سورة البقرة | حـ 96 | آية 83 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل بعبادته وحده، وهو العهد الذي أخذه على إبراهيم عليه السلام ونسيه الأتباع، فأرسل الله الرسل للتذكير به.
- •ختم الله الرسل بمحمد صلى الله عليه وسلم، وحفظ القرآن من التحريف كمعجزة باقية إلى يوم الدين.
- •توحيد الله هو القضية الكبرى في الكون، وأول طريق الإيمان الذي يتبعه الإيمان بالرسل والكتب.
- •الوحي يُعرّف الإنسان بالخير والشر، فلولاه لاتبع كل إنسان هواه ومصلحته وشهواته.
- •بر الوالدين هو المكافئ العملي لتوحيد الله، وقد قرن الله بينهما في آيات كثيرة.
- •عندما تركت المجتمعات بر الوالدين تحت دعوى الحرية، نتج عنه أزمات اجتماعية خطيرة كعزوف الناس عن الزواج وهروب الأبناء من بيوتهم.
- •بر الوالدين يحقق الرحمة والاحترام ونقل الخبرة من جيل إلى جيل، وينظم المجتمع.
مقدمة تلاوة آية الميثاق من سورة البقرة وبيان مضمونها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى، نقرأ في سورة البقرة قوله تعالى:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾ [البقرة: 83]
الميثاق الذي أخذه الله على إبراهيم وإرسال الرسل للتذكير به
الميثاق هو العهد، وهذا العهد أخذه الله سبحانه وتعالى على سيدنا إبراهيم عليه السلام. ولمّا نسيه الأتباع والمؤمنون أرسل الله الرسل للتذكير به، وختمهم بخاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم بسيدنا محمد ﷺ.
ففي شأن سيدنا إبراهيم قال تعالى:
﴿هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]
في أيام العهد، الذين أخذوا على أنفسهم عهد الله سبحانه وتعالى مع إبراهيم. ولذلك [قال تعالى]:
﴿وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: 125]
فنحن مأمورون بأن نحيي ذلك العهد الذي كان بين الله وبين إبراهيم، وبلّغه المؤمنين.
تذكير الله للمؤمنين بالأنبياء وختم النبوة بسيدنا محمد ﷺ
وينساه المؤمنون أحيانًا فيذكّرهم الله سبحانه وتعالى بالأنبياء؛ ينزل عليهم الذكر فيُذكّر الناس، حتى ختم بسيدنا محمد ﷺ الذي بُعث بين يدي الساعة؛ بينه وبين الساعة - يعني ليس بينه وبين الساعة نبيّ - ختمت النبوة برسول الله وخاتم النبيين، انقفلت [أبواب النبوة].
وذلك أن القرآن سيُحفظ ويظلّ معجزةً للعالمين إلى يوم الدين، من غير زيادة ولا نقصان، ولا ترجمة ولا تقديم ولا تأخير، ولا حذف ولا تحوير، ولا تحريف ولا تخريف.
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
مضمون الميثاق وقضية التوحيد الكبرى في الكون
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ﴾ [البقرة: 83]
مضمون هذا الميثاق - العهد - ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾؛ فهذا هو عنوان الميثاق، وهذه هي القضية الكبرى في الكون: قضية أنه لا بدّ عليك من أن تعترف بإلهٍ واحدٍ أحدٍ فردٍ صمدٍ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، خلق هذا الكون وهو المحيي المميت الرزّاق الفعّال لما يريد الله.
قضية كبيرة؛ لأن هذا هو أول طريق الإيمان الذي سيتلوه أن هذا الإله لم يتركنا عبثًا، وأنه قد أرسل الرسل وأنزل الكتب - وهي القضية الثانية للإيمان - وأن محمدًا رسول الله، ركن الشهادة.
ضرورة الامتثال للوحي لمعرفة الخير من الشر والحق من الباطل
ثم بعد ذلك، هذا أول الامتثال للوحي: افعل ولا تفعل، وإلا كان الفساد عريضًا.
ما الخير وما الشر؟ لا نعرف ما الخير وما الشر؛ مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد، وفوائد قومٍ عند قومٍ مصائب. أين الصواب وأين الخطأ؟ فعندما جاء المستعمرون واحتلوا بلادنا ونسأله: أأنت تعمل صوابًا أم خطأ؟ يقول لك: أنا أعمل شيئًا صحيحًا، لماذا؟ ذاهبٌ لآخذ الموارد لكي أنظّف بلدي وأبني فيها النُّفَق [الأنفاق].
حسنًا، والناس الذين ظلمتهم هؤلاء؟ قال: سنعطيهم شيئًا، لن نظلمهم كثيرًا يعني. ولذلك سأسمّي نفسي استعمارًا؛ سأعمّر لهم. تعمّر لهم كيف؟ قال لك: والله سنفتح طريق المعاهدة، نرصف لهم شارعين ثلاثة، ونعلّمهم كيف يجرون، يكون قد عملنا فيهم خيرًا. حسنًا، والنهب الذي أخذته؟ هذا الحقّ [الذي سلبته]!
