سورة البقرة | حـ 95 | آية 80 : 83 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يناقش القرآن موقف بني إسرائيل في قولهم "لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة"، ما يعكس استهانتهم بوعيد الله.
- •يرد الله عليهم بقوله: "قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون".
- •يحث القرآن على اتباع العقلية البرهانية القائمة على الحقائق، لا العقلية الخرافية المبنية على الأماني.
- •يبين شروط الخلود في النار: كسب السيئة وإحاطة الخطيئة بصاحبها، وهذا ينطبق على كل من يستمر في المعصية دون توبة.
- •التوبة تخرج الإنسان من دائرة المعصية، ولها شروط: الإقلاع عن الذنب والندم والعزم على عدم العودة ورد الحقوق.
- •الإيمان ليس مجرد قول، بل ما وقر في القلب وصدقه العمل، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات هم أصحاب الجنة الخالدون فيها.
- •جاءت الأديان بتوحيد الله وإفراد العبادة له، ويكافئ هذا التوحيد في العمل بر الوالدين.
مقدمة الحلقة واستعراض موقف بني إسرائيل من وعيد النار
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى نستهديه، ومع سورة البقرة نقرأ قوله تعالى وهو يعدد على بني إسرائيل مواقفهم إزاء ما أوحى الله به إلى موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:
﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا﴾ [البقرة: 80]
«لن» هذه يقول لك للنفي المستقبل، والزمخشري جعلها للتأبيد؛ لن يبقى ليس ممكنًا أبدًا. فيظهر أنهم كانوا سائرين على هذا:
﴿لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80]
استهانة بني إسرائيل بوعيد النار وزعمهم المكوث فيها أيامًا قليلة
أنتم تخوفوننا بالنار! قلنا لهم نعم، الوعيد هكذا. قالوا: لا، نحن سندخل فيها أيامًا ثلاثة هكذا ونخرج وندخل الجنة.
﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: 80]
سنتحملها، فيبقى تمتعنا بالدنيا وعُذِّبنا قليلًا في الآخرة. انظر إلى الاستهانة! كلها هذه استهانة بالوعيد، استهانة بالوعيد.
مطالبة بني إسرائيل بالدليل على زعمهم بعهد من الله
﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا﴾ [البقرة: 80]
هل ربنا أنزل لكم في كتبكم هكذا؟ أنه سيدخلكم أيامًا وهذه الأيام ستكون معدودة وستكون بسيطة، وبعد ذلك سيخرجكم من النار ويدخلكم الجنة؟
يمكن أن يفعل الله ذلك ويعطي لأمة ما هذا الوعد، لكننا نسألكم: هل أعطاكم هذا الوعد؟ وفي أي آية؟ ما اسمها، ما هذه الآية التي نزلت إليكم وقالت لكم أنكم ستمكثون في النار لكن أيامًا معدودة؟
﴿وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُٓ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 80]
الفرق بين العقلية البرهانية والعقلية الخرافية المبنية على الأماني
التي [العقلية البرهانية] هي التي ذكرناها في حلقة سابقة: العقلية العلمية المبنية على البراهين والوقائع والحقائق ونفس الأمر، والعقلية الخرافية المبنية على الانطباع والشهوات والرغبات والأماني.
إنه [القرآن الكريم] يرسخ فيك نهجه ويقول لنا: كن ذا عقلية برهانية ولا تكونوا ذوي عقلية خرافية.
﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 80]
هم في الحقيقة يقولون على الله ما لا يعلمون وما لا يفقهون، وكل هذه أمانيّ في أذهانهم ما أنزل الله بها من سلطان، وما جعل الله عهدًا كهذا لهم. والله يفعل ما يشاء، ولو أن الله قد عاهد أمة كذلك لوفى بعهده.
شرطا الخلود في النار: كسب السيئة وإحاطة الخطيئة بصاحبها
﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: 81]
هذه رقم واحد.
﴿وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيٓـَٔتُهُ﴾ [البقرة: 81]
هذه هي رقم اثنين.
﴿فَأُولَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 81]
يبقى إذن الخلود في النار له شرطان. وهنا قال:
﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ﴾ [البقرة: 81]
لم يقل «من كسب منكم يا بني إسرائيل»؛ هو يأتي بالقصة كلها هذه لنا نحن للعالمين إلى يوم الدين، ويخاطبهم ويقول لهم: ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ﴾، «مَن» هنا من ألفاظ العموم، يعني كل الناس وإلى يوم الدين.
