سورة النساء | حـ 557 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يأمر الله البشرية في سورة النساء بالتقوى التي فسرها سيدنا علي بالخوف من الجليل والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل.
- •عندما تنزع البشرية الألوهية من نظام حياتها تفسد آجلاً أو عاجلاً، فالإيمان بالله والوحي ضروري لاستقامة الحياة.
- •الملحد يتساءل عن أصله ومصيره دون أن يجد إجابة، بينما يجد المؤمن طمأنينة في الدين وإجابات واضحة.
- •التمسك بالدين يحقق الاستقرار والسعادة، بينما تسبب الحيرة والبعد عن الدين القلق والتعب النفسي.
- •رغم محاولات العلمانية لثمانين سنة، لم تستطع إخراج الناس من دينهم، لأن الدين واضح والكفر ظلمات.
- •بذكر الله تطمئن القلوب، ويريد الإنسان بطبيعته هذه الحلاوة والجمال الموجود في الدين.
- •قوله تعالى "خلقكم من نفس واحدة" يقر بالتساوي بين الخلق، كما علّمنا النبي ﷺ حين قام لجنازة يهودي.
- •كلمة "إنسان" تطلق على الرجل والمرأة جميعاً، مما يدل على المساواة مع وجود التكامل.
افتتاح الدرس بالبسملة والتعريف بسورة النساء وأمر الله بالتقوى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى في أولها:
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ [النساء: 1]
إذن يأمر الله سبحانه وتعالى البشرية جمعاء أن تجعل التقوى سبيلًا لها.
تفسير التقوى عند سيدنا علي: الخوف من الجليل والعمل بالتنزيل
والتقوى كما فسّرها سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] هي: الخوف من الجليل، أي يجب أن نؤمن بالله. والبشرية عندما تنزع قضية الألوهية من نظام حياتها تفسد آجلًا أو عاجلًا.
الخوف من الجليل يعني أن هناك جليلًا سبحانه وتعالى ونحسب حسابه. والخوف من الجليل والعمل بالتنزيل يعني وجوب الإيمان بالوحي.
والرضا بالقليل، ألّا يكون هناك إسراف؛ لأنه لا يحب المسرفين. والاستعداد ليوم الرحيل، [أي] ربط التصرفات والسلوكيات باليوم الآخر بالحساب فيه، يومٌ سنقف فيه أمام الله. هذه المعاني نطالب بها البشرية جمعاء.
موقف الملحدين من الدين وشتمهم للمتدينين من المسلمين وغيرهم
فيخرج واحد من الملحدين وينشر كلامه في الصحف المتداولة ويقول: هؤلاء الناس متخلفون، هؤلاء لا يزالون يتمسكون بالدين! ويشتم المسلمين، ويشتم بوش أيضًا من أمريكا، يقول لك: هذا رجل متدين يا إلهي!
يعني هذا [الملحد] لا يترك أحدًا. أهمّ الملحد هكذا، الملحد شأنه هكذا، هو لا يترك أحدًا.
حوار مع الملحد حول سبب رفضه للدين واعتراضه على خلقته
ماذا يريد [الملحد]؟ يريدكم أن تتركوا الدين.
لماذا؟ الدين يريحني! ما الذي أتعبك أنت في الدين؟ تكاليف الدين يجعلني لا أعرف كيف أفكر.
في ماذا تفكر؟ قال: أنا معترض على خلقتي، معترض على خلقتي! طيب اعترض، عضّ الأرض!
أنت منتبه؟ الرجل لا يريد أن يبقى رجلًا، والمرأة لا تريد أن تبقى امرأة. طيب تريد أن تبقى ماذا؟ فقالت: لا، أنا لا أريد أن أبقى امرأة!
التمسك بالدين يمنح اليقين بينما الكفر يورث الحيرة والضياع
إذن هذا [الواقع المضطرب] يدعونا إلى التمسك بالدين، التمسك بالدين الذي يجعلنا غير محتارين. أما أنت [أيها الملحد] فحيران، لكنني لست محتارًا.
يسأل [الملحد] نفسه: من أين نحن؟ فلا يعرف أن يجيب. ماذا نفعل هنا؟ فلا يعرف أن يجيب. ماذا سيكون بعد الموت؟ فلا يعرف أن يجيب. تسودّ الحياة في عينيه.
لكنني أملك إجابة: الذي خلقني ربي، وقال لي: صلِّ وصُم واعمل الخير وعمّر الأرض، وكذلك غدًا يوم القيامة سيدخلني الجنة، فأصبح فرحًا جدًا.
الرد على من يصف الدين بأفيون الشعوب وبيان حيرة الملحدين
فيقولون لي: فرحتك هذه مثل أفيون الشعوب! فأقول لهم: سبحان الله! والحيرة السوداء التي تعيشونها في حياتكم هذه تكون مثل ماذا؟ مثل القمامة التي تعيشون فيها أم مثل ماذا بالضبط؟
يعني هذه حالتكم من القلق ومن السهر ومن التعب النفسي، ومن أنكم لا تجدون أحدًا عندما يؤلمكم شيء تقولون له: يا رب، كما أقول أنا.
