سورة البقرة | حـ 87 | آية 62 : 63 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 87 | آية 62 : 63 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يرسي القرآن في سورة البقرة قاعدة للتعامل مع الآخر تقوم على الإنصاف والعدل، مبيناً أن من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فله أجره عند ربه.
  • القرآن ينبه إلى أن الآخرين ليسوا فريقاً واحداً، بل منهم الصالح والسيء، فلا ينبغي معاملتهم معاملة واحدة.
  • وقع كثير من المسلمين في عصرنا في مشكلة التعامل مع غير المسلمين معاملة واحدة، مما شوه صورة الإسلام وحجب الناس عن فهم القرآن.
  • يحذر الله من منهج لبس الحق بالباطل وكتمان الحق مع العلم به، كقول الخوارج "لا حكم إلا لله" التي قال عنها علي: "كلمة حق أريد بها باطل".
  • يجب الإيمان بالكتاب كله وليس ببعضه، فمن أخذ جزءاً وترك آخر أصبح فتنة للناس.
  • المؤمن الحقيقي يذكر ما في الكتاب كله ويعمل به، فيصبح إنساناً متقياً.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة تفسير آية الإنصاف في سورة البقرة وقاعدة التعامل مع الآخر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى نعيش هذه الدقائق في سورة البقرة، مع قوله تعالى وهو يضع قاعدة عامة للتعامل مع البشر وللتعامل مع الآخر:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَعَمِلَ صَـٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]

قمة الإنصاف! والإنصاف هو أساس العدل، والعدل أساس الملك؛ فالملك الذي لا يقوم على العدل، والعدل الذي لا يقوم على الإنصاف هو تيه وضياع.

هداية القرآن في عدم جعل الآخر فريقًا واحدًا والتمييز بين أصنافه

هذه هداية القرآن وهي قمة الإنصاف: ألا تجعل الآخر فريقًا واحدًا.

من هو الآخر؟ أي غيرك أنت. ماذا بهم؟ جميعهم سيئون؟ هذا لا يصح! غيرك أنت منهم السيء، ومنهم الحسن، ومنهم الذي يجهلك أصلًا ولا يعرف من أنت أصلًا؛ فيحتاج إلى أن تعرّفه بنفسك بحالك وقالك ودعوتك.

ولكن ضع في ذهنك أنه ما دام [المبدأ القائل]: «ليس معنا فهو علينا» فهذا الجاهلية، ليس كلام الإسلام في النهاية.

القرآن يميز بين أهل الكتاب ولا يعممهم في حكم واحد

قوم ربنا وهو يتحدث عن هؤلاء [أهل الكتاب] يقول:

﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَـٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ [البقرة: 109]

ما يقول «ودّ كل»، لا، إنما يقول «ودّ كثير». يعني هؤلاء عارفون من بعد ما تبيّن لهم الحق كذلك، يعني هذا عارف [بالحق] هو، ولكن هل هم جميعهم كذلك؟ لا، بعضهم وليس الكل.

ومنهم من قال، ومنهم أهو [أولئك] الذين آمنوا:

﴿وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلنَّصَـٰرَىٰ وَٱلصَّـٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [البقرة: 62]

الإيمان بالله واليوم الآخر يجيب عن أسئلة الوجود الكبرى

الإيمان بالله ماذا يفعل؟ يجعل الإنسان فاهمًا، يجعله مجيبًا على السؤال الأساسي الذي به العمل:

  • من أين نحن؟ الله خلقنا.
  • ماذا سيكون غدًا بعد الموت؟ سيكون غدًا بعد الموت حساب، ثواب أو عقاب، جنة أو نار.
  • ماذا أفعل في هذه الدنيا؟ اعمل العمل الصالح.
  • أين العمل الصالح؟ الوحي.

فهذا إنسان يقظ يعرف ماذا يفعل؛ فآمن بالله، وآمن باليوم الآخر، وآمن بالعمل الصالح وعمل [به].

جزاء المؤمنين العاملين بالصالحات وأن الآخر ليس فريقًا واحدًا

هذا الصنف، هؤلاء، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون:

﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]

لن يحزن لا في الدنيا ولا في الآخرة، تجده مطمئنًا، ستجده مسرورًا.

فتكون أول هداية لهذه الآية أن الآخر ليس فريقًا واحدًا، وهذه [الحقيقة] ستأتيني في القرآن كله؛ كل حين سيقول لي أنهم ليسوا فريقًا واحدًا، ليسوا سواءً. انظر كيف أنهم متنوعين، يا ليت أحدًا يقول: منهم الصالحون وأكثرهم الفاسقون.

خطأ معاملة غير المسلم معاملة واحدة وتشويه صورة الإسلام

ولذلك يجب على المسلم ألا يعامل الآخر معاملة واحدة، وقد وقع كثير من المسلمين في هذه البلية في عصرنا الحاضر؛ أن عاملوا الآخر معاملة واحدة: ما دام ليس مسلمًا فلا بد أن ننزل عليه الويل والثبور وعظائم الأمور، فشوّهوا صورة الإسلام وحجبوا الناس عن كلام الله.