الوحي هو المرجع الوحيد لتمييز الحق من الباطل وبيان المحرمات
فكيف نعرف إذن الباطل من الصحيح إذا كان كلّ واحدٍ يظنّ في نفسه سلطانًا؟ لا بدّ أن الوحي هو الذي جاء وقال لي: قتل النفس حرام، سرقة الأراضي حرام، الاحتلال والظلم حرام، الزنا والسرقة والكذب وشهادة الزور حرام.
ولكي تستقيم وتتذكّر ولا تبقى منحرفًا في الدنيا، لا بدّ أن تصلّي وتصوم وتزكّي وتحجّ وتعمل [بما أمر الله]. وتسوّي [أمورك على منهج الله].
فعرفنا الباطل من الحق، وعرفنا الخير من الشر. أما لو تركناها هكذا، أنتم ترون عندما خرجوا من دين الله أفواجًا ماذا فعلوا؟ فعل الذي على هواه، الذي على مصلحته، الذي على شهوته.
الميثاق يرسم طريق البشرية وبر الوالدين المكافئ العملي للتوحيد
فالله سبحانه وتعالى في الميثاق يرسم طريق البشرية: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾، هذه أول شيء.
والمقابل ما هو إذن في الدنيا؟ نعمل ماذا؟ طيّب، حسنًا، آمنّا بأنه لا إله إلا الله، نعمل ماذا في هذه الدنيا؟ قال:
﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة: 83]
ولذلك قالوا إن بر الوالدين هو المكافئ العملي لتوحيد الله. أنت موحّد؟ قال له: نعم. قال له: يجب إذن أن تبرّ [والديك]؛ تُثبت أنك موحّد، تبرّ والديك.
قرن الله سبحانه وتعالى في آياتٍ كثيرة بين عبادته وحده وبين بر الوالدين، فيبقى بر الوالدين هذا أمرٌ عظيمٌ جدًّا، يبدو أننا لم ننتبه إليه.
أزمة المجتمعات التي تركت بر الوالدين تحت دعوى الحرية
وفعلًا الأمم عندما تركت بر الوالدين تحت دعوى الحرية، فماذا حدث؟ حدثت أزمة في المجتمعات:
-
حدث أن الناس ما لم تعد تريد أن تتزوج، ويذهب [أحدهم] ليربّي له كلبًا ويقول: هذا الكلب أفضل من الزوجة والابن! هذه مصيبة عظيمة، هذا يُهلك العالم هكذا.
-
ثانيًا: الأطفال بمجرد أن يصلوا إلى سنّ السادسة عشرة يهربون من البيوت باسم الحرية، وعندما يهربون من البيوت لا يعرفون كيف يعيشون الحياة المناسبة، فيُفسدون في الأرض؛ فتنتشر المخدرات والخنا والفاحشة والزنا، وتنتشر التفككات الاجتماعية، وينتشر المشرّدون في الشوارع.
-
ورقم ثلاثة: يقلّ النسل فتبقى في أزمة لقلة النسل.
غياب بر الوالدين يؤدي إلى انهيار احترام المعلم ونقل الخبرة بين الأجيال
بر الوالدين يتبعه [أمور كثيرة]؛ لمّا نخرج منه [ونتركه] ما يوجد بر الوالدين: عدم احترام الأستاذ في المدرسة والاستهزاء به، حتى عملوا أفلامًا ومسرحيات "مدرسة المشاغبين".
المشاغب هذا من هو؟ هذا لم يهتمّ بأباه وأمه، فلم يفهمه أستاذه في الطبّ [والعلم]. وهذا كيف سيأخذ الخبرة الاجتماعية ممّن قبله؟ لن يأخذ! مصيبة.
ولذلك تجد بعض رؤساء الدول يصرخون - كبيرة أمريكا وكذا - يقول [لهم] الله: هذا بر الوالدين! هذا أصبح شيئًا يجب أن يكون مشروعًا قوميًّا، قوموا [بإحيائه]!
بر الوالدين هو الوجه الآخر للتوحيد وأساس نظام المجتمع
عندما نرجع إلى الكتاب [القرآن الكريم] نجد كذلك أن عبادة الله في جانب الاعتقاد، في مجال العمل يسمّونه المكافئ العملي للتوحيد. الوجه الآخر للتوحيد: إذا كنت مؤمنًا حقيقيًّا فيجب أن ترى قضية بر الوالدين هذه.
وبر الوالدين هذا أمرٌ عظيمٌ جدًّا؛ فيه رحمة، وفيه حبّ، وفيه احترام، فيه نقل الخبرة من جيلٍ إلى جيل، فيه نظام المجتمع.
قال رسول الله ﷺ: «ليس منّا من لم يوقّر كبيرنا ويرحم صغيرنا»
هذه هي أول حاجة [في الميثاق]: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
