سورة البقرة | حـ 94 | آية 79 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يحذر الله تعالى في سورة البقرة من تحريف الكلام عن مواضعه وينعى على من يفعل ذلك.
- •الويل وعيد شديد وإنذار بالشر لمن يكتب الكتاب بيده ثم ينسبه إلى الله كذباً.
- •التحريف المقصود ليس الخطأ العفوي أو النسيان البشري، بل هو تعمد الكذب على الله مع سبق الإصرار والترصد.
- •المقصود بـ"من عند الله" أي في حكم الله، وقد يكون بتحريف النص المنزل أو تفسيره بغير برهان.
- •الهدف من هذا التحريف المتعمد هو تحصيل مصلحة دنيوية سماها الله "ثمناً قليلاً".
- •الثمن القليل مهما عظم لا يساوي شيئاً مقابل الويل والعذاب الأبدي، فحتى ملء الأرض ذهباً طوال عمر الإنسان لا يعادل نصف دقيقة في النار.
- •كرر الله الوعيد ثلاث مرات تأكيداً لشدة العقوبة، وسيحاسب المحرِّف على ما كتبت يداه وعلى ما كسبه من ثمن قليل.
مقدمة الدرس واستهداء كتاب الله والتعلم من سورة البقرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نستهديه، ونطلب منه مراد الله، نتعلمه لحياتنا. ومع سورة البقرة، يقول سبحانه وتعالى وهو يأمر المسلمين بالعلم، بالتقوى، بالوضوح، بالحق، بالبرهان، بإدراك الواقع على ما هو عليه، بعدم تحريف الكلام عن مواضعه، وينعى على السابقين أن فعلوا عكس ذلك [أي حرّفوا وبدّلوا].
معنى الويل والفرق بين الوعد والوعيد في القرآن الكريم
يقول تعالى:
﴿فَوَيْلٌ﴾ [البقرة: 79]
و الويل قالوا: هو وادٍ في جهنم، إذا هذا فيه وعيد. فالوعد إنذار بخير، والوعد إنذار بخير ولا يكون إلا بخير. و الوعيد إنذار بشرّ ولا يكون إلا بشرّ، فهذا فيه وعيد، والوعيد إنذار بشرّ.
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79]
توجيه الخطاب لبني إسرائيل ولجميع المسلمين للتعلم والاعتبار
يعلمنا الله سبحانه وتعالى الإنصاف والعدل؛ يوجه الله الكلام وإن كان إلى بني إسرائيل لنا [نحن المسلمين أيضًا] حتى نتعلم.
فيقول:
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: 79]
هو قال: أيّ كتاب؟ ولم يقل إنما الكتاب مطلق، الكتاب يمكن أن يكون هم [بنو إسرائيل]، ويمكن أن يكون نحن [المسلمين]، ويمكن أن يكون هذا أو ذاك. ولكن القضية أن الله يحذر البشر من أن يفتروا على الله الكذب.
معنى كتابة الكتاب بالأيدي وتحريف ما أنزله الله سبحانه
﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَـٰبَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: 79]
كتابتكم للكتاب بأيديكم خلاف الواقع، هذا ليس هو الحق، هذا ليس هو الذي أنزله الله سبحانه [وتعالى].
دلالة كلمة ثم على التعمد والتدبير في تحريف الكتاب
ما كتبوه ثم نقول: ماذا يجب أن يكون فيها؟ زمن، و «ثم» هذه ما معناها؟ ماذا؟ الزمن، هذا حدث فيه ماذا؟ حدث فيه أنهم استوعبوا الكلام الذي سيقولونه، ودبّروا وقصدوا. ما يوجد خطأ، ما يوجد نسيان، ما يوجد تقصير، لم تفلت منهم هكذا.
«ثم» هذه تعني هكذا، تعني هكذا أن في تفكير، ما هو في زمن [طويل]، آدم في زمن، يبقى في تفكير وتدبير.
التفريق بين التحريف المتعمد والخطأ البشري غير المقصود
ثم يقولون [هذا من عند الله]، تبقى هذه المقولة: هل جاءت صدفة؟ جاءت فجأة؟ جاءت تحت ضغط؟ جاءت؟ أبدًا! هذا عامد متعمد مع سبق الإصرار والترصد والتفكر والتدبر، وبعد ذلك يقول: أنا والله سأفعل كذا. ومن هنا سيؤاخَذ.
أما الذي أخطأ، فحدّ قارئ خطأ في الصلاة وحفظ آية خطأ، لا، ليس هذا ما له الويل. هذا قصور في تقصير، في نسيان بشري، في أمر نقع فيه جميعًا هكذا.
حكم الخطأ في طباعة المصحف والفرق بينه وبين التحريف المتعمد
ولكن إذن من الذي يفعل ذلك؟ شخص جاء ليكتب آية فأخطأ في المطبعة، نحن حفاظًا على كتاب الله وقدسيته في نفوسنا نقول: لا، هذا لا يصح أن يفعل هذا، ولكن لا نقول له الويل.
بل نقول له: أنت أخطأت، ونشدد عليه في الكلام بأن الطباعة كيف وهكذا إلى آخره، غيرةً على كتاب الله. ولكن لا نقول له: فويل له؛ لأنه لا يقصد [التحريف].
المصحف وهو يخرج خطأ أو اثنين هكذا شكلها، هكذا شكلها، هكذا فتثور [الأمة] ويصلحونه ويسحبون المصحف من المطابع. لكن لا يقولون إن هذا الخطأ سيؤدي بالطابع إلى جهنم وبئس المصير. لماذا؟ لأنه لا يوجد إثم، هذا خطأ حدث، لا يوجد إثم. لكن هنا [في الآية] يوجد إثم.
معاني كلمة عند في اللغة العربية ودلالتها في الآية الكريمة
ثم يقولون:
﴿هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 79]
هذا من عند الله. «عند» هذه ظرف زمان، ويمكن تكون ظرف مكان. أقول: آتيك عند المسجد فتكون ظرف مكان، آتيك عند طلوع الشمس فتكون ظرف زمان.
ويمكن أن تكون بمعنى في ملكي؛ أقول: عندي مصحف، يعني في ملكي مصحف. عندي قلم، يعني في ملكي قلم.
ويمكن أن تكون «عند» هذه بمعنى الحكم؛ نقول: هذا الرأي، الحكم هكذا عند الشافعي أو عند مالك، أي في حكم الشافعي وفي حكم مالك.
تحديد المعنى المراد من عند الله في سياق الآية الكريمة
ثم يقولون:
﴿هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: 79]
هذه تصلح للمكان؟ ربنا كان ولم يكن المكان [فلا تصلح]. تصلح للزمان؟ أبدًا. تصلح للملك؟ أبدًا. قال: أي في حكم الله.
أي ثم يقولون هذا من عند الله، أي في حكم الله، نسبوه إلى الله.
طيب، يبقى عندي هذا هم [السؤال]: هل ادّعوا أن هذا من الكتاب المنزل، أم ادّعوا أن تفسير الكتاب المنزل هكذا؟ قد ينفع هذا وينفع هذا؛ لأنه إذا كان في حكم الله قد يكون يكشف عن حكم الله برأيه من غير برهان، وإنما بتدبير وتفكير ليُضلّ الناس عما أنزله الله سبحانه وتعالى. وقد يكون يؤلف شيئًا ويحرّف به المنزل من عند الله سبحانه وتعالى، و الاثنان حدث؛ أن يحرفون الكلم عن مواضعه.
غرض التحريف هو تحقيق مصلحة دنيوية من جاه أو مال أو سلطان
ثم يقولون:
﴿هَـٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 79]
من التدبير أنهما يريدان أن يتوصلا بهذا التحريف إلى مصلحة. وهذه المصلحة قد تكون جاهًا، وقد تكون سلطانًا، قد يكون في أزمانهم وفي غير أزمانهم أموالًا، قد يكون أيّ نوع من أنواع المصلحة.
والله عبّر عن هذه المصلحة بالثمن.
حقارة الثمن الدنيوي مقابل الوعيد الأخروي بالويل والخلود فيه
طيب، هذا الثمن في مقابل الوعيد، ما هو الوعيد؟ جاء أول واحدة يقول ماذا؟ ويل.
هذا الثمن في مقابل الوعيد، هل هو مناسب؟ أي أنه مناسب لأن تضيع آخرتك ويكون لك الويل خالدًا فيه أبدًا؟! سيعطونك كم من السلطان أو من الجاه أو من المال أو من المصلحة أو من الشهوة أو كذلك؟ سيعطونك ملء الأرض ذهبًا لمدة كم؟ غالبًا حياتك مائة سنة.
فما هو لا يساوي شيئًا! لو أعطوك ملء الأرض ذهبًا للمدة التي ستعيش فيها التي هي مائة سنة، لا تساوي نصف دقيقة في الويل والخبال. لا تساوي شيئًا، فهي دائمًا مهما تصورتها، ولانحصار زمن الإنسان، هي دائمًا ثمنًا قليلًا.
تكرار الوعيد ثلاث مرات وتحول الثمن القليل إلى وبال على صاحبه
﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79]
فويل لهم مرة ثانية مما كتبت أيديهم، بسبب هذا سيحدث ذلك [الوعيد]. وويل لهم مرة ثالثة، فهنا الوعيد تكرر ثلاث مرات مما يكسبون.
يبقى إذن الذين كتبت أيديهم سيأخذ عليها إثمًا، وكذلك الثمن القليل سيتحول إلى إثم يحاسب عليه. أي أنه أيضًا لن يأخذه خالصًا هكذا والحمد لله وانتهى الأمر، فهو سيحاسب على ما كتبت يده فحسب، بل إن نفس الثمن تحول إلى وبال عليه.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
