سورة البقرة | حـ  82 | آية 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 82 | آية 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تناول الله في سورة البقرة قصة بني إسرائيل وأمرهم بدخول القرية والأكل منها رغداً ودخول الباب سجداً مع قول "حطة" ليغفر خطاياهم.
  • بدل الذين ظلموا من بني إسرائيل القول فقالوا "حنطة" بدلاً من "حطة"، مغيرين المعنى والمقصد الإلهي.
  • التبديل يشمل الإضافة التي تفسد المنهج أو الحذف الذي يضيعه أو الإنكار الكلي.
  • أنزل الله رجزاً من السماء على الذين ظلموا بسبب فسقهم وخروجهم عن منهج الله.
  • أظهر القرآن الإنصاف في نسبة التبديل للذين ظلموا فقط وليس لكل بني إسرائيل.
  • العدل ركن أساسي في الأخلاق الإسلامية سواء مع النفس أو الأهل أو المسلمين أو غيرهم.
  • الظلم ظلمات يوم القيامة، والقرآن ينبه إلى ضرورة الإنصاف والعدل حتى مع المخالفين.
  • استخدم القرآن "قيل" بصيغة المبني للمجهول للدلالة على عموم مصادر التوجيه الإلهي.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وقصة بني إسرائيل مع أمر دخول القرية

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في سورة البقرة نستهديه، حيث يقصّ علينا نبأ بني إسرائيل وما أكرمهم من نعمٍ متتالية. وذكر [الله سبحانه وتعالى] أنه قال لهم:

﴿ٱدْخُلُوا هَـٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَٱدْخُلُوا ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَـٰيَـٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 58]

وعرفنا المنهج الرباني فيها.

تبديل الذين ظلموا من بني إسرائيل للقول الذي أُمروا به

ثم قال [الله سبحانه وتعالى] ينعى حالهم:

﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: 59]

ماذا قال لهم [الله]؟ قال لهم: اعمروا ولا تدمّروا، قال لهم: اعبدوا ولا تكفروا، قال لهم: تمتّعوا بنعم الله. هذا الذي قاله لهم، فبدّل الذين ظلموا قولًا غير الذي [قيل] لهم.

تلاعب بني إسرائيل بالألفاظ وتحويل حطة إلى حنطة

في التفسير يقولون: وكأنهم لم يسمعوا موسى [عليه السلام] عندما قال لهم حِطّة، قالوا له حِنطة، أي ما معناه قمح. فذهبوا مضيفين حرفًا [وهو النون].

والآية أعمق من ذلك، ولكن حتى لو كانوا قالوا ذلك فإنهم يتلاعبون بالأسماء التي علّمها الله لآدم [عليه السلام]، وبدأ بها [القرآن] ليبيّن لنا أن التلاعب باللغة يؤدي إلى [الإخلال] بالمنهج.

خطورة التلاعب باللغة وأثره في إفساد المنهج الرباني

حنطة وهو يقول لهم حِطّة، ولها معنى اجتماعي وسياسي وحضاري وديني. فلما تلعّب [الإنسان] هكذا؛ فإنه يُفسد المنهج ويقطع ما بينه وبين الله.

﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِٓ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [البقرة: 27]

انظر إلى المعاني! هذا هو القرآن واضح، وبعضه يفسّر بعضًا، وبعضه يؤيّد بعضًا.

عقوبة التبديل والفسق عن منهج الله وإنزال الرجز

﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59]

الخروج عن منهج الله فسق. كلمة فسق تعني خرج. عن ماذا؟ عن منهج الله، خروج مذموم؛ لأنه خروج من الخير إلى الشر.

مفهوم التبديل الشامل بالإضافة أو الحذف أو التغيير الجزئي

هذه الآية تنبّهني إلى التبديل وتنعى عليه. والتبديل ليس ضروريًا أن يترك الشيء كلّه؛ بل حتى لو أنه ترك بعضه أو أدخل فيه ما ليس منه يبقى بدلًا أيضًا.

أي عندما يقول [الله لهم] حِطّة يقول [هو] حنطة، فهو لا يزال الحاء والطاء والهاء موجودة، ولكن عندما أضاف النون غيّر المعنى.

