سورة البقرة | حـ 89 | آية 66 : 73 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 89 | آية 66 : 73 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • سورة البقرة تهدي الإنسان وترشده في كل زمان ومكان، فالقرآن أنزله الله رحمة للعالمين.
  • قصة أصحاب السبت صارت نكالاً أي مثالاً يخاف منه الناس، ليجتنبوا مصيرهم بعد المسخ الذي لا يستمر أكثر من ثلاثة أيام.
  • سميت السورة بالبقرة لأهمية قصتها التي تعلم المسلمين كيفية التعامل مع الأحكام الشرعية.
  • الدين مبناه اليسر لا العسر، واليقين لا الشك، والمصلحة لا المضرة، والنية الصالحة المخلصة.
  • الدين ليس بالمظاهر الخارجية بل ما وقر في القلب وصدقه العمل.
  • قصة البقرة تنهى عن التنطع والتشدد المفرط، فلو ذبحوا أي بقرة لكفتهم.
  • تحذر من التفتيش والورع الكاذب في العبادات مع التساهل في حقوق الناس وأموالهم.
  • الدين فيه الرفق، فالنبي ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس واستهداء بسورة البقرة وبيان أن القرآن هداية للإنسان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع سورة البقرة نستهدي منها هداية ربنا سبحانه وتعالى وهو يبني الإنسان، فإن هذا القرآن قد أرسله الله سبحانه وتعالى وأنزله على قلب نبيه من أجل هداية الإنسان في كل زمان ومكان.

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]

﴿كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُ﴾ [فصلت: 3]

فهذا كتاب فصلت آياته.

معنى النكال في قوله تعالى فجعلناها نكالًا وأثره في ردع الناس عن المعصية

﴿فَجَعَلْنَـٰهَا نَكَـٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 66]

نكالًا أي مثالًا يُخاف منه؛ أي عندما أنظر هكذا إلى ما حدث [من عقوبة المسخ] فأقول: لا، أنا لا أريد أن أصبح مثل هذا. فالنكال معناه المثال الذي يُخاف من الوقوع في مثله.

فعندما ندرك ما الذي فعله الله سبحانه وتعالى في هؤلاء الناس [الذين اعتدوا في السبت] من غضب، نخاف فنقول: لا، أنا لا أريد أن أنال مثل هذا الغضب.

معنى لما بين يديها وما خلفها وتأكيد أن المسخ كان حقيقيًا وانقطاع نسله

﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ [البقرة: 66] أي للعصر الذي يعيشون فيه، وهذا يرشح ويؤكد أن المسخ كان حقيقيًا وأنه فعلًا تحول [من أصحاب السبت] إلى قرد. وكما قلنا أن هذه القردة المنقولة [أي: المُمسوخة] أيضًا لا تبقى سوى ثلاثة أيام وينقطع نسلها.

فلا يصح أن يقول أحد مثلًا إن هذا القرد الموجود في حديقة الحيوان من نسل الناس الذين مُسخوا، فلا يمكن أن يكون ذلك؛ لأنه قد يضربه بحجر أو شيء من هذا القبيل قائلًا إنني أريد أن أضرب هذا النسل. أبدًا، فهذا [القرد في الحديقة] مسكين يريد العطف، لكن القضية أن المسخ لا يبقى أكثر من ثلاث وينقطع نسله.

معنى وما خلفها والموعظة للمتقين وبداية قصة البقرة وتسمية السورة بها

﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي وما بعدها، فالخلف هم من يأتون بعد السلف (اللاحقون والأحفاد) يسمعون.

﴿وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 66]

أي أن كل واحد يسمع هذا الكلام وأن الله قد غضب هذه الغضبة فإنه لا يتمنى أن يدخل تلك الدائرة [دائرة غضب الله].

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67]

فهو [سبحانه] يعدد عليهم النعمة أيضًا، وهنا جاءت قصة البقرة هي التي سُميت بها السورة.

قصة البقرة تعلم المسلمين كيفية التعامل مع الأحكام الشرعية بيسر ويقين

وقصة البقرة هذه تعلم المسلمين كيف يتعاملون مع الفقه والأحكام الشرعية، فالفقه والأحكام الشرعية هي أحكام من عند الله، فوجب عليك أيها المسلم ألا تبحث وألا تسأل عن أشياء إن تُبدَ لك تسؤك.

قال رسول الله ﷺ: «اتركوني ما تركتكم؛ فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة سؤالهم لأنبيائهم»

وقال تعالى: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 101]

و﴿بِهَا﴾ أي بسببها.

الدين مبناه اليسر واليقين والمصلحة والنية الصالحة لا الظاهر والتشدد

وهنا في [قصة] البقرة يعلمك كيف تفكر وكيف تتعامل مع أوامر الله، وأن الدين مبناه اليسر لا العسر، وأن الدين مبناه اليقين لا الشك، وأن الدين مبناه المصلحة لا المضرة والمفسدة والضرر؛ لا ضرر ولا ضرار.

