سورة البقرة | حـ 80 | آية 54 : 56 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •ذكر الله بني إسرائيل بنعمه عليهم، وطلب منهم العودة إلى الحق وتنفيذ تراث موسى.
- •أمرهم موسى بالتوبة من عبادة العجل واقتلوا أنفسكم تأديباً وتربية للنفس الهشة، فقدموا أنفسهم للعقوبة.
- •التربية تقتضي إقرار العقوبات والتمييز بين المجتهد والمهمل، فالمؤمن القوي خير من الضعيف.
- •تاه بنو إسرائيل أربعين سنة لتربية جيل جديد صالح، مما يؤكد أهمية التربية والتعليم في التغيير.
- •قالوا لموسى "لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة" فأخذتهم الصاعقة ثم بعثهم الله بعد موتهم.
- •ظلل الله عليهم الغمام وأنزل المن والسلوى، وأمرهم بأكل الطيبات.
- •قلوبهم كانت هشة لا تسارع إلى الخير، بخلاف صحابة النبي محمد الذين سارعوا للجهاد.
- •رؤية الله مستحيلة بالأبصار، فالإنسان لا يتحمل مواجهة المخلوقات فكيف يرى الخالق.
مقدمة تلاوة سورة البقرة وتذكير بني إسرائيل بنعم الله عليهم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله في سورة البقرة نعيش هذه اللحظات مع قوله تعالى في شأن بني إسرائيل، وهو يذكّرهم بنعمه التي لا تنتهي عليهم، ويطلب منهم أن يعودوا مرة أخرى إلى الحق، وأن ينفّذوا ما قد تركه موسى عليه السلام لهم في تراثهم.
﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَـٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: 54]
ففتح لهم باب التوبة:
﴿فَٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ﴾ [البقرة: 54]
وخيرٌ في قوة أفعال التفضيل [أي أنه أفضل لهم عند الله].
حقيقة قتل النفس عند بني إسرائيل وأنه كان اختياريًا لا واجبًا
ويُؤخذ من هذا [الأمر بقتل النفس] أن قتل النفس — إذا صحّت الرواية عن بني إسرائيل في كتبهم — أنه كان أمرًا حسيًّا؛ قتلوا أنفسهم فعلًا. هذا القتل لم يكن واجبًا، إنما كان أحسن [أي مستحبًّا وأفضل لهم].
وهذا معناه ماذا؟ عندما تُقدِم على شيء يكون ليس واجبًا عليك، أنه باختيارك وإرادتك، وأنك موافق، وأنك متشوّق لأن يُفعل بك هذا [الأمر].
قصة سيدنا إسماعيل وتسليم النفس للذبح كنموذج للتوبة الصادقة
عمل مثل ماذا؟ مثل قصة الذبيح [سيدنا إسماعيل عليه السلام]؛ عُرض عليه الأمر، سيدنا إسماعيل فقال له [أبوه إبراهيم عليه السلام]:
﴿يَـٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ﴾ [الصافات: 102]
﴿قَالَ يَـٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [الصافات: 102]
﴿فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَـٰدَيْنَـٰهُ أَن يَـٰٓإِبْرَٰهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ﴾ [الصافات: 103-105]
إلى آخر الآيات. الولد سلّم نفسه ورقبته للذبح، فهذه درجة عالية أم لا؟ نعم.
حسنًا، عندما يُسلّم نفسه للذبح، ألا يكون قد تاب توبة صادقة؟ ولذلك جاءوا [بنو إسرائيل]: تعالوا قدّموا أنفسكم، هل تبتم أم لا تزالون؟
فائدة الشدة في تربية النفوس الهشة التي خرجت من نفسية العبودية
فما الفائدة من ذلك [الأمر بقتل النفس]؟ هذه الشدة تفيد في تربية النفس الهشّة؛ فقد كانوا بنفسية العبيد، خارجين حديثًا من نفسية العبيد.
فلمّا وقعوا مرة أخرى بنفس الطريقة في الانطباع بأسيادهم فعبدوا العجل، أراد الله سبحانه وتعالى أن يُخرجهم [من هذه النفسية]، فتابوا. فالأمر [ليس] سهلًا؛ تابوا إلى الله ولم يتعدّل قلبه [قلب الواحد منهم] بعد، فدخل معهم في التربية، وسنرى ما تقتضيه هذه التربية.
