سورة النساء | حـ 559 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يُحلل النص آية سورة النساء "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" ويناقش قضية تعدد الزوجات.
- •الأصل في الزواج هو الوحدة كما يستدل من خلق حواء وحدها لآدم، وليس التعدد.
- •أجاز الله في بداية الخلق زواج الأخ من أخته من بطن مختلف لانتشار البشرية، ثم حُرّم ذلك فيما بعد.
- •سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تمثل القدوة العملية في مختلف جوانب الحياة.
- •تزوج النبي خديجة وحدها ولم يتعدد إلا في المدينة، ما يشير إلى أن الوحدانية هي الأصل.
- •ذكر الإمام الشعراني أنه لم يتزوج على زوجته تأسياً بسنة النبي الأساسية.
- •اتباع النبي يقتضي في حالة الأسرة المستقرة الاكتفاء بزوجة واحدة.
- •التعدد جائز لكنه ليس السنة الأصلية في بناء الأسرة.
- •ينبغي تقوى الله الذي يتساءل الناس به، وتعظيمه بالأفعال وليس بالأقوال فقط.
افتتاح الدرس وتلاوة الآية الأولى من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى، بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
وهي من الآيات المهمات — وكل آيات الله مهمات — التي تلفت النظر إلى أصول الاجتماع البشري.
هل الأصل في الزواج التعدد أم الوحدة وبيان أصل الخلق
ويسأل كثير من الناس — ونحن هنا في سورة النساء سوف نتعرض لقضية تعدد الزوجات —:
هل الأصل فيها التعدد أم الأصل فيها الوحدة؟ وماذا تعني بالأصل؟
إذا كان الأصل هو أصل الخلق الذي خلق الله الناس عليه، فالأصل [هو] الواحدة. قال تعالى:
﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]
إذن ربنا خلق ماذا؟ حواء واحدة فقط، ولم يخلق له [أي لآدم عليه السلام] حوّاتٍ ولا حوّاتين — هذه أم حوّاتين؟ أبدًا! فإذا كانت حواء هي واحدة، إذن الأصل الواحدة.
إباحة زواج الأخ من أخته في بداية الخلق لنشر البشرية
وأجاز الله سبحانه وتعالى بعد ذلك — حتى تنتشر البشرية — زواج الأخ من أخته، زواج الأخ من أخته. وكانت حواء فيما ورد في الأثر تلد في كل بطن اثنين: ولد وبنت، ولد وبنت، ولد وبنت هكذا.
وبعد ذلك الولد من البطن هذه يتزوج البنت من البطن الأخرى، والولد من البطن الأخرى يتزوج البنت من البطن الأولى. وهكذا لا يزالون يراعون الإخوة، ولكن الإخوة هنا إخوة بطن وليس إخوة أبوية [أي ليسوا توأمًا من نفس الحمل].
تحريم زواج الأخت في الشريعة المكتملة وبقاء أصل الواحدة
نحن لدينا الآن لا يجوز أن يتزوج الواحد أخته: لا الشقيقة، ولا من أبيه من أي أم أخرى، ولا من أمه من أي أب آخر. حرّم الله سبحانه وتعالى زواج الأخت، ولا حتى من الرضاعة أيضًا عندما اكتملت الشريعة.
لكن هذا [في بداية الخلق] كان الإخوة معناها إخوة البطن لا إخوة الأبوين. لكنه لم يجز أبدًا أن يتزوج آدم [عليه السلام] من ابنة من بناته، ما حدث [ذلك قط].
فتبقى الواحدة هي ماذا؟ هي الأساس الخَلقي الذي خلق الله الناس عليه.
سيرة النبي ﷺ نموذج شامل لكل أحوال الحياة
في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم علّمنا كل شيء؛ ضرب الله به المثل لكل الأحوال. نراه وهو يعيش في وسط غير المسلمين في مكة، نراه وهو يعيش بين المسلمين في المدينة وحده بعد إجلائه لكثير من اليهود، أو مع الآخرين بعد مواطنة اليهود له.
نراه وهو يرعى الغنم، وهو يتاجر وكيلًا عن السيدة خديجة. نراه وهو يتزوج المرأة الواحدة السيدة خديجة، لم يجمع عليها أحدًا [من النساء]. نراه وهو له أسرة رزقه الله منها بالولد.
تعدد أحوال النبي ﷺ في الزواج والتعدد وعدم الإنجاب من غير خديجة
نراه وهو يتزوج فيعدّد وهو في المدينة، ولم يرزقه الله من إحداهن الولد، لم يرزقه الله الولد منهن.
