سورة البقرة | حـ 99 | آية 83 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة البقرة

سورة البقرة | حـ 99 | آية 83 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • أخذ الله ميثاق بني إسرائيل بألا يعبدوا إلا الله وبالإحسان للوالدين وذوي القربى واليتامى والمساكين.
  • خص الله الأقارب بالإحسان لتعذر الوصول للجميع، ثم وضع قاعدة عامة بقوله "وقولوا للناس حسنا".
  • القول الحسن يشمل المؤمنين وغيرهم وهو متاح في كل وقت، ويتعدى نفعه للناس، لذلك قُدّم على الصلاة.
  • الحديث الطيب من سمات النبي ﷺ الذي لم يكن سبابًا ولا فاحشًا حتى في غلظته مع من يستحقها.
  • القلب الرحيم المتسامح أساس نشر الإسلام، كما قال النبي ﷺ عن أهل مكة المؤذين: "لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يوحد الله".
  • ينبغي معاملة الناس جميعًا بالحسنى، بمن فيهم الأسرة والأقارب، وليس فقط الغرباء.
  • إقامة الصلاة تكون بأدائها في وقتها، واستيفاء شروطها وأركانها، وتحقيق الخشوع القلبي والجسدي.
  • الغاية من الصلاة التمتع بالصلة بالله، وأن تنهى عن الفحشاء والمنكر.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الميثاق من سورة البقرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله سبحانه وتعالى، نستهديه في سورة البقرة في قوله تعالى:

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَـٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ﴾ [البقرة: 83]

النص على ذوي القربى واليتامى والمساكين وحكمة التخصيص

النص على ذوي القربى فيه تخفيف؛ لأنه من المفروض أن تُكرم ابن آدم، ولمّا اتسع الخلق ولمّا كان من المتعسّر العسير ومن المتعذّر أن تصل كل الخلق، فإنه [سبحانه وتعالى] خصّ لك أقرباءك الأقربين.

ولكنه أشار إلى طوائف من ذوي البُعدى إن صحّ التعبير، وهم اليتامى وأيضًا المساكين، ثم جعل قاعدة عامة مع كل الآخرين:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]

قاعدة القول الحسن وارتباطها بالخلق النبوي الشريف

قولوا للناس حسنًا، قاعدة تتعلق بقوله تعالى:

﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]

تتعلق بذلك الخُلُق النبوي المصطفوي؛ أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن سبّابًا ولا لعّانًا ولا فاحشًا ولا بذيئًا.

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]

كان كلامه كله يقطر جمالًا صلى الله عليه وسلم، حتى في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر وإغلاظه لمن يستحق الغلظة، كان كلامه في رفق، ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»

تقديم القول الحسن على الصلاة لأنه يشمل الزمان كله

وقدّم [الله سبحانه وتعالى] القول الحسن على الصلاة؛ لأن القول الحسن يتعدّى إلى الناس، ولأن الإحسان بالقول يشمل الزمان كله.

الصلاة هذه خمس أوقات في اليوم، لكن القول الحسن تستطيع أن تقوله كلما كنت متيقظًا.

وقال: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]، يعني للمؤمنين وغير المؤمنين، لا يصدر منك إلا القول الحسن.

نسيان الناس للقول الحسن واستبداله بالدعاء بالشر على المخالفين

نسي كثير من الناس هذا الأمر في عصرنا الحاضر، فتراهم من قهر الزمان يدعون على المخالفين. تجد في الخطبة يقول لكم: اللهم يتّم أطفالهم، واخرب بيوتهم، واحرق حقولهم!

يعني كله ماذا؟ كله دعوات بالشر من القهر، والأمر ليس كذلك.

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]

فقل هكذا: يا رب اهدِه! ها، ما هي جميلة؟ ما نحن ما أقررناه على الظلم الذي ظلمه، ولا على الفساد الذي أفسده وأفسده، إنما لماذا القلب هنا حزين؟

موقف النبي ﷺ مع الملكين ورفضه الدعاء بالهلاك على قومه

وكان [النبي ﷺ] ينبغي أن يصبر، ويأتي الملكان ويقولا: يا محمد، أتريد أن نُطبق عليهم الأخشبين [الجبلين] ونخسف لك بهم الأرض؟

قال: لا، لعل الله سبحانه وتعالى أن يُخرج من أصلابهم من يوحّد الله.

أين هذا القلب؟ هذا هو القلب الذي دعا، وهذا هو القلب الذي وقف معه الله، وهذا هو القلب الذي أنتج حتى صار الإسلام من الأندلس إلى الصين، هذا هو القلب الذي أعلى الله ذكره صلى الله عليه وسلم.

دعوة للعودة إلى قلب النبي ﷺ والتدرب على القول الحسن

وبعد ذلك نسأل أنفسنا نحن: لماذا الإسلام متعب الآن هكذا؟ أين ذلك القلب؟ ارجع إلى ذلك القلب.

فلماذا لا ترجع إليه؟ كيف إذن؟ درّب نفسك هكذا وقل للناس حسنًا.