ما رأيكم أنكم تدعونني إلى التمسك بديني؟ أنا ما الذي يجعلني يا أستاذ ويا أستاذة أترك الاستقرار والأمن والطمأنينة والسعادة وأبحث عن الغباوة والبلادة وقلة التدين؟
فشل محاولات إخراج الشعوب من الدين على مدى ثمانين سنة
ما الذي يجعلنا نفعل ذلك [أي نترك الدين]؟ لا يوجد له مبرر. ولذلك الشعوب لم تستجب لهذا [الطرح الإلحادي].
في بلدان قيل فيها: تعالوا نجعلها علمانية وليس لنا شأن بالدين، هذا الكلام منذ ثمانين سنة، لم يستطيعوا أن يخرجوهم من الدين. فقد مات الناس وجاء جيل بعدهم ومات، وجيل بعده ومات، ثمانون سنة أربعة أجيال لم يخرجوا من الدين.
هذا [يدل على أن] الإنسان هكذا صار يرتاح مع الوضوح. والدين هذا واضح، والكفر هذا ظلمات بعضها فوق بعض.
الدين يفرح القلب ويطمئنه وذكر الله سبيل الفلاح
الدين يفرح القلب ويطمئنه:
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]
﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]
ما هذا؟ أنا أريد الفلاح، لا أريد الفشل والغباوة والبلادة والظلمات. الحقيقة أن الإنسان كإنسان يريد هذه الحلاوة وهذا الجمال، هذا الجمال موجود في الدين والإجابات واضحة يا أخي.
شهادة الكون كله بوجود الخالق والرد على من يتهم المسلمين بالتكفير
وكل السماء والأرض والنبات والحيوان تقول: نعم هكذا، نعم يوجد خالق، ونعم يوجد رسل، ونعم يوجد يوم آخر، ونعم يوجد رب نعبده.
حين نصل معهم [أي مع الملحدين] إلى هذا الحد من النقاش يقولون: انظروا تكفّروننا! والله نحن الذين كفّرناكم أم أنتم الذين كفرتم أنفسكم؟ نحن الذين قلنا إنه لا يوجد ربنا أم [أنتم الذين] نريد أن نحاسبه لأنه خلقنا خطأ؟ نحن الذين سئمنا من خلقتنا أم أنتم الذين سئمتم من خلقتكم؟ من؟
خطاب القرآن للناس جميعاً بالإيمان والتقوى وإقرار التساوي بين البشر
ولذلك عجيب هذا القرآن أن يقول:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ﴾ [النساء: 1]
يعني هذا [الخطاب] يخاطبهم [جميعًا] وهو كذلك، هذا الملحد هذا ليس أنا فقط.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: 1]
يعني آمنوا بربكم وآمنوا بالوحي.
﴿ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ [النساء: 1]
وحينئذ وهو يقول ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فهو يُقرّ بـالتساوي بين الخلق.
قيام النبي ﷺ لجنازة يهودي تعليماً للمساواة بين البشر
ولذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم لجنازة — والجنازة [هي] التي هي الخشبة التي عليها الميت، ما هو في جِنازة وفي جَنازة بالكسر والفتح — فقام للجنازة.
فقالوا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي! يعني الجنازة التي تأتي هذه خاصة بيهودي.
قال [النبي ﷺ]: «أليست نفسًا من الأنفس؟ أليست نفسًا أم ماذا؟»
فعلّمنا [النبي ﷺ] المساواة [بين البشر في أصل الإنسانية].
خلق حواء من آدم وبيان وحدة النفس الإنسانية بين الرجل والمرأة
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]
فإذن ربنا قد علّمنا أن النفس واحدة، وهذه النفس حكى لنا قصتها في سورة البقرة — [وهي قصة] سيدنا آدم — وخلق منها زوجها التي هي السيدة حواء أمنا حواء.
حسنًا، فإذن نستطيع أن نقول أن الرجل والمرأة إنسان واحد.
كلمة إنسان في اللغة العربية تطلق على الرجل والمرأة معاً دون تأنيث
هذا هو الذي في العربية: كلمة إنسان تُطلق على الرجل وعلى المرأة جميعًا. أي أنه لا يوجد في اللغة العربية ما يُسمّى "إنسانة"، لا يوجد في اللغة العربية هكذا.
هذا من كلام المولَّدين، من كلام المولِّدين للغة أو المولَدين، أي الذين جاؤوا بعد العرب الفصحاء. فكلام المولَّدين للغة هؤلاء هم الذين قالوا "إنسانة".
أما في اللغة [الفصحى] فـ"إنسان" يُطلق على الرجل وعلى المرأة بـمساواة لا تقضي على الفروق التي بها التكامل. فهذه الآية [الكريمة] تدل على التكامل [بين الرجل والمرأة].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
