سورة البقرة | حـ 93 | آية 78 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 93 | آية 78 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • تحدث الله في سورة البقرة عن صفات بني إسرائيل كهداية للناس جميعاً، وليست خاصة بهم فقط.
  • الأمية صفة مذمومة ذمها الله تعالى، ومشكلة كبيرة تهدد المجتمعات الإسلامية التي تصل فيها إلى نسب عالية.
  • محو الأمية يجب أن يكون مشروعاً دينياً وقومياً ووطنياً لأهميته البالغة في حياة الأمة.
  • القرآن كتاب هداية في الأساس وليس للتمائم أو التبرك فقط، هدفه إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
  • يحذر النص من الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، فيتمنون أن يكون معناه وفق شهواتهم ورغباتهم.
  • العقلية العلمية مبنية على حقائق ووقائع، بينما العقلية الخرافية مبنية على أماني ورغبات وانطباعات.
  • حذر النبي من اتباع سنن الأمم السابقة "حذو القذة بالقذة"، ودعا المسلمين للاستقلال في التفكير المبني على العلم.
  • ينبغي التسليم للقرآن وطلب الهداية منه واتباع أوامر الله، لا تفسيره وفق الأهواء والرغبات.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أن قصة بني إسرائيل هداية للبشرية جمعاء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، ومع سورة البقرة في قصة بني إسرائيل. يقول سبحانه وتعالى: وهذا الذي ذكره ربنا عن بني إسرائيل ليس خاصًّا بهم، بل هو هداية إلى يوم الدين؛ ولذلك ذكره الله في كتاب الهداية الباقي للعالمين إلى يوم الدين.

ومنهم، هم منهم كان كذلك، لكن أيضًا يجوز أنه من المسلمين كذلك، ومن النصارى كذلك، ومن أهل جميع الأديان كذلك. فهو يتحدث عن هداية البشر: كيف نهتدي؟ ما الصفات الحميدة والصفات المذمومة؟ ومنهم، إنصافًا، يعني منهم وليس كلهم، لكن يوجد منهم هكذا أميون.

ذم الأمية في القرآن وخطورتها على الفرد والمجتمع

يبقى إذن هو [الله سبحانه وتعالى] نعى على الأمية. وعندما نأتي نذهب لمجتمعاتنا نجدها فيها أمية، فتبقى هذه صفة مذمومة ذمّها الله سبحانه وتعالى وجعلها نقصًا، فأمرنا أن نفرّ منها.

الأمية مشكلة كبيرة؛ أن يكون الإنسان أميًّا، لأنه بذلك لا نستطيع أن نتواصل معه، ولا أن نبلّغه العلم، ولا أن يعمر الأرض، ولا أن يعبد الله، ولا أن يزكّي النفس. فالأمية في منتهى الخطورة، والناس يتعاملون معها لألفتهم بها وكأنها شيء عادي.

إحصاءات الأمية المفزعة وتقصير أمة اقرأ في محاربتها

يقول لك: الأمية ثلاثون في المائة، وبعض الإحصاءات غير الرسمية تقول لك: لا، بل هي ستة وخمسون في المائة! يعني من كل مائة ستة وخمسون شخصًا لا يعرف القراءة والكتابة. وهذه مصيبة كبيرة أن نبقى في القرن الخامس عشر في أمة اقرأ!

أمة ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

أمة تنعى على الأمم السابقة أن منهم أميون، فيحذّرنا نحن ألّا نكون كذلك، ويأمرنا أن نخرج من دائرة الجهالة إلى دائرة العلم. ويسمّي العصر الذي قبل الإسلام الجاهلية نسبةً إلى الجهل الذي هو ضد العلم. ما عاد هناك شيء أكثر من ذلك!

محو الأمية مشروع ديني وطني يجب الاهتمام به عاجلًا

فما هو مدى تقصيرنا فيما نحن فيه الآن؟ الأمية ومحو الأمية يجب أن يكون مشروعًا دينيًّا قوميًّا وطنيًّا؛ لأنه بدونه نحن نقارب الهلاك.

هذه الأمية يجب الاهتمام بها من كل شخص بحاله، ويجب أن نزيلها في أقرب وقت وفي أقرب فرصة.

معنى الأمية في القرآن وعلاقتها بعدم العلم بالكتاب إلا أماني

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 78]

لا يزال الكلام [عن بني إسرائيل]، لكن انظر: أميون لا يعلمون. نعم، هو الأمي لا يعلم.

﴿لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ﴾ [البقرة: 78]

هم سمعوا عن الكتاب سمعًا هكذا فقط. النبي عليه الصلاة والسلام يحذّرنا من هذه الحالة ويقول:

«سيأتي على الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ومن القرآن إلا رسمه»

فتجد النفر منهم حافظًا للقرآن كله، أو يقرأ القرآن كله، أو عارفًا للقرآن كله، وهو لا يعرف منه شيئًا؛ حيث أنه لم يهتدِ بهدايته.

قصة المجاهد والعالم والقارئ الذين يُساقون إلى النار يوم القيامة

ويأتي يوم القيامة المجاهد في سبيل الله، والعالم، والقارئ، فيُؤخذون إلى النار! شيء غريب هذا! أنا أذكر أناسًا طيبين: المجاهد في سبيل الله هذا لا يوجد أبدع من ذلك؛ فإن دم الشهيد عند الله أحبّ إليه من ريح المسك، والشهيد ليس بينه وبين الجنة إلا أن يموت.

أُدخلوا النار! لماذا؟ قال [الله تعالى]: لم تقاتل في سبيلي، بل قاتلت ليُقال عنك إنك شجاع، وقد قيل فعلًا، وقالوا: البطل فلان والبطل فلان. حسنًا.

والعالم؟ قال: لم يكن ذلك لوجهي، وإنما ليُقال عنك إنك عالم، وقد قيل. والقارئ يُقال له مثل ذلك.

القرآن كتاب هداية وتعليم في الأساس وليس للتمائم والتبرك فحسب

يبقى إذن القرآن كتاب هداية، وليس كتابًا للتمائم ولا للتبرّك ولا للاستشفاء، وإن كان صالحًا لكل ذلك؛ فهو مقدّس وعالي القدر ويصلح لكل ذلك، إلا أنه كتاب في الأساس للتعليم والهداية وإخراج الناس من الظلمات إلى النور.

الفرق بين العقلية العلمية المبنية على حقائق والعقلية الخرافية المبنية على أماني

﴿لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ﴾ [البقرة: 78]

التي نحن نطلق عليها العقلية العلمية والعقلية الخرافية.

ما الفرق بين العقلية العلمية والعقلية الخرافية؟ العقلية العلمية مبنية على حقائق ووقائع، العقلية الخرافية مبنية على أمانيّ ورغبات وانطباعات: ليت يكون حدث كذا، أنا أتمنى كذا، أنا أريد كذا. هذه عقلية خرافية.

فكل ما يتمناه هذا لا حقيقة له في الواقع، ولكن عندما تكون للحاجة حقيقة في الواقع تصبح حقيقة علمية، فتصبح عقلية علمية. ولذلك الذي كفر بالله هذا عقلية خرافية؛ لأنه ليس واقعًا، والواقع أن الله سبحانه وتعالى له في كل شيء آية تدل على أنه الواحد، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد.

خطورة تفسير الكتاب بالهوى والأماني بدلًا من طلب الهداية منه

فإذن:

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ﴾ [البقرة: 78]

يتمنى لو أن معنى هذا الكتاب هكذا، يتمنى لو أنه لم يبقَ في هذا الكتاب إلا الآية هذه التي تخدم شهوته، تخدم رغبته، تخدم مصلحته، تخدم توجّهه، تخدم مشربه.

ولا يذهب هكذا فيسلّم نفسه للكتاب ويقرأ الكتاب ويطلب منه الهداية، وحسب ما يأمره الله سبحانه وتعالى يفعل، حتى لو كان في ذلك أنه يكتم غيظ قلبه، أو أنه يصبر على ما ابتلاه الله به، أو أنه يتوكل على الله حق توكّله، أو أنه يُحرَم مما رغب.

لا! هذا هو يريد أن يفسّر الكتاب وأن يؤوّل الكتاب وأن يعلم الكتاب بهواه، بمشربه، برؤيته، بانطباعه، بأمنيته. يتمنى لو أن الكتاب كان كذلك.

التحذير من الظن بلا علم والفرق بين العلم القائم على أصول والتلطيش

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: 78]

بالكاد هو ظنّ هكذا. يقول [الله تعالى لأحدهم]: أأنت متأكد من هذا الكلام أنه هذا معنى كلام الله؟ بحثتَ ووصلتَ إلى الأصول؟

وهذا هو الفرق ما بين العلم القائم على أصول، على مناهج، على بحث عن الحقائق، والفرق بين التلطيش. فهذا الشخص [صاحب الأماني] يأخذ من كل شيء شيئًا هكذا، ويظنّ ظنًّا وهو ليس بمستيقن من أي شيء.

خطورة الهواة الذين يتصدرون لتعليم الكتاب بلا علم أصيل

وهذا هو الذي نراه الآن: نرى معاهد علمية تدرّس علوم الشريعة مثلًا، ونرى هواة.

فمن هم وما الذي يريدون؟ الهواة معهم قشور من هنا ومن هناك، يريد بها أن يعلم الكتاب أمانيّ، أمانيه وأحلامه، ويصدّر نفسه قبل أن يتعلم.

والله يحذّرنا من هذا وينعي على هذا، ويقول: إن هؤلاء الأقوام [من بني إسرائيل] كان منهم هذا الصنف، فلا يكن منكم.

تحذير النبي من اتباع سنن الأمم السابقة حذو القذة بالقذة

ما هو؟ النبي ﷺ قال:

«لتتّبعنّ سنن الذين خلوا من قبلكم حذو القذّة بالقذّة، حتى لو دخلوا جحر ضبّ لدخلتموه وراءهم»

القذّة التي هي طرف القوس، والقذّة الأخرى طرف القوس الآخر. كي يكون القوس سليمًا يجب أن يكون هذان الطرفان على مستوى واحد؛ فالوتر الذي سنضعه في هذه القذّة وهذه القذّة، وبعد ذلك نضع السهم ونرمي، فيذهب السهم إلى أبعد ما يكون؛ لأن الوتر مشدود تمامًا في التساوي ما بين القذّة بالقذّة.

فالرجل صاحب الأقواس وهو جالس طوال النهار جالس يضبط في هذين الطرفين، طرفي القوس، يقصد أنهما يصبحا متساويين.

تعليم النبي المسلمين الاستقلال في التفكير وعدم تقليد الأمم السابقة

أنتم ستفعلون هكذا على فكرة! ستسيرون وراء الأمم السابقة حذو القذّة بالقذّة، لدرجة أنهم لو دخلوا جحر ضبّ من غير تفكير تدخلون أيضًا وراءهم، حذو القذّة بالقذّة.

هذه بالذات هي هذه [الحالة التي نعيشها]. قالوا: اليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال: ومن الأمم غيرهم.

فعلّم [النبي ﷺ] المسلمين الاستقلال في التفكير، وبأن هذا التفكير ينبغي أن يكون على غير ذلك المراد، بل يكون قائمًا على العلم، سواء كان اليهود علماء أم سواء كان النصارى علماء أم كان الملاحدة علماء. المهم أن يكون هناك علم.

خلاصة التحذير من صنف الأميين الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني

لكننا نُبِّهنا إلى هذا الصنف من هؤلاء [بني إسرائيل]، ومنهم، فهناك نوع منهم، ولكن لا تقلّدوهم.

﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَـٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: 78]

إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.