سورة البقرة | حـ 84 | آية 60 : 61 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •معجزة سيدنا موسى عندما استسقى لقومه فأمره الله بضرب الحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً.
- •ظهرت المعجزة الإلهية من عدة جوانب: استجابة الله سريعاً لدعاء موسى، وكثرة العيون المتفجرة، وجعل كل عين خاصة بسبط من الأسباط.
- •المعجزة تضمنت تنظيماً إلهياً دقيقاً حيث كانت المياه تتدفق بقدر حاجة كل سبط.
- •دعوة القرآن للتدبر والتأمل في آيات الله في الكون والقرآن والتاريخ والنفس البشرية.
- •ذم السطحية وكلام الناس غير المدروس الذي يخالف هدى القرآن ويؤدي للاضطراب والفساد.
- •خسارة من يبيع دينه لدنياه أو لدنيا غيره أو دون مقابل.
- •المعجزة تعلمنا قواعد الإدارة السليمة في توزيع الموارد وعدم الإسراف وترتيب الأمور وتنظيمها.
- •القرآن مفتوح لمن يطلب الهداية منه، ويغلق أبوابه أمام المعاندين.
مقدمة تلاوة آية استسقاء موسى عليه السلام من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله نعيش هذه اللحظات مع سورة البقرة، ومع هذه النعمة التي أنعم الله على بني إسرائيل بها.
قال تعالى: ﴿وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ﴾ [البقرة: 60]
ومباشرةً وفي منتهى السرعة انفجر الماء من هذا الحجر.
﴿فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: 60]
هم الذين كانوا مع سيدنا موسى اثنا عشر عائلة، أسباطٌ اثني عشر سبطًا، يعني اثني عشر عائلة.
حكمة تفجير اثنتي عشرة عينًا لمنع التنازع بين الأسباط
لا يريدهم [الله سبحانه وتعالى] أن يتنازعوا، هذه نقطة أولى.
ونقطة ثانية: سيدنا موسى هذا نبيٌّ وهو عند الله مكين، فعندما يدعوه بأن: ربِّ اسقنا، فهل يعطيه قليلًا صغيرًا أم يعطيه كثيرًا؟ قام الله فأعطاه كثيرًا، وانفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينًا.
هذه لو انفجرت عينٌ واحدة لكانت معجزة، فكيف باثنتين لكانت أيضًا معجزة كبيرة جدًا، فكيف بعشر؟ فهذا شيءٌ زائدٌ عن الحاجة، بل لكل عائلة فجَّر لها عينًا وتكون هذه العين خاصة بها.
تفاوت أعداد العائلات وضبط المياه على قدر كل سبط
ما بها؟ [أي ما شأن هذه العيون وتوزيعها] هذا طيب.
والعائلات هذه كانت متساوية في عددها؟ قال: لا، ما كانت متساوية في عددها؛ العائلة هذه كانت ألفًا، العائلة هذه كانت ألفين، العائلة هذه كانت خمسمائة. كل عائلة لا تتساوى، في العادة هكذا أن العائلات تكبر وتصغر.
قال: المياه التي تنزل تكفي هؤلاء الناس، فإذا كانت العين الأولى للسبط الأول، للعائلة الأولى، العين الأولى للعائلة الأولى، فكانت تبقى على قدرهم. الله هذا يكون كذلك في معجزة وراء معجزة.
ثلاث معجزات متتالية في استجابة الله لدعاء موسى عليه السلام
المعجزة الأولى أنه [سبحانه وتعالى] استجاب [لدعاء موسى عليه السلام]. المعجزة الثانية أنه وسَّع في الاستجابة بكرم. المعجزة الثالثة أنه ضبط [كمية الماء لكل سبط] بما لا يمكن أن يكون إلا من عند الله.
﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا﴾ [فصلت: 53]
ليست شيئًا واحدًا، فهناك أناسٌ يغفلون والمهم أن يشربوا فحسب، وهناك أناسٌ يتأملون ويتدبرون.
أمر الله بالتدبر في القرآن والكون والتاريخ والأنفس
ربنا أمرنا بماذا؟ قال: بالتدبر. أمرنا أن نتدبر في السماء والأرض، وفي الليل والنهار، وفي الخلق وفي الكون. وأمرنا أن نتدبر في القرآن، وأمرنا أن نتدبر في أنفسنا، وأمرنا أن نتدبر في التاريخ، وأمرنا وهكذا.
﴿فَسِيرُوا فِى ٱلْأَرْضِ فَٱنظُرُوا﴾ [آل عمران: 137]
انظروا ما الذي حدث في التاريخ.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
انظر أمامك إنه معجزة! إذن هذا الكتاب يدعوك أيها الإنسان إلى التأمل والنظر والتدبر والتأني، وألا تأخذ الأمور مأخذًا سريعًا.
ذم ثقافة السطحية والكلام بلا تدبر ومخالفة منهج القرآن
فما بال الناس الذين يكتبون أيَّ كلام يملأون به الصفحات ويسوِّدون به الورق ويشيعون بين الناس ثقافة السطحية؟
فهل هؤلاء مع الكتاب أم ضد الكتاب؟ لا، هؤلاء ضد الكتاب، ويريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، ويتكلمون فلا يتدبرون مآلات كلامهم.