قال لك [المثل]: «قابلني بشكل جيد ولا تُطعمني»، هذه خبرة السنين، خبرة البشر، حكمة العالم: قابلني بشكل جيد ولا تُطعمني.

الكلمة الطيبة أفضل من الصدقة المتبوعة بالمن والأذى

هذا يعني أنت الآن عندما تأتيني بطعام وتُسمّم جسدي به، فسيكون كأنك أتيتني بشيء مثل الصدقة ثم أتبعت الصدقة بالمنّ والأذى، فهذا لا يصلح؛ إن الله لا يرضى عن ذلك.

حسنًا، لم تُطعمني ولكن قلت لي كلمة طيبة هكذا: أهلًا وسهلًا!

قال رسول الله ﷺ: «التبسّم في وجه أخيك صدقة»

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]

الرد على من يزعم أن آية القول الحسن خاصة ببني إسرائيل

فواحد قال لي: لا، هذا الكلام لبني إسرائيل! الله يعني بني إسرائيل ينزل عليهم: لا تعبدوا إلا الله، إذن أنا أقول: لا، هذا خاص ببني إسرائيل! وبالوالدين إحسانًا، إذن أنا أقول هذا خاص ببني إسرائيل!

ما هو لا يصلح يا إخواننا هذا الكلام! هذا هداية للعالمين، هذا في كتابنا نحن.

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83]

اعرف كيف تتعامل مع كتابك! هذا ربنا راضٍ عن هذا، وهذا الميثاق الذي لا يتغير، وهذا هو الميثاق الذي أخذه على إبراهيم فأحياه مع موسى وعيسى ومحمد [عليهم الصلاة والسلام].

حكمة إرسال الرسل للتذكير بالميثاق الذي نسيه الناس

ولو أن الناس قد التزمت وسارت [على هذا الميثاق] لما أرسل الله بعد ذلك رسلًا، إنما أرسل الرسل من أجل أن يُنبّه ويُحذّر ويُذكّر أنه: تعالوا، أنتم نسيتم أم ماذا؟

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

القول الحسن شرط لقبول الصلاة ويشمل الأهل والأولاد

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 83]

فيبقى قبل أن أذهب للصلاة، ولكي يتقبل الله صلاتك، ينبغي أن تقول للناس حسنًا.

ومن بين هؤلاء الناس أولادك، نعم، ومن بينهم زوجتك بالطبع، ومن بينهم زوجك قطعًا. وهكذا، أي أن هذا ليس فقط نقوله للأجانب ونأتي لأنفسنا من الداخل [بالكلام السيئ].

ثم يقول، وهو أيضًا من حكمة الزمان، يقول: هذا مثل القرع الذي يمتد للخارج إلى أن تخرج الأوعية هكذا، فتجدها تمتد إلى الناحية الأخرى وليست مستقيمة. فيكون المرء لسانه كالعسل مع الآخرين، ويأتي داخل البيت فينقلب شخصًا آخر!

يقول لي: إنني أريد أن أرتاح. سترتاح عندما تموت! عندما تموت سترتاح، ولكن المهم أن تكون قائلًا للناس حسنًا من قبل الصلاة.

معنى إقامة الصلاة وشروطها من الوقت والطهارة والاستقبال

﴿وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 83]

أقيموا يعني اجعلوها مستقيمة. وإقامة الصلاة تكون بأمور:

  1. أولها: أن تكون في وقتها؛ لأنها إذا خرجت عن وقتها فقد ضيّعتها.
  2. ثانيًا: أن تكون بشروطها مستوفية أركانها؛ يجب أن تتوضأ، ويجب أن تستقبل القبلة، ويجب أن تُطهّر بدنك وثوبك ومكانك.
  3. ثالثًا: يجب أن تكون على حال الخشوع؛ فلا يعمل الإنسان عملًا كثيرًا في الصلاة بحيث أن من كان خارج الصلاة يظن أنه غير مصلٍّ مثلًا.

خشوع الظاهر والقلب في الصلاة وتدبر الأذكار والتسبيحات

وخشوع القلب وخشوع الظاهر، هذا يقول لك: اجعل نظرك في موضع السجود واجعل جوارحك ساكنة.

خشوع القلب أن تتأمل وأن تتدبر فيما تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، تتدبرها أنك تبدأ بسم الله، أنت تشكر رب العالمين وهو الرحمن الرحيم، فتنتبه إلى أن الله من صفاته الرحمة فتتخلّق بها، وتدعو الله في ذلك.

وهكذا وأنت جالس تقول: سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي العظيم، الله أكبر، كل ذلك تتدبر فيه، فيكون خشوع القلب وأنت ترجو ثواب الله وتخاف عقابه.

من ثمرات إقامة الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر

ومن إقامة الصلاة أن تنهاك عن الفحشاء والمنكر؛ لأن صفاتها كذلك. هي لها أركان وشروط، ماشي، فيها خشوع، لنؤديها في وقتها حتى لا نضيّعها، لا بأس.

إنما ما فائدتها؟ أن تتمتع وأن تتلذذ لحظات بصلتك بالله، ما يوجد مانع، ولكن الأشدّ من هذا أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.

﴿وَلَذِكْرُ ٱللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.