لماذا كذلك؟ لأن سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] — هذا هو [المثل الأعلى] — نراه محاربًا، نراه مسالمًا، نراه مفاوضًا، نراه عالمًا، نراه مدرّسًا، نراه قاضيًا مفتيًا، نراه جارًا، نراه أبًا، نراه زوجًا، نراه وهكذا.
ما هذا؟ لكي يتّبع كل واحد منا في كل حالة يتّبعه [فيها]، [فهذه هي] السنة النبوية.
سنة النبي ﷺ في بناء الأسرة هي الاكتفاء بالزوجة الواحدة
في مسألة بناء الأسرة، إنه [صلى الله عليه وسلم] وحّد المرأة [أي اكتفى بواحدة]، هذه السنة هكذا. عندما لم يكن هناك ولد وكانت هناك أسرة، جعلها امرأة واحدة فقط، هذا هو الأصل.
فماذا عن المرأة الثانية؟ هل الزواج منها حرام؟
ليس حرامًا، ولكن هذه ليست سنة النبي [صلى الله عليه وسلم]. ومن هنا يقول الإمام الشعراني — عبد الوهاب الشعراني المتوفى سنة خمسمائة وخمس وسبعين [هجرية]، الذي هو صاحب [كتاب الطبقات الكبرى المعروف بـ] "باب الشعرية" — يقول الإمام الشعراني:
«ومما منّ الله به عليّ ألّا أكسر بخاطر زوجتي فأتزوج عليها»
أي تسنّنًا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ طالما تزوجها وأنجب منها فلا يتزوج عليها مرة أخرى.
حالة النبي ﷺ في التفرد بالزوجة هي أعلى الحالات وأحسن السنن
لماذا [لا يتزوج عليها]؟ إن هذه الحكاية [أي التعدد] يمكن أن تجعل الأسرة أدنى من الحالة التي فيها التفرّد [بالزوجة الواحدة]. حالة النبي [صلى الله عليه وسلم مع السيدة خديجة] أعلى الحالات، وسنته أعلى السنن، وسيرته أحسن السير صلى الله عليه وسلم.
فالذي يريد أن يكون متّبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم فليسِر هكذا. ويقول هنا: في أسرة أم لا توجد أسرة؟ في أسرة يكون في واحدة [أي زوجة واحدة]. لا توجد أسرة؟ في واحد وواحدة كوّنوا أسرة نووية صغيرة هكذا.
هنا يجوز [التعدد]، إذن الواحدية هي الأصل لكل ما ذكرنا.
معنى تساءلون به وكيف يستعمل الناس اسم الله في السؤال والطلب
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: 1]
تساءلون به يعني: واحد يأتي كي يدفعك دفعًا لأن تقوم بشيء، يعني يقول لك: "لله يا أخي افعل هكذا، لأجل الله"، "لله"، ها هو يقول لك "لله" يعني من أجل خاطر ربنا.
لكن الله ليس له خاطر [بالمعنى] الذي هو ببالنا، فيقول لك: لا تقل هذه الكلمة "من أجل خاطر الله" التي هي على الألسنة هذه.
إذن فماذا تقول؟ تقول: "لله"، و"لله" يعني ماذا؟ [يعني] الذي يجعلك تسألون به [أي تستحلفون باسمه].
كيف يُحرج السائل المسؤول باستخدام اسم الله في الطلب
تقول له: "حسنًا والله يا شيخ"، آه "حسنًا والله يا شيخ"، لا أنت قادم إليّ يعني ماذا؟ تُلزمه به، تُحرجه يعني تُضيّق عليه أن يرفض؛ لأنه بعد أن قلت له "والله يا شيخ" عرف أنك جادّ في سؤالك أو في طلبك.
تساءلون به: بما أنكم تعظّمون شأنه [سبحانه وتعالى] هكذا في الكلام، فالأولى تعظّمون شأنه في الفعل. هذا هو الكلام.
الحث على تعظيم الله في الأفعال كما نعظمه على ألسنتنا
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ﴾ [النساء: 1]
أنتم على الدوام وأنتم على ألسنتكم: "والله"، "لا تأتي عندي"، "لله أعمل كذا"، "أفعل كذا". فما بالكم تنسونه إذن أثناء العمل؟
الذي أنتم تقولون [به على ألسنتكم] هذا دليل على أنكم تعظّمونه، فلنعظّمه على الدوام [في الأقوال والأفعال معًا].
الفرق بين قراءة حفص وحمزة في كلمة الأرحام والختام
﴿وَٱلْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]
قراءة حفص عندنا هنا ما حالها؟ "والأرحامَ" منصوبة. أما قراءة حمزة فهي "والأرحامِ" [مجرورة].
آه، هذا كلام كثير سنقوله في اللقاء الآخر [إن شاء الله].
ونستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
