدة. فلنعلم أن الله سبحانه وتعالى قد شرع العقوبة، لكن هناك أناس يريدون إلغاء العقوبات من ضمن أيضًا فك البشرية [من قيود الشريعة].

لا، الله أقر فلسفة العقوبة: لا بد أن يكون هناك جريمة، لا بد أن تكون الجريمة واضحة، ولا بد أن نتثبت من وقوع الجريمة، ثم بعد ذلك لا بد من عقاب له غرضان:

  1. غرض وقائي: يعني عندما أعرف أن هذه الجريمة عليها هذا العقاب فلا أرتكبها من الأساس.
  2. غرض للأمن والاستقرار: أنه عندما ارتُكبت هذه الاعتداءات جوزيت بجزاء يهدئ البال ويصلح الحال.

تحقيق العقوبة للردع والأمن ومنع المتضرر من الانتقام بنفسه

هذه فلسفة العقوبة: أنه عندما أضع لكل جرم عقوبة، إن هذه العقوبة تحقق أمرين:

  • تجعل بعض الناس لا يرتكبون الجريمة أصلًا؛ لأنهم يخافون من العقوبة.
  • وتجعل من ارتكب الجريمة فعلًا ينال عقوبته؛ حتى لا يعود مرة أخرى من جهة، وحتى يسود الأمن والاستقرار ويصلح الحال من جهة أخرى.

لأننا لو تركناه دون عقوبة لقام المتضرر وحاول الاعتداء عليه، فنحن نهدئ باله.

أقر الله هذه الفلسفة أم لم يقر؟ أقر:

﴿فَٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54]

في عقاب هنا.

دلالة أفعل التفضيل في ذلكم خير لكم عند بارئكم على أن القتل لم يكن واجبًا

﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: 54]

يمكن أن نستنبط منها: ما هي خير؟ أفعل التفضيل. كأنها في قوة أي "أخير" في باب أفعل التفضيل.

يقول لك: إن نحن نصوغ الحكاية هذه: حسن، أحسن؛ صلح، أصلح. إلا كلمتين: خير وشر، فإنهما تأتيان بمعنى أفعل وهما ليستا على وزن أفعل. خير: فعل، أهي خير؟ فعل، لكن هذا خير من هذا يعني هذا أحسن من هذا.

أفعل التفضيل تقتضي أن الاثنين فيهما خير. ومعنى ذلك أنه قتل النفس بهذه الصفة لم يكن واجبًا؛ لأنه ربنا وصف قتل النفس بأنه أحسن، يعني أنا أعمله كان أحسن، أم لا أعمله فلا يوجد مانع.

وإلى لقاء آخر نستوفي فيه هذا، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.