سورة البقرة | حـ 92 | آية 75 : 77 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 92 | آية 75 : 77 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يخاطب الله المؤمنين ليتبرؤوا من حولهم وقوتهم ويعلقوا قلوبهم به وحده، وليقوموا بواجب الدعوة والتبليغ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • يشير القرآن إلى تحريف بني إسرائيل لكلام الله بقوله: "ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون"، وفيها ثلاثة تأكيدات: "ثم" التي تفيد التراخي الزمني، و"من بعد ما عقلوه"، و"وهم يعلمون".
  • من يحرف كلام الله عن عمد وقصد هو نفسه من يفسد في الكون، فالعقلية التي تستهين بكلام الله هي نفسها التي تستهين بالكون.
  • يظهر النفاق في قوله تعالى: "وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض..."، فالكذب والنفاق فساد في الكون.
  • الله يعلم ما يسرون وما يعلنون، وكل ما أخفوه في قلوبهم مكشوف عنده.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضوع سورة البقرة في مخاطبة المؤمنين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله في سورة البقرة، حيث يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يخاطب المؤمنين ويعلمهم أن يتبرؤوا من حولهم ومن قوتهم، وأن يجعلوا قلوبهم معلقة بالله رب العالمين؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.

وأن يقوموا بواجبهم من الدعوة ومن التبليغ عن الله سبحانه وتعالى، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن السعي في الأرض، ومن حمل هذا الدين لمن بعدنا من أبنائنا وأمة الدعوة جميعًا، وهم كل العالم، كل العالمين، حتى من الجن والإنس.

تفسير آية أفتطمعون وبيان حال بني إسرائيل مع كلام الله

يقول ربنا [سبحانه وتعالى]:

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 75]

أي من الأنبياء؛ لأن أنبياء بني إسرائيل كانوا كثيرين جدًّا، يكاد لا يخلو عصر ولا يخلو زمان من نبي يُسلِمون لبعض [أي يتوارثون النبوة]. ورأوا الآيات والمعجزات، وسمعوا كلام الله سبحانه وتعالى بأساليب شتى.

﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 75]

كلام الله عندما يُسمع مع كل هذه الآيات يتشوف الإنسان للحفاظ عليه، ويخاف من تحريفه ومن نقصانه. لكن هؤلاء سمعوا ووعوا.

دلالة حرف ثم على التراخي الزمني في تحريف كلام الله

لو كانوا سمعوه واضطربوا لجاء الله بالفاء أو الواو [فقال: كلام الله ويحرفونه]، لم يقل أبدًا «ويحرفونه»، ولم يقل «فيحرفونه»، قال:

﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: 75]

و«ثم» ما معناها؟ معناه أنهم سمعوه وعرفوه ووعوه وضبطوه وفهموا، وأخذوا مدة بعدها.

ما هي «ثم» هذه؟ يقول لك: هي للترتيب مع التراخي في الزمن، يعني في مدة مضت، وبعد ذلك خطر في بالهم أن يغيروه، أن يلعبوا فيه.

﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ [البقرة: 75]

فربنا كريم ويريد أن يعلمنا مراده من كلامه في كل كتابه، وهو يعلمنا القرآن، يعلمنا كيف نفهم القرآن حتى نفهم عنه سبحانه وتعالى.

تأكيد القرآن على التعمد في التحريف بثلاث إشارات متتالية

بعد ذلك ولذلك لم يكتفِ بـ«ثم»؛ لئلا تفلت من واحد منا لا يأخذ باله منها، أو تفلت من واحد لا يعرف أن «ثم» هذه للترتيب مع التراخي. فلم يكتفِ بـ«ثم» ولكن سيكتفي بعد ذلك، وانتبه: «ثم» تبقى في زمن، وافهم، فتخيل هكذا وافهم.

﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: 75]

يعني إذا فُسِّرت بكلمة «من بعد ما عقلوه» كلمة «ثم»، طيب ولماذا يكرر لي «ما عقلوه»؟ تأكيدًا وتنبيهًا وإلفاتًا للنظر. تعال انتبه: «ثم» هذه تجعلك تحسب حسابك وأنت تقرأ كلامي، أن فيها زمنًا.

﴿ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 75]

تأكيد من فوق تأكيد من فوق تأكيد. فكم تأكيدًا في هذه الآية؟ ثلاثة: «ثم» تعطيني زمنًا، «من بعد» تعطيني زمنًا، «عقلوه وهم يعلمون» تعطيني زمنًا.

التحريف عن عمد وقصد والعلاقة بين كلام الله وخلقه للكون

إذن هناك ثلاث إشارات أو تصريحات هي في الحقيقة [دالة] لأن هذا [التحريف كان] عن عمد وقصد، لا عن خطأ وقصور وتقصير أبدًا، عن عمد وقصد.

