سورة البقرة | حـ 81 | آية 56 : 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يستعرض القرآن الكريم نعم الله على بني إسرائيل كعبرة لنا حتى لا نكفر ونعاند كما فعلوا.
- •طلب بنو إسرائيل رؤية الله فأماتهم بالصاعقة ثم أحياهم لعلهم يشكرون.
- •من نعم الله عليهم تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى في صحراء سيناء الحارة الوعرة.
- •أمرهم الله بدخول القرية والأكل من طيباتها رغداً حيث شاؤوا دون قيود.
- •طلب منهم دخول الباب ساجدين متواضعين لله، وقول "حطة" إشارة للاستقرار والإقامة فيها.
- •منهج الله قائم على التفاعل مع المجتمعات بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- •التعمير لا التدمير هو منهج الله، وكلما زاد الإنسان في إحسانه زاده الله من الأمن والاستقرار والعلم.
- •بدّل الظالمون قول الله وخالفوا منهجه، فاختاروا التدمير بدل التعمير، والاستعمار بدل الحطة، والمعصية بدل العبادة.
مقدمة الدرس والتعريف بسورة البقرة ونعم الله على بني إسرائيل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه اللحظات، نطلب منه الهداية فإنه كتاب هداية. مع سورة البقرة وفي قوله تعالى:
﴿ثُمَّ بَعَثْنَـٰكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 56]
وهذه [الآية] سبق أن تحدثنا عنها في تعداد النعم المتتالية التي عددها الله سبحانه وتعالى على بني إسرائيل.
خطاب الله لنا بالاعتبار من بني إسرائيل وعدم اتخاذهم قدوة
وليس الأمر خاصًا بهم [ببني إسرائيل] بل إنه خطاب لنا حتى لا نكفر كما كفروا، ولا نعاند ربنا كما عاندوا، ولا نفسد في الأرض كما أفسدوا، ولا نتخذهم قدوة لنا وأسوة؛ فإن كانوا أولئك أسوة فهم أسوة سيئة.
والله سبحانه وتعالى جعل لنا أسوة حسنة في سيدنا محمد ﷺ سيد الخلق أجمعين وإمام النبيين، فهو كأخيه موسى وعيسى عليهم السلام على ضرب الله سبحانه وتعالى بقوله:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
سبب صعق بني إسرائيل وعجز البشر عن رؤية الله في الدنيا
بعدما طلبوا [بنو إسرائيل] أن يروا ربهم فأماتهم الله سبحانه وتعالى بالصاعقة؛ لأنه:
﴿لَّا تُدْرِكُهُ ٱلْأَبْصَـٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلْأَبْصَـٰرَ﴾ [الأنعام: 103]
لأنه رب العالمين، لأن الجسد البشري لا يتحمل أن يتصل مباشرة بالله.
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾ [الشورى: 51]
هذه هي الطرق التي يتم بها الوحي، وهو إلقاء من الله سبحانه وتعالى على من يشاء من عباده حتى يبلغ الناس، فيهيئهم الله سبحانه وتعالى جسديًا ونفسيًا وعقليًا وروحيًا، ولكن لا يرى اللهَ سبحانه وتعالى البشرُ.
إحياء الله لبني إسرائيل بعد موتهم وتعداد نعمه المتتالية عليهم
طلبوا [بنو إسرائيل] ذلك [رؤية الله] فصُعقوا فماتوا، فأحياهم الله من بعد موتهم وأراهم قدرته عيانًا حسًّا لعلهم يشكرون، أن أعادهم الله سبحانه وتعالى قبل أن يغضب عليهم لعلهم يشكرون.
النعم المتتالية التي قد أكرمهم الله بها: فأنجاهم من فرعون وعمله، وأنجاهم من ذبح أبنائهم واستعمال نسائهم إلى آخره.
نعمة تظليل الغمام على بني إسرائيل في صحراء سيناء
ثم بدأت النعم الجديدة، فقال تعالى:
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ﴾ [البقرة: 57]
الدنيا حارة في سيناء، هم عبروا اللسان الخاص بخليج السويس عبروه، أصبحوا في سيناء. وإذا ركبت الطائرة تسير فوق سيناء تجدها جبالًا وعرة، تجد أن السكك التي فيها حتى مكان السيل مثلًا منتهية ومقطوعة بجبل.
لكي تمشي لا بد إما أن تصعد الجبل أو تدور حوله في متاهة، وإذا درت حوله تضل الطريق. كل هذا نراه الآن نحن من الطائرة وأنت ذاهب إلى شرم الشيخ وأنت قادم من شرم الشيخ، ترى طبيعة أرض سيناء وأنها صعبة وليست سهلة.
معجزة تسيير الغمام مع بني إسرائيل وبيان قدرة الله في الريح
نزلوا هنا [في سيناء] فاشتد عليهم الحر، فقام ربنا سبحانه وتعالى بإرسال الغمام ليظللهم.
﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 57]
فإذا انتقلوا من مكان إلى مكان، فما هذا الغمام؟ إنه سحاب، والسحاب معلق في الهواء ويسير بالهواء بالريح. فكيف يقف السحاب؟ إذن الريح واقفة. وكيف يسير السحاب؟ إذن الريح تسير.
فمن بيده إسكان الريح وتحريك الريح؟ لا بأيديهم ولا بيد أحد.