ضرورة إقرار العقوبة في التربية والتمييز بين المجتهد والمقصر
أقرّ [الله سبحانه وتعالى] العقوبة؛ فلا بدّ في التربية من إقرار العقوبة. لا بدّ في التربية أن ينجح الولد ويرسب، ولا تكون الساقط والبليد والمذاكر كالذي لم يذاكر، والبليد كالناصح والمجتهد. لا، بدّ أن يأخذ كل واحد درجته من أجل التربية والتشوّف.
حسنًا، ولكن عندما يظهر هذا الأول وهذا الأخير، فإن الولد سيُصاب بعقدة. حسنًا، إنه يجب أن يُصاب بعقدة حتى نحوّل هذه العقدة إلى فعل نافع.
لا بدّ من الالتزام، لا بدّ من القوة؛
قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير»
فقال لهم [موسى عليه السلام]:
﴿فَٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 54]
نجاح خطة التوبة وتطور أحوال بني إسرائيل من العناد إلى التيه
إذا ابتدأ [الأمر] فعلًا، نجحت الخطة وفعلوا ما أُمروا به، فتاب الله عليهم؛ لأنه رآهم قد تابوا توبة صادقة.
وإن المسألة فيها تطوّر؛ انتبه إلى أن هؤلاء القوم هم الذين قالوا له [لموسى عليه السلام]:
﴿فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَـٰتِلَآ إِنَّا هَـٰهُنَا قَـٰعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]
هؤلاء القوم هم الذين حكم الله عليهم بالتِّيه أربعين سنة:
﴿يَتِيهُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [المائدة: 26]
حكمة التيه أربعين سنة في تغيير الأجيال وبناء جيل جديد متربٍّ
الأربعون سنة هذه التي تاهوا فيها في الأرض، معناها ماذا؟ أنت قاعد أربعين سنة تائه، معناه أنك أنجبت والولد كبر، والولد أنجب. بعد أربعين سنة فأنت أنجبت وأنت خارج من مصر، عشرين سنة أنجبت، فالولد أصبح عمره عشرين سنة، فتزوّج وأنجب، وأنت أصبح عمرك ستين سنة ومتّ.
فإذا كان الجيل الذي خرج من مصر قد مات، فمن هو الجيل الذي دخل [الأرض المقدسة]؟ الجيل الذي تربّى [في التيه على يد موسى عليه السلام].
بناء المجتمعات يحتاج إلى تربية طويلة الأمد وخطة تنمية شاملة
فإذن عندما نريد أن نبني المجتمعات فليست القضية مجرد طبخ البيض وسلق البيض [أي ليست بالأمر السهل السريع]. إن كنّا الآن سنبني المجتمع فيتمّ الآن، لا! بل يجب أن تهتمّ بالتربية أربعين سنة فتتغيّر كل المنظومة.
إذن لا بدّ من خطة لهذه التنمية، وأهل القائمين الذين اقتنعوا ابتداءً سيموتون، ولكن سيأتي من بعدهم أقوام صالحون لبناء المجتمع بناءً سليمًا.
إذن أهمّ شيء في القضايا التي نتحدث فيها جميعها هذه: التربية والتعليم. ومن غير تربية وتعليم لا يوجد تغيير:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]
ختام آية التوبة وسعة رحمة الله التواب الذي لا يغلق باب توبته
﴿فَتُوبُوٓا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ﴾ [البقرة: 54]
توبة لا نهاية لها سبحانه وتعالى، لا يُغلق باب توبته [جلّ جلاله].
مطالبة بني إسرائيل برؤية الله جهرة ودلالتها على هشاشة قلوبهم
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]
الزمخشري يقول عليها [أي على "لن"]: إنها للتأبيد. لن نؤمن لك [أبدًا].
قلوب هشّة، قلوب لا تسارع إلى الخير، قلوب تحتاج إلى دفع حاجة هكذا معه [مع موسى عليه السلام]، معاندة؛ لا يرضون أن يسيروا معه، لا ينطلقون.
المقارنة بين استجابة أصحاب النبي ﷺ وعناد بني إسرائيل مع موسى
انظر إذن الذي حدث مع سيدنا محمد ﷺ [في المقابل]؛ قال له [أحد الصحابة]:
«يا رسول الله، أرأيتني لو قاتلت في سبيل الله فقُتلت، أدخل الجنة؟ قال: نعم»
فنفض تُميرات كنّ في حجره، وقام فقاتل فقُتل فدخل الجنة.
﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]
[فهذا حال أصحاب النبي ﷺ في المسارعة إلى الخير، بخلاف بني إسرائيل الذين عاندوا نبيّهم].
سبب مطالبة بني إسرائيل برؤية الله جهرة وتأثرهم بفرعون
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]
لماذا؟ هناك ترون فرعون؛ ما هو [فرعون]؟ قال لهم:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]
وما لا يزال بعض المضحكين يطالبون المسلمين بهذا إلى اليوم، يقولون: من تعبدون؟
نحن نعبد الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. نعبد ربّ السماوات والأرض الذي له الأسماء الحسنى. نحن نعرف من نعبد: الخالق جلّ جلاله، الله.
استحالة رؤية الله جهرة في الدنيا وعجز الأبصار عن إدراكه سبحانه
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: 55]
أولًا عملوا العجل [فعبدوه]، وهؤلاء يريدون أن يروا ربّهم، بماذا؟ بالبصر هكذا جهارًا!
الله سبحانه وتعالى يقول في شأن نفسه:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
إذن فلن يروه [في الدنيا].
﴿فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة: 55]
قال لهم: حسنًا، تعالوا انظروا هكذا إلى هذا الجبل، انظروا إلى نور نور نور الله فاتّصعقوا.
عجز التكوين الجسدي للإنسان عن تحمل رؤية الله في الدنيا
فكيف وأنت لست أهلًا لذلك [لرؤية الله جهرة]؟ حين لا تكون أهلًا لذلك، فكيف ستبصر ربّنا؟ حين يكون تكوينك الجسدي غير مؤهّل لذلك.
فهذا قليل من الكهرباء يصيبك بالدوار ويصعقك، وإن اشتدّت قليلًا تحرقك وتجعلك فحمًا، وإن اشتدّت قليلًا تبخّرك وتجعلك غير موجود بخارًا، وإن اشتدّت قليلًا في لحظة كهذه حسب الفولت.
عندما لا يستطيع جسمك أن يتحمّل مواجهة المخلوقات، فما بالك تريد أن ترى الله جهرة هكذا؟
بعث بني إسرائيل بعد موتهم بالصاعقة وتذكيرهم بنعمة الإحياء
ثم:
﴿ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ [البقرة: 56]
ماتوا وأُحيوا؛ ربّنا بعثهم من بعد موتهم. الكهرباء قضت عليهم، وما هي الصاعقة إلا كهرباء.
﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 56]
مرة أخرى لتفهموا: ما الغرض من إخراجكم ومن كذا ومن تفضيلي لكم على العالمين؟ تفهموا القضية: إنها قضية التوحيد، قضية هداية الناس، قضية مراد الله من خلقه ومن كونه. وأنتم أبدًا لا تريدون أن تلتفتوا لهذا وتجلسون تلعبون!
نعمة تظليل الغمام وإنزال المنّ والسلوى على بني إسرائيل
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ﴾ [البقرة: 57]
كانوا كلما يذهبون إلى مكان، الغمام وراءهم هكذا يعمل ظلًّا.
﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾ [البقرة: 57]
المنّ هذا عبارة عن أيّ شيء؟ عبارة عن شيء مثل السكّر، نبات اسمه المنّ، تأتي لتأكله فتجده معسّلًا وحلوًا، وموجود حتى الآن اسمه المنّ.
والسلوى [هو] السُّمان؛ يُشوى فيصبح لذيذًا، ويُحشى فيصبح لذيذًا، ويُؤكل فيصبح لذيذًا. سُمان، والسُّمان موجود حتى الآن.
الأمر بالأكل من الطيبات وأثر طيب المطعم في استجابة الدعاء
وبعد ذلك قال [الله سبحانه وتعالى]:
﴿كُلُوا مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ﴾ [البقرة: 57]
استنظاف الطعام ويجعله كذلك [طيّبًا]؛ ما هو طيّب فإنه يجعل الإنسان مستجاب الدعاء:
«أطِب مطعمك تكن مستجاب الدعاء»
سواء بالحلال، أو سواء ألّا تأكل الأشياء التي لها رائحة كريهة والتي لها كذا إلى آخره. هذا أنت تأكل ماذا؟ مثل الآن المارونجلاسيه، يأكل هكذا شيئًا مارونجلاسيه [أي يأكل ما لذّ وطاب من الطيّبات].
﴿كُلُوا مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 57]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