كلام الله سبحانه وتعالى الذي صدر منه هو المكافئ لهذا الكون الذي صدر منه، ولكن كلام الله قد صدر منه أمرًا، والكون قد صدر منه خلقًا.

﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]

الذي يلعب في كلام الله ويحرفه من بعد ما عقله وعلمه، يبقى هو نفس العقلية والنفسية والشخصية التي تلعب في الكون من بعد أيضًا ما عرفته وعلمته وعقلته.

العقلية التي تحرف كلام الله هي ذاتها التي تفسد الكون

عقل واحد، والتي تلعب في الكون هذا اللعب المؤدي إلى فساده. ما هو التحريف؟ [التحريف] يؤدي إلى فساد كلام الله، فيكون اللعب في الكون يؤدي إلى فساد هذا الكون الذي خلقه الله، وهي عقلية واحدة.

التي تحافظ على كلام الله كما هو وتتحرى كل حرف فيه، بل كل شكلة، بل كل طريقة نطق، هي العقلية التي تحافظ على كون الله وترأف له، ولا يمكن أبدًا أن تمسه بسوء ولا تمسه بفساد.

العقلية التي تستهين بكلام الله كيفما اتفق هي العقلية التي تستهين بالكون كيفما اتفق. والعقلية التي تدبر تحريف كلام الله هي العقلية التي تدبر الإفساد في الكون. والعقلية التي تحافظ على كلام الله هي العقلية التي تحافظ على الكون، وهكذا.

العلاقة بين تعليم القرآن وخلق الإنسان في القرآن الكريم

قل كل من عند الله، هذه [القاعدة] تصدق هنا؛ لأن:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ﴾ [الرحمن: 1-3]

هذا الكفؤ: علّم القرآن وفي المقابل خلق الإنسان، علّمه البيان.

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]

ثم في مقابلها:

﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]

علّم بالقلم يعني الوحي. إذن هذه العقلية التي معنا تُفسد الأديان وتُفسد الأكوان؛ تُفسد الأديان بتحريفها، وتُفسد الأكوان بسعيها الباطل في إفسادها.

نفاق بني إسرائيل وعلاقة تحريف كلام الله بالكذب في الكون

قال تعالى:

﴿وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا﴾ [البقرة: 76]

فإذن ما زلنا [نتحدث عن] التحريف، أو العقلية التي تحرف كلام الله إنها تكذب في الكون.

هل أنت فعلًا آمنت بما أؤمن به أنا؟ قال: لا. حسنًا، ما أنت إذن؟ أصبحت كاذبًا، والكذب فساد في الكون.

قال: والله، أأتيت على هذا؟ إذا كنت أنا أحرّف كلام الله، فلن أحرّف قلبي؟ لن أحرّف كوني؟ أنا كائن ها هنا، والذي حدث أنني لم أقتنع بعد بكلامك، وسأقول كلامًا أقول إنني اقتنعت بكلامك. كذب، شهادة زور، نفاق، كل هذا لعب في الكون.

تحريم الكذب والغيبة والنميمة لأنها إفساد في واقع الكون

والله حرّم الكذب. لماذا؟ قال: لأنه غير واقع. يعني ماذا غير واقع؟ قال: لم يخلقه الله. هذا الكون خلقه الله، وأنت تقول عن شيء لم يخلقه الله؛ فالكذب حرام.

ومن تحته الغيبة والنميمة. قال: حسنًا، وما شأن الغيبة والنميمة؟ قال: ما الغيبة والنميمة إلا كذب أو فيها احتمال كذب. قال له: لماذا؟ أنا أذكر شخصًا بالباطل. قال له: ربما هذا الشخص تاب، ربما وأنت تقول إنه [لم يتب].

فالغيبة والنميمة تندرج تحت الكذب. وأنت تقول فلان هذا شر [وقد] كان هو خيرًا. شهادة الزور لعب في الواقع، في الكون؛ ولذلك هي حرام، وهكذا.

تحذير بني إسرائيل من إفشاء أسرارهم وعلم الله بما يسرون ويعلنون

﴿وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوٓا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 76]

يعني أنتم لا تنتبهون أنكم تذهبون فتقولون لهم أشياء، وهذه الأشياء سيحاجوكم بها عند ربكم، أفلا تعقلون؟

فيقول سبحانه وتعالى:

﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: 77]

وكل ما أخفوه في قلوبهم، وكل ما أسروه بينهم وبين بعضهم البعض، هو مكشوف عند الله. هم لا يعرفون هذه المعلومة؟ هم يعرفونها، لكنهم إذا كانوا قد حرّفوا كلام الله، أولا يحرّفون أكوان الله؟

ومنهم أميون، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.