سورة البقرة | حـ 86 | آية 61 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير قوله تعالى: "وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد" يوضح طلب بني إسرائيل استبدال الطعام الجيد بطعام أدنى مثل البقل والقثاء والثوم والعدس والبصل.
- •الباء في "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير" للترك، وهي قاعدة تختلف في مواضع مختلفة في القرآن.
- •مثال آخر قوله تعالى: "وليقاتل في سبيل الله الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة"، فالجهاد يرفع الطغيان ويمنع العدوان ويخيف المعتدين.
- •لفظة "مصرا" في "اهبطوا مصرا" يمكن أن تكون بلداً من الأمصار أو مصر المعروفة حسب التنوين.
- •تُسمى الأرض الخصبة قرب النيل "أرض الكلى" لكبر حبوبها.
- •ضُربت على بني إسرائيل الذلة والمسكنة بسبب كفرهم بآيات الله رغم المعجزات.
- •وصف القرآن لهذا الصنف من الناس الذين يقتلون الأنبياء يمتد لليهود عبر الزمن.
- •المعصية والاعتداء من أبرز صفات هذه العقلية.
افتتاح الدرس بالدعاء والتعريف بسورة البقرة وقصة موسى مع بني إسرائيل
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا للإسلام وافتح علينا فتوح العارفين بك، وألقِ علينا الصبر يا أرحم الراحمين، كما قد ألقيت علينا البلاء، فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون.
مع كتاب الله ومع سورة البقرة ومع قصة سيدنا موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وما حدث مع بني إسرائيل.
تلاوة آية استبدال بني إسرائيل الأدنى بالخير وشرح معنى باء الترك
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَثُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 61]
وكان هذا الطعام [الذي ملّوا منه] هو الخير [أي المنّ والسلوى]. فقد تركوا الخير، والباء هنا يسمونها باء الترك؛ لأنها في مقابل الاستبدال. فتقول: بعتُ الحياة الدنيا بالآخرة، يعني أنت تركت الآخرة. وتقول: اشتريتُ الآخرة بالدنيا، إذن أنت تركت الدنيا. وهكذا.
هل باء الترك قاعدة دائمة أم غالبة مع الاستشهاد بآية القتال في سبيل الله
هل هذه القاعدة [باء الترك] دائمة أم غالبة؟ قالوا: لا، غالبة. الباء هنا للترك، نعم غالبًا.
لقوله تعالى:
﴿فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 74]
فهل هؤلاء تركوا الآخرة؟ لا، لم يتركوها. قال [العلماء]: الباء هنا ليست على بابها. ما بابها؟ قال: تقول العرب هكذا؛ عندهم قاعدة وعندهم استثناء، والذي لا يعرف هذه الحكاية يختلط عليه الأمر، يختلط عليه الأمر. فكل الاختلاط آتٍ من الجهل بالعربية.
شرح معنى أحسن الخالقين وكيف تكون على غير بابها في اللغة العربية
فالباء هنا على غير بابها، مثل:
﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ﴾ [المؤمنون: 14]
أحسن تقتضي المشاركة، يبقى هو خالق وغيره خالق. فهل يصح هنا؟ قال: لا، هذا ليس على بابها. أحسن هنا يعني الذي لا يوجد أحسن منه، ولكن في الواقع لا يوجد غيره [خالقٌ حقيقي]؛ لأنه لا يوجد غيره [سبحانه وتعالى].
وهكذا العرب، هكذا يقول لك: وهذا ليس على بابه. ليس على بابه يعني ما هو المطّرد الذي يأتي [في الاستعمال اللغوي].
رأي من أبقى الباء على بابها في آية القتال في سبيل الله وبيان قيمة الجهاد
وبعض الناس قال: لا، اتركها على بابه [أي الباء على معناها الأصلي]. طيب، يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، قال: نعم، يعني لو كنتم تريدون عزّ الدنيا وما أنتم منتبهون للآخرة، قاتلوا في سبيل الله. نعم.
يعني الجهاد في سبيل الله سبحانه وتعالى قيّمٌ في حد ذاته؛ لأنه يرفع الطغيان، ولأنه يمنع العدوان، ولأنه يُخيف المعتدين الذين يريدون أن يُفسدوا في الأرض.
فأنت صاحب ماذا؟ صاحب دنيا أم صاحب آخرة؟ قالوا: لا، أنا صاحب دنيا. قال: إذن تقاتل في سبيل الله.
من أراد إصلاح الدنيا يقاتل في سبيل الله ومعنى أحسن الخالقين بالخلق المجازي
نعم، يعني الذي يريد أن يُصلح الدنيا يقاتل في [سبيل] الله، يبقى [الباء] على بابها. هذا حتى كما أنه ناس [يريدون] الآخرة، ولكنه يجب أن يقاتل في سبيل الله إن أراد العزة لنفسه ولقومه. معنى كبير جدًّا.
وهكذا أحسن الخالقين، قال: نعم، في ناس تخلق:
﴿أَنِّىٓ أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 49]
لكن بإذن الله، يبقى هو [خلقٌ] مجازي، والخالق الحقيقي من هو؟ الله سبحانه وتعالى جلّ جلاله.
بنو إسرائيل يختارون الأدنى ويرفضون الترقي ويتمسكون بالدنيا
وهكذا:
﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61]
كأنهم قالوا: نعم، أو كأنهم قالوا: نعم، نريد الذي هو أدنى. نصيبه ما هذا؟ واحد [وهو موسى عليه السلام] يريد أن يُطوّرهم أن يُرقّيهم، وهم يريدون أن يتمسكوا بالدنيا ويتمسكوا بالأدنى.