وأن الدين مبناه النية الصالحة المخلصة؛ فالأمور بمقاصدها، إنما الأعمال بالنيات. والدين ليس هو أن تزين ظاهرك وتُظهر علامات على جسدك، ولكنه ما وقر في القلب وصدّقه العمل.

قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم»

تسمية السورة بالبقرة إشارة إلى أهمية القصة في بناء عقل المسلم وفكره

وهكذا قصة البقرة من ناحية، وتسمية الله سبحانه وتعالى للسورة بكمالها "البقرة" فيها إشارة إلى أن نلتفت -ونحن نقرأ هذه السورة- نلتفت إلى تلك القصة بالذات؛ فهي من أهم مكونات عقل المسلم.

وإن كان الله قد ضربها على أقوام سابقين، وإن كان الله قد تكلم عن أشياء أخرى، ولكن المقصود هو الفكر الذي وراء أصحاب هذه البقرة.

﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: 67]

لو ذبحوا أي بقرة لكفتهم ولكنهم تنطعوا وتشددوا في أمر بسيط

إذن فهو أمر بسيط واضح.

قال رسول الله ﷺ: «لو ذبحوا أي بقرة لكفتهم»

أي بقرة يمسكوها يذبحوها، ولكن لا! التنطع، التفتيش، الورع الكاذب.

ما التنطع؟ التنطع هو التشدد (المشرب الشديد) ورؤية الحول والقوة عند الإنسان، كأنه يقول: أنا قوي. والحقيقة أنك لست كذلك، أنت لا حول ولا قوة إلا بالله. والصحيح أن تترك الأمور تسير بيسر بشكل جيد.

فيقول أحدهم [أحد المتشددين]: لا، أنا أستطيع، فقط أن تقول لي [ماذا عليّ فعله]. [فهذا المتشدد] دخل بصدره [أي: ظن أن له حولًا وقوة وشدّد على نفسه].

القرآن والسنة يأمران بالرفق واختيار الأيسر وترك الاستقواء والتنطع

والقرآن يقول لك: لا تدخل بصدرك [أي لا تتشدد على نفسك].

قال رسول الله ﷺ: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق»

وقالت السيدة عائشة رضي الله عنها في حق رسول الله ﷺ: «ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما»

عندما أمركم الله أن تذبحوا بقرة فاذبحوا بقرة ودعوا هذا الاستقواء. فأنتم تفعلون هذا مع من؟ مع رب العالمين! دعوا الاستقواء (التنطع والتشدد).

النهي عن التفتيش والتكلف في العبادات مع مثال الوسوسة في الوضوء

والأمر الثاني هو أن تتخلوا عن التفتيش. فيقول أحدهم مثلًا: إن لديّ عذرًا [في الوضوء]، فأقول له: توضأ لكل صلاة وصلِّ. فيقول لي: نعم، ولكن هذا العذر أنت لا تنتبه إليه. فأقول له: يا أخي أنا أعرف، فهيا توضأ وصلِّ وخذ الكلمة هكذا ببساطة، توضأ وصلِّ.

فيقول: لا، بل إنه يخرج مني ريح وأنت لا تنتبه. فأقول: لا عليك، إن كان يخرج منك ريح فتوضأ وصلِّ. فيقول: الحقيقة أنه لا يخرج مني ريح فحسب. ويظل يبحث ويبحث وهو يعتبر أن هذا هو التقوى.

الورع الكاذب يتشدد في الصغائر ويتساهل في حقوق الناس وأموالهم

حسنًا، ولكن بعد ذلك تجده فيما يخص أموال الناس التي لديه في الشركة أو القرض أو ما شابه ذلك إلى آخره، أو التي تحت يديه، لا يسأل هذه الأسئلة كلها.

لماذا؟ ورع كاذب! فالآيات تقول لهم: أنتم قتلتم قتيلًا وتأتون لتتورعوا في البقرة التي ستُقتل؟! أنتم قتلتم قتيلًا!

مثال واقعي على الورع الكاذب من يقتل إنسانًا ويتعاطف مع حيوان

هذا نراه في وسائل الإعلام العالمية كل يوم أمامنا؛ فيكون أحدهم قاتل القتيل، وبعد ذلك يقول: ولكن القطة التي كانت موجودة عندما كنت أقتله وأُصيبت فهي مسكينة مسكينة!

إذن يعني أنت عطوف على الحيوان لهذه الدرجة؟! فيقول: نعم. فأسأله: لِمَ قتلت القتيل إذن؟ فلا يذكر شيئًا عن ذلك الأمر ويعود مرة أخرى لحال القطة.

فتجد هذه المسألة غريبة، [إنه] خلل! إذن فنهانا [الله في هذه القصة] عن التفتيش، ونهانا عن التكلف، ونهانا عن الورع الكاذب.