﴿نَحْنُ أَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الحجر: 22]
من الذي أرسل؟ الله. فلما شيء مثل هذا تراه بعينيك ظِلّ، وطالما أنت جالس والدنيا نهار والشمس حارة السحاب موجود، فإذا بدأت تتحرك وتمشي قليلًا تجد السحاب يمشي معك، فهذا كرم ومنة يستوجب الشكر أم لا؟
نعمة إنزال المن والسلوى طعامًا لبني إسرائيل في سيناء
﴿وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ﴾ [البقرة: 57]
أنزل الله سبحانه وتعالى المنّ وهو فطر حلو مثل العسل، والسلوى التي هي السمان. والعريش عندنا [في مصر] العريش جزء من سيناء فيها مصائد للسمان، والسمان هذا طائر أكبر قليلًا من الحمامة ولحمه أكثر من لحم الحمام، وعندما يُشوى يصبح شيئًا لذيذًا.
فيأكلون حمامًا ويحلّون بالمنّ.
﴿كُلُوا مِن طَيِّبَـٰتِ مَا رَزَقْنَـٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57]
إذن يأكل الإنسان هذه الأشياء الطيبة، وهذه الأشياء الطيبة أرسلها الله وأكثر منها، فيأتي إلى طائر السلوى هذا فيجده واقفًا لا يطير، فيمسكه فيستسلم له، أي اذبحني وكُلني من عند الله.
الأمر بدخول القرية والأكل رغدًا دون تقييد كما في قصة آدم
﴿وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا﴾ [البقرة: 58]
هناك في الجنة ربنا قال لآدم ماذا؟ رغدًا حيث شئتما، لماذا؟ لأنه منعهما من الشجرة فقال ماذا؟ رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة، فجعل الاستثناء بعد مشيئتهم، يعني خذ ما تريد إلا هذه الشجرة.
هنا [في آية البقرة] قال ماذا؟ حيث شئتم رغدًا، يعني ماذا؟ يعني لم يستثنِ شيئًا، الله يعني لم يقيدهم التقييد في تكليف. فإذن في رحمة هنا، وإذن في حرية، وإذن في اختيار، فتركهم يختارون كما يريدون.
الأمر بدخول الباب سجدًا والتواضع لله وأثر السجود على السلوك
﴿وَٱدْخُلُوا ٱلْبَابَ سُجَّدًا﴾ [البقرة: 58]
يعني عابدين لله، لا تدخلوا بكبرياء، ادخلوا وأنتم ساجدون متواضعون.
والساجد لله لا يظلم الناس ولا يعتدي عليهم ولا يفسد فيهم وفي الأرض. الساجد لله متذكر إن في ربنا وأنه أكبر منه وأعظم منه، وأنه يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر.
معنى كلمة حطة ورفض الإسلام للاستعمار والأمر بالتعمير
﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ [البقرة: 58]
قولوا إننا سنقعد هنا ولن نمضي، لسنا مستعمرين تأخذون خيرات البلاد وتذهبون بها إلى بلادكم تعمرونها وتخربون هذه التي دخلتموها. لا، قولوا حطة.
هذه [الكلمة] مهمة جدًا في رفض الإسلام للاستعمار فهو محرم. فإذن قولوا حطة هذه على أي نمط؟ على نمط التفاعل مع المجتمعات: تدخل المجتمع أو القرية أو البلد منهم، تعيش فيها وتتزوج منها وتكون أسرة، تقيم فيها الصلاة وتؤتي فيها الزكاة وتأمر فيها بالمعروف وتنهى فيها عن المنكر.
﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]
قولوا حطة فسوف تقولون بالهجرة بالتفاعل بالبقاء، ولا تقولوا سننهبها ونمضي كما فعلت فكرة الاستعمار حين سرقونا وبنوا بلدانهم.
المغفرة ثمرة السجود والطاعة وخطة الله في تعمير الأرض لا تدميرها
﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ﴾ [البقرة: 58]
فإن السجود والعبادة ستكون سببًا للمغفرة، والطاعة ستكون سببًا للمغفرة.
هذا المنهج أنهم إذا دخلوا قرية أكلوا منها وأكلوا منها رغدًا حيث شاءوا، فسيشكرون ربهم وسيسجدون لربهم وسيعمرون الديار ولن يخربوها. هذه هي خطة ربنا في العالم: تعمير لا تدمير.
﴿وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 58]
كلما زدت في إحسانك كلما زادك الله سبحانه وتعالى من الأمن ومن الاستقرار ومن العلم.
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]
تبديل الظالمين لمنهج الله واستبدال التعمير بالتدمير والعبادة بالمعصية
﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: 59]
إذن كلمة «بدَّل» هي المفتاح لهذه الآية التي نتحدث عنها. الذين ظلموا يبدلون منهج الله، لا يريدون منهج الله.
- •منهج الله هو التعمير، ومنهجهم هو التدمير.
- •منهج الله هو الحطة، ومنهجهم هو الاستعمار.
- •منهج الله هو العبادة، ومنهجهم هو المعصية.
فالتبديل إذن هو سبب المصائب، وسنتوقف عند بدَّل هذه وسنشرحها شرحًا مستوفيًا في لقاء آخر.
نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