فما هذا [التبديل الجزئي] في الحياة؟

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا﴾ [البقرة: 85]

فشلٌ في الحياة الدنيا.

﴿وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]

وجوب الإيمان الكامل وعدم تبديل المنهج بالإضافة أو الحذف أو الإنكار

يبقى إذن لا بدّ علينا أن نؤمن إيمانًا واضحًا وأن نؤمن إيمانًا كاملًا، وألّا نبدّل سواء كان هذا التبديل:

  1. بالإضافة التي تُفسد المنهج.
  2. أو بالحذف الذي يُضيّع المنهج.
  3. أو بالإنكار كليًّا ونسير عكس ذلك بدون تلفيق ولا توفيق.

كل ذلك باطل، وكل ذلك مندرج تحت كلمة ﴿فَبَدَّلَ﴾.

إنصاف القرآن في نسبة التبديل إلى الظالمين دون تعميم على الجميع

هذه الآية تعلّمنا الإنصاف. لم يقل ربنا سبحانه وتعالى وقد ارتكب بعض بني إسرائيل هذه الحماقة فبدّلوا، لم ينسب هذا إلى كل بني إسرائيل، وإنما قال:

﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: 59]

ولم يقل فبدّلوا؛ لأن بعضهم رضي بما قسمه الله له وسار على منهج الله، وبعضهم الآخر انقلب على منهج الله وشذّ عنه، فظلم نفسه وظلم قومه وأمّته، وظلم القضية التي أرادها الله، وخرج عن المنهج الذي رسمه الله.

دقة القرآن في التعبير وأمره بالعدل حتى مع المخالفين

وهكذا شأن القرآن، يجب أن تقرأه بدقة. لمّا يقول لك:

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: 109]

لم يقل «ودّ أهل الكتاب» إنصافًا. والإنصاف والعدل أمر به القرآن، حتى قال ربنا:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]

وأمرنا [الله تعالى]:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]

العدل ركن من أركان الأخلاق الإسلامية مع جميع الناس

يعني سبحان الله، كان العدل سواء على نفسي أو على أهلي أو على المسلمين أو على غير المسلمين كأنه ركنٌ من أركان الأخلاق الإسلامية، ركنٌ جزءٌ لا يتجزّأ. إيّاك أن تظلم! الظلم ظلمات يوم القيامة.

ولذلك عندما نتحدث عن الناس، أيّ ناس، [نقول:] الآخر أيّ آخر: بعض الآخر منصف، وبعض الآخر بعضهم الآخر غافل، وبعضهم الآخر لا يعرف عنك شيئًا، وبعضهم الآخر مستعدّ للتقوى، وبعضهم الآخر غير موفّق، وبعضهم الآخر موفّق.

خطأ من يعادي الجميع ولا يفهم حقيقة دعوة الإسلام

ولذلك من يتكلم وكأنه هو في جزيرة والعالم كله من حوله في جزيرة أخرى وهو عدوّ للجميع؛ لا يفهم حقيقة الإسلام ولا دعوة الإسلام.

ولذلك إذا ما اعتدى على الآخر هذا باعتبار أنه مخالف له فهو ظالم، وربنا هنا ينبّهنا إلى هذا.

دلالة بناء الفعل للمجهول في قيل وعموم مصادر الأمر الإلهي

تأمّل ماذا يقول [القرآن] في شدة التعنيف والتذكير والمؤامرة والعلم: لا يقول إلا الحق بالعدل، فيقول:

﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: 59]

وهنا كلمة «قيل» اسمها فعل مبنيّ للمجهول. عندما نحلّلها نقول: قال موسى، قال الله، قال... إذن لنرَ من الذي قال. لكن «قيل» إذن من الذي قال؟ لا نعرف.

طيّب، وهذا يفيد بماذا؟ قال: يفيد العموم. يعني هم لم يسمعوا من واحد فقط، بل سمعوا كلام الله، وسمعوا كلام موسى، وسمعوا كلام هارون، وسمعوا كلام الأقدمين من المرسلين، وسمعوا [من مصادر كثيرة].

وليس هناك فائدة [من تحديد القائل؛ لأن الأمر جاءهم من كل جهة]. فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.