سورة النساء | حـ 560 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص تفسير قوله تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام" من سورة النساء.
- •الأرحام جمع رحم، وهي مستقر الجنين وتدل على القرابة، وسميت رحماً اشتقاقاً من صفة الرحمة الإلهية.
- •صفة الرحمة وصلت عند الله إلى منتهاها وكمالها حتى سُمي بالرحمن والرحيم.
- •جعل الله القرابة من الأرحام أمراً عظيماً، وصلة الأرحام من علامات التقوى، وقاطع الرحم محاسب عند الله.
- •تؤسس الآية للاجتماع البشري وتبين العلاقة بين الرجل والمرأة كعلاقة تكامل وليس نزاع.
- •في قراءة "والأرحامِ" بالكسر تكون معطوفة على الضمير المجرور في "به"، فيصير المعنى: تتساءلون بالله وبالأرحام.
- •العرب كانت تقول: "أناشدك الله والرحم"، فينبغي ألا يتناقض قولهم مع أفعالهم.
- •اختلف النحاة في جواز العطف على الضمير المجرور دون إعادة الجار.
- •اسم الله "الرقيب" يعني المراقب لعباده، فينبغي مراقبة الله في الأعمال وسلوك طريق العدل.
افتتاح الدرس ومعنى الأرحام في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى في الآية الأولى منها:
﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]
كلمة «والأرحام» تعني الأرحام التي بينكم، جمع رَحِم. والرَّحِمُ هو رَحِمُ المرأة، وكلمة أرحام يُراد منها القرابة؛ خاصة تلك التي جاءت لنا من أصل الخِلقة وهي المرأة. أصل الخِلقة في أنها التي يخرج منها الحياة والخلق من الرَّحِم.
اشتقاق اسم الرحم من الرحمة وعلاقته بصفات الله تعالى
وسمّى الله سبحانه وتعالى هذا المكان — مستقر الجنين — رَحِمًا اشتقاقًا من الرحمة. والرحمة صفةٌ في حقه سبحانه وتعالى قد وصلت إلى غايتها؛ حتى سُمِّيَ بها.
ما هو [معنى أن تُسمّى الذات بالصفة]؟ الصفة لمّا تكون تامة في الذات قد تتسمّى الذات بها، فإذا أُطلقت انصرف الذهن إلى هذه الذات. فالرحمة وصلت عند الله إلى منتهاها وغايتها وكمالها وتمامها ولا مزيد فوقها، جلