سورة البقرة | حـ 89 | آية 66 : 73 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع سورة البقرة نستهدي منها هداية ربنا سبحانه وتعالى وهو يبني الإنسان، فإن هذا القرآن قد أرسله الله سبحانه وتعالى وأنزله على قلب نبيه من أجل هداية الإنسان في كل زمان ومكان "وَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَٰلَمِينَ" [الأنبياء: ١٠٧]، "كِتَٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَٰتُهُۥ" [فصلت: ٣]، فهذا كتاب فصلت آياته، يقول: "فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ" [البقرة: ٦٦]، "نكالًا" أي يعني مثالا
يُخاف منه أي عندما أنظر هكذا إلى ما حدث فأقول: لا، أنا لا أريد أن أصبح مثل هذا، فالنكال معناه المثال الذي يُخاف من الوقوع في مثله، فعندما ندرك ما الذي فعله الله سبحانه وتعالى في هؤلاء الناس من غضب نخاف فنقول لا أنا لا أريد أن أنال مثل هذا الغضب. "لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا" [البقرة: ٦٦] أي للعصر الذي يعيشون فيه وهذا يرشح ويؤكد أن المسخ كان حقيقيا وأنه فعلا تحول إلى قرد، وكما قلنا أن هذه القِردة المنقولة أيضيًا هذا لا تبقى سوى ثلاثة أيام وينقطع نسلها، فلا يصح أن يقول أحد مثلا إن هذا القرد الموجود في حديقة الحيوان
من نسل الناس الذين مسخوا، فلا يمكن أن يكون ذلك لأنه قد يضربه بحجر أو شيء من هذا القبيل قائلا إنني أريد أن أضرب هذا النسل، أبدا, فهذا مسكين يريد العطف لكن القضية أن المسخ لا يبقى أكثر من ثلاث وينقطع نسله. "وما خلفها" أي وما بعدها، فالخلف هم من يأتون بعد السلف (اللاحقون والأحفاد) يسمعون "وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ" [البقرة: ٦٦] أي أن كل واحد يسمع هذا الكلام وأن الله قد غضب هذه الغضبة فإنه لا يتمنى أن يدخل تلك الدائرة، "وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ" [البقرة: ٦٧] فهو [سبحانه] يعدد عليهم النعمة أيضا "إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً" [البقرة: ٦٧] وهنا جاءت
قصة البقرة هي التي سميت بها السورة، وقصة البقرة هذه تعلم المسلمين كيف يتعاملون مع الفقه والأحكام الشرعية، فالفقه والأحكام الشرعية هي أحكام من عند الله، فوجب عليك أيها المسلم ألا تبحث وألا تسأل عن أشياء إن تبد لك تسؤك، [كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتركوني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة سؤالهم لأنبيائهم"، وقال تعالى "قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ" [المائدة: ١٠١] و "بها" أي بسببها وهنا في "البقرة" يعلمك كيف تفكر وكيف تتعامل مع أوامر
الله، وأن الدين مبناه اليسر لا العسر، وأن الدين مبناه اليقين لا الشك، وأن الدين مبناه المصلحة لا المضرة والمفسدة والضرر "لا ضرر ولا ضرار"، وأن الدين مبناه النية الصالحة المخلصة؛ "فالأمور بمقاصدها، إنما الأعمال بالنيات، والدين ليس هو أن تزين ظاهرك وتظهر علامات على جسدك، ولكنه ما وقر في القلب وصدقه العمل، إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وهكذا.
قصة البقرة من ناحية وتسمية الله سبحانه وتعالى للسورة بكمالها "البقرة" فيها إشارة إلى أن نلتفت -ونحن نقرأ هذه السورة نلتفت إلى تلك القصة بالذات فهي من أهم مكونات عقل المسلم وإن كان الله قد ضربها على أقوام سابقين وإن كان الله قد تكلم عن أشياء أخرى ولكن المقصود هو الفكر الذي وراء أصحاب هذه البقرة، "وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا۟ بَقَرَةً" [البقرة: ٦٧]، إذن فهو أمر بسيط واضح،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو ذبحوا أي بقرة لكفتهم"، أي بقرة يمسكوها يذبحوها، ولكن لا، التنطع، التفتيش، الورع الكاذب، ما التنطع؟ التنطع هو التشدد (المشرب الشديد) ورؤية الحول والقوة عند الإنسان كأنه يقول أنا قوي، والحقيقة أنك لست كذلك، أنت لا حول ولا قوة إلا بالله والصحيح أن تترك الأمور تسير بيسر بشكل جيد فيقول أحدهم [أحد المتشددون]: لا، أنا استطيع، فقط أن تقول لي [ماذا عليّ فعله]، [فهذا المتشدد] دخل بصدره" [أي: ظن أن له حول وقوة وشدد على نفسه]، والقرآن يقول لك لا تدخل
بصدرك، [كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:] إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق"، [وأيضًا قول السيدة عائشة في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم]: "ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما"، عندما أمركم الله أن تذبحوا بقرة فاذبحوا بقرة ودعوا هذا الاستقواء، فأنتم تفعلون هذا مع من؟ مع رب العالمين! دعوا الاستقواء (التنطع والتشدد). والأمر الثاني هو أن تتخلوا عن التفتيش، فيقول أحدهم مثلًا أن لدي عذرا فأقول له توضأ لكل صلاة وصل فيقول لي: نعم، ولكن هذا العذر أنت لا تنتبه إليه، فأقول له: يا أخي أنا أعرف فهيا توضأ وصل وخذ الكلمة هكذا ببساطة وتوضأ وصل، فيقول: لا، بل إنه يخرج مني ريح وأنت لا تنتبه، فأقول: لا عليك إن كان يخرج منك
ريح فتوضأ وصل، فيقول: الحقيقة أنه لا يخرج مني ريح فحسب، ويظل يبحث ويبحث وهو يعتبر أن هذا هو التقوى، حسنًا، ولكن بعد ذلك تجده فيما يخص أموال الناس التي لديه في الشركة أو القرض أو ما شابه ذلك إلى آخره أو التي تحت يديه، لا يسأل هذه الأسئلة كلها، لماذا؟ ورد كاذب. فالآيات تقول لهم: أنتم قتلتم قتيلا وتأتون لتتورعوا في البقرة التي ستقتل؟! أنتم قتلتم قتيل! هذا نراه في وسائل الإعلام العالمية كل يوم أمامنا؛ فيكون أحدهم قاتل القتيل وبعد ذلك يقول: ولكن القطة
التي كانت موجودة عندما كنت أقتله وأصيبت فهي مسكينة مسكينة، إذن يعني أنت عطوف على الحيوان لهذه الدرجة؟! فيقول: نعم، فأساله: لِمَ قتلت القتيل إذن؟ فلا يذكر شيئًا عن ذلك الأمر ويعود مرة أخرى لحال القطة، فتجد هذه المسألة غريبة خلل إذن فنهانا عن التفتيش ونهانا عن التكلف ونهانا عن الورع الكاذب.