وتريدون أن تكونوا غير ذلك [أي تريدون] الشوكة أن تكون غير ذات الشوكة أن تكون لكم، وتريدون أن غير ذات الشوكة أن تكون لكم.
طيب، لماذا بعض الناس هكذا؟ لا يريد يعني الأرقى الأحسن [بل يتمسك بالأدنى].
معنى اهبطوا مصرًا هل هي مصر البلد أم أي مدينة من المدن
﴿ٱهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: 61]
قالوا: مصرًا يعني ماذا؟ قالوا: مصر من الأمصار [أي مدينة من المدن]؛ لأن هم هكذا حتى الآن تائهون في سيناء في صحراء. قال: اذهب إذن [إلى] مدينة من المدن. كانت بجانب العريش منطقة تسمى الفَرْما، ومنها السحرة الذين آمنوا للتوّ.
فنزلوا هنا، انزلوا هنا، خذوا أي مكان ليكون مصرًا. قالوا: مصرًا، فإذا نُوِّنت فلا نعني لها بلاد مصر، وإذا لم تُنوَّن فالمعنى بها بلاد مصر:
﴿ٱدْخُلُوا مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [يوسف: 99]
فتكون مصر [المعرفة بدون تنوين هي] ملكنا هذه [أي بلاد مصر].
ترجيح المفسرين في معنى مصرًا بين البلد المصري وأي مدينة مع قاعدة التنوين
ولكن هنا قال ماذا:
﴿ٱهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: 61]
فبعض المفسرين قال: ليس هناك مانع من أن تكون مصر هذه أيضًا مصر [أي الإقليم المصري]. وبعض المفسرين قال: لا، طالما أن مصر [مُنوَّنة] لا تكون هي الإقليم المصري، لا تكون [إلا] أي بلد، أي مدينة.
لماذا؟ قال: لأن هناك قاعدة تقول: إن الثلاثي — مصر، الثلاثية أم لا؟ ثلاثية ساكنة الوسط، الصاد ساكنة أم مفتوحة؟ مِصْر لا مَصَر، ساكنة — أهي الأعجمية مثل نوح وما إلى ذلك؟ قال: يبقى فيها وجهان: إما أن تُنوَّن وإما ألّا تُنوَّن.
يبقى فيها وجهان، ولذلك يصح أن تكون مصر هذه مقصودًا بها هذه البلاد أيضًا. قال: فكيف سيرجع إلى فرعون وقوم فرعون؟ إذن هذه في ترجيح أن مصرًا هنا هي البلد أو المدينة التي يمكن أن ننزل فيها.
وصف المدن الزراعية التي كان بنو إسرائيل سيجدون فيها ما طلبوه من الطعام
﴿فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61]
في هذه المدن إذ كانت هناك زراعة، كنا نسميها المدن، وكان السكان يقيمون حولها. أرض تُزرع لها الفجل وتُزرع لها الكراث وتُزرع لها العدس وتُزرع لها الحبوب، مزرعة هكذا تُخدم.
وكنا نسميها أرض الكُلى. لماذا؟ أرض الكلاوي؛ لأنها كانت تكون قريبة من النيل، فحبة القمح تكون مثل الكلية كبيرة هكذا وفيها بركة، فسُمّيت أرض الكلاوي.
لذلك:
﴿ٱهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: 61]
ستذهبون تجدون الأشياء هذه التي أنتم تطلبونها، التي هي رقم كم؟ رقم عشرة، رقم عشرة، ليسوا رقم واحد [أي أنهم اختاروا الأدنى وليس الأفضل].
ضرب الذلة والمسكنة على بني إسرائيل بسبب كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ﴾ [البقرة: 61]
أنا أُرقّيك وأنت تنحطّ في نفسك!
﴿وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِـَٔايَـٰتِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 61]
لم يزل [الله] يُريكم آية؛ ها هي في الاثنتي عشرة عينًا، وفي كمية المياه، وفي كيفية صدورها، لكنهم ناسون لا يتأملون لا يتفكرون.
﴿وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ﴾ [البقرة: 61]
هؤلاء لم يقتلوا نبيًّا حتى الآن، قال: إن هذا الصنف سيقتل الأنبياء. هذا الصنف هو الذي يفعل ذلك؛ الذي يرى بعينيه المعجزة وليس راضيًا أن يُصدّق، الذي يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، الذي يَثني عِطفه ليُضلّ عن سبيل الله.
صنف بني إسرائيل الذي يقتل الأنبياء لن يتورع عن قتل الأبرياء إلى يوم الدين
هذا الصنف هو الذي سيقتل الأنبياء، والله لو أن نبيًّا ظهر فيهم وقال لهم: أنا نبي، لقالوا له: إذن سنقتلك. وقد كانت تلك معجزة [أي أن القرآن أخبر بطبيعتهم قبل وقوعها].
وهذا كلام ليس لسيدنا موسى وقومه في عصره فقط، بل يخاطب اليهود إلى يوم الدين. أنتم لم تفعلوا ذلك [بعد]، هذا الصنف من العقلية سيفعل ذلك.
فإذا كان هؤلاء يقتلون الأنبياء، ألن يقتلوا الأطفال والنساء؟ إذا كان هؤلاء يقتلون الأنبياء، أليس كذلك؟ لن يقتلوا أصحاب الأرض؟ إذا كان هؤلاء يقتلون الأنبياء، إذن لن يقتلوا الأبرياء؟!
﴿ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: 61]
إذن إذا كانت العقلية هي الأساس، وهذه العقلية عقلية تعتدي وتقتل الأنبياء.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