واحد يقول لي: لكن هذا يجاهد في سبيل الله، يجاهد في ماذا؟ ما هو يجب ألا يكون حجابًا بين الناس وبين ربهم؛ فإذا كان حجابًا بين الناس وبين ربهم فهو مخطئ، فهو على ضلالة وليس على الإسلام الصحيح؛ لأنه أصبح حجابًا بينه وبين القرآن، وحجابًا بينه وبين ربه.

أخذ الميثاق ورفع الطور وأمر بني إسرائيل بأخذ الكتاب بقوة

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ﴾ [البقرة: 63]

آيات حسية، أخذ ميثاقهم ألا يعبدوا إلا الله؛ فـالتوحيد هذه مسألة مهمة. قضية «ورفعنا فوقكم الطور»: نتق فوقهم الجبل، يعني رفع الجبل هكذا أمامهم، كما لو كان مثل فيلم خدعة سينمائية، لكنها معجزة. هذه الخدعة السينمائية في السينما، لكن هذه معجزة أمامهم حقيقة.

﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 63]

فيجب أن تؤمنوا به كله:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]

فهذا هو سبب البلاء: يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. لا!

﴿خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 63]

فكل ما آتيناكم صدّقوا به مرة واحدة. حسنًا، والذي يريد أن يصدّق بنصف ونصف لا، لا يجوز هذا.

أمثلة على خطورة اقتطاع النصوص الشرعية من سياقها وتحريف معناها

حتى ربنا جعل لنا أمثلة: كلمة التوحيد لا يصح أن تقول نصفها «لا إله»، ما ينفع! لا بد أن تقول «إلا الله».

﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [النساء: 43]

لا يصح [أن تقف هنا]! لا بد أن تقولوا:

﴿وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]

لا يجوز [الوقف هنا]! لا بد أن تقول:

﴿ٱلَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5]

لا يصح أن تقطع هكذا، لا يصح!

قصة أبي نواس ومنهج قلب الحقائق والتلاعب بالنصوص الشرعية

عندما نذهب إلى هناك [التاريخ] فـأبو نواس كان يحب الخمر ولا يحب الصلاة، قال: ما قال ربك «ويل للذين سكروا»، ولكن قال:

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]

هذا منهج قلب الحقائق، منهج التلاعب! نعم، صحيح ربنا لم يقل «ويل للذين سكروا»، ولكن فعلًا قال:

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]

مصلين الموصوفين بأنهم عن صلاتهم ساهون، يعني كان ينبغي عليهم أن يصلّوا لبلوغهم شروط الصلاة ولم يصلّوا، فانعكس الحال.

ولم يقل [الله تعالى] «ويل للذين سكروا»، لكنه حرّم الخمر في الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ بحيث أن الخمر هذه يعني نجسة، شأنها شأن النجاسات.

التحذير من منهج لبس الحق بالباطل وكلمة علي رضي الله عنه للخوارج

فإذن [هذا] منهج يحذّرنا الله منه، وهو منهج:

﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]

واللبس بالحق ما هو؟ ما هو إن الخوارج قالوا: «لا إله إلا الله، لا حاكم إلا الله»، فقال [سيدنا] عليّ [رضي الله عنه]: «كلمة حق أُريد بها باطل». كلمة حق أُريد بها باطل!

يبقى إذن علينا أن نتعلم هذا المنهج: أن نقول الحق بالبرهان، وندرك الواقع على ما هو عليه، نأخذ الكتاب كله:

﴿خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَـٰكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: 63]

وجوب الإيمان بالكتاب كله والعمل به لتحقيق التقوى والحضارة

حسنًا، آمنت به كله صحيح، وبعد ذلك دعونا لا نفعله الآن لأنه ثقيل عليّ؟ لا! قالوا:

﴿وَٱذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: 63]

والذكر هنا يعني إنشاء الثقافة العامة؛ مكوّن العقل العام يكون من هذا الكتاب.

﴿وَٱذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 63]

إذا فعلتم ذلك ستصبحون بني آدميين، ستصبحون حضاريين. إن لم تفعل ذلك فلن تكون إنسانًا وستكون مضطربًا، وستكون فتنة أكثر.

لماذا؟ لأنك متديّن ببعض الدين، وإذا كان هذا التديّن لا يؤدي إلى شيء فتصبح فتنة للناس.

دعاء أتباع إبراهيم ألا يكونوا فتنة وخطر الإيمان الجزئي بالكتاب

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ [الممتحنة: 5]

هذا دعاء من؟ دعاء أتباع سيدنا إبراهيم [عليه السلام] في [سورة] الممتحنة، هناك فيقولون:

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ [الممتحنة: 5]

لماذا؟ لأنك أنت تصبح فتنة إذا آمنت أو فعلت أو ذكرت بعض الكتاب وتركت بعضه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.