معنى إحاطة الخطيئة بالإنسان وكيف تكون دائرة الظلمات
﴿مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: 81]
لا، ما يكفي «من كسب سيئة» يبقى كل الناس ستدخل جهنم! كل ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون. وعندما يرتكب الإنسان معصية فإنه يكون في دائرة المعصية.
لا بد أن يكسر هذه الدائرة ويخرج منها، فإذا لم يكسرها واستحلّها واستمرأها وأُعجب بها وسكن إليها ورضي بما هو عليه واستمر على ذلك دون توبة، فقد أحاطت به؛ لأن الخطيئة تعمل مثل الدائرة. هذه الدائرة دائرة الظلمات وقد أدخل نفسه فيها.
كيفية الخروج من دائرة المعصية وقصة ابن جدعان مع النبي ﷺ
كيف يخرج [الإنسان من دائرة المعصية]؟ يذكر: أستغفر الله، اللهم اغفر لي خطيئتي يوم الدين.
عائشة رضي الله عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن جدعان، وكان رسول الله يذكره بخير دائمًا، فطمعت له في الجنة، قالت له:
أهو في الجنة يا رسول الله؟
قال [رسول الله ﷺ]: «لا، ما هو في الجنة ولا شيء؛ أنه لم يقل يومًا ما: ربِّ اغفر لي خطيئتي يوم الدين، ولا مرة قالها»
فأحاطت به خطيئته. إذن من كسب سيئة، معروف ماذا يعمل: وخير الخطائين التوابون. اخرج منها، اخرج من هذه الدائرة.
شروط التوبة الصحيحة والفرق بين حقوق الله وحقوق الناس
بصعوبة؟ أبدًا، قل: أستغفر الله. هكذا هو باستهانة؟ أبدًا، التوبة لها شروط:
- أن تُقلع عن الذنب.
- أن تعزم ألا تعود إليه مرة أخرى.
- أن تشعر بالندم في قلبك.
- وإن كان من حقوق الناس يجب أن ترد إليهم حقوقهم.
هذه القضية أربعة شروط في حق الله [وحق] الناس، وثلاثة شروط إذا كانت المعصية في حق الله [وحده]: الندم والعزم والترك. فليس باستهانة!
ولكن الأمل واسع، وربنا سبحانه وتعالى لا يغلق علينا الأبواب، وبوضوح ويفهمها جميع الناس أن التوبة هي الأمل وهي التي تجعل الإنسان دائمًا في غير يأس مع ربه.
﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيٓـَٔتُهُ﴾ [البقرة: 81]
جزاء من تمادى في الخطيئة وجزاء من آمن وعمل الصالحات
لم يعمل هكذا [أي لم يتب] بعد، وتكاثر في هذا [الذنب] وتمادى:
﴿وَأَحَـٰطَتْ بِهِ خَطِيٓـَٔتُهُ فَأُولَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 81]
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [البقرة: 82]
في المقابل، أصبحوا يقولون آمنّا فقط. قال: لا، هذا يكون كاذبًا؛ فـالإيمان ما وقر في القلب وصدّقه العمل. وأن أناسًا قد غرّهم بالله الغرور الذي هو الشيطان، يقولون: نحن نحسن الظن بالله. لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [البقرة: 82]
أيضًا قسمان: هناك من كسب سيئة وأحاطت [به خطيئته]، وهنا:
﴿ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُولَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ﴾ [البقرة: 82]
ميثاق بني إسرائيل بتوحيد الله وبر الوالدين كمكافئ عملي للتوحيد
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 83]
كل الأديان جاءت بتوحيد وإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة.
﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83]
المكافئ لتوحيد الله في العمل: بر الوالدين. هذا التوحيد محله القلب وعقلك مقتنع أن ربنا واحد، فأين العمل الخاص به؟ ألم نقل:
﴿ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [البقرة: 82]
بر الوالدين المكافئ للتوحيد في الاعتقاد، بر الوالدين في العمل. وهذا يحتاج إلى شرح أكثر في لقاء آخر.
نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