البلوى التي نحن فيها الآن: كل واحد جالسٌ يتكلم من غير تدبر، من غير تأمل، من غير [رويّة]. مرة أخرى يكون هذا ضد الكتاب، هذا ضد الكتاب.
التناقض بين هدى القرآن وضلال الكلام بلا تدبر
هذا [القرآن] هدى، يكون هذا الكلام [الذي بلا تدبر] ضلالًا. الكتاب هذا يؤدي إلى السكينة، يكون هذا الكلام يؤدي إلى الاضطراب. الكتاب هذا يؤدي إلى سعادة الدارين، يكون هذا الكلام يؤدي إلى البلوى في الدارين في الدنيا والآخرة.
بعض الناس يبيع دينه من أجل دنياه، ونقول له: أنت مغفَّل؛ لأنك بعت الآخرة الواسعة الدائمة الباقية بثلاث دقائق هنا في الدنيا.
أصناف من يبيعون دينهم بين الغفلة والحمق والتبرع بالخسارة
وبعض الناس يبيع دينه لدنيا غيره، نقول له: والله هذا أنت لست مغفَّلًا فحسب، بل أنت أحمق! أنت الآن بعت دينك لدنيا غيرك، والله يعني خسر الدنيا والآخرة.
وبعض الناس قد اشتد الحمق بهم فباعوا دينهم من غير شيء، لا من أجل دنيا لأنفسهم ولا دنيا غيرهم، هذا متبرعًا هكذا!
﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰٓ أَبْصَـٰرِهِمْ﴾ [البقرة: 7]
ووصفهم أنهم كالأنعام بل هم أضلُّ سبيلًا.
دلالة انفجار العيون على كرم الله الواسع وتعليم الإدارة
﴿فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: 60]
أي هذا هو [الكرم الإلهي]، لم يقل: فانفجرت منه اثنتا عشرة ثقبًا، ثقبٌ صغير! هذا عطاؤنا، هذا كرمٌ واسع.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: 60]
ليكون كل سبط يعلم نصيبه لأجل الكمية.
وهذا يعلمنا ماذا؟ يعلمنا الإدارة، قواعد نستنبطها. ربنا خلق هذا الكون في ستة أيام، هذه مسألة إدارية يجب أن نتعلم، وأن نتخلق بأفعال الله وأخلاق الله.
الله هو المعلم الأول وخلق الكون في ستة أيام درس في التدرج
ما يعلمنا؟
﴿عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 5]
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]
﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]
إذن هو ربنا هو الذي يعلمنا. فلما خلق الكون في ستة أيام وهو القادر على أن يقول له كن فيكون ويخرج على هيئته هذه، عرفنا أن المسألة يجب أن تكون لها مراحل، وأن الإنشاء لا بد أن يُرتَّب ترتيبًا.
تعلم الإدارة من تقسيم الماء على الأسباط وعدم الإسراف في الموارد
وعندما يأتي هنا [في قصة موسى عليه السلام] ويقول لي: قسِّم الناس الذين معك وأعطِ لكل واحد على قدر ما يحتاجه، فإنه يعلمني الإدارة.
لماذا؟ لأنني لن أُسرف في المياه، ولن تفيض مياهٌ أرميها، فكل واحد على قدره.
إذن لا بد علينا ونحن نتعامل مع هذه الطبيعة أن نتعامل معها برفق؛ لأنها تسبِّح، ولأنها مائدة الله ومائدة الرحمن، ولأننا فيها يجب أن نكون صالحين مصلحين، لا مسرفين مفسدين. والآيات كثيرة تعرفونها أنتم في هذه الأمور.
تعليم الإدارة لمنع التنازع والتزاحم وتحقيق العدالة في التوزيع
حسنًا، يعلمني الإدارة بأن أعمل شيئًا لا يجعل الناس تتنازع وتتقاتل، فهذا الكثير أقسمه حتى لا يحدث تزاحم وتدافع. وهذا الكثير أقسمه حتى لا يحدث وَغْرٌ في الصدور [أي حقد وضغينة]؛ أين حاجتي وما ليس من حاجتي وهكذا.
ماذا يريد هذا [التقسيم]؟ هذا يريد أن يتعلم الإدارة ليصبح مديرًا ناجحًا.
﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: 60]
انظروا إلى الرحمة!
النهي عن الإفساد في الأرض وأنواع المفسدين في ضوء القرآن
﴿كُلُوا وَٱشْرَبُوا مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]
فيكون الذي يخرج عن الوحي مفسدًا. الذي يعامل الأكوان بخلل وخطأ مفسد. الذي يفقد الإدارة الحسنة السليمة التي توصلنا إلى الغاية [مفسد]. والمفسد الذي يسرف في استعمال الموارد مفسد.
وهكذا أمرنا الله بالإصلاح ونهانا عن الفساد.
جمال القرآن وانفتاحه لمن طلب الهداية وإغلاقه على الظالمين
القرآن جميل يا جماعة، القرآن جميل! وعندما تجلس وتدخل وتطلب منه الهداية، تجده مفتوحًا فاتحًا لك ذراعيه.
تريد أن تدخل مثل فلان وعلان من أوباش الناس الذين يريدون [العبث] معه، يُغلق!
﴿وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّـٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]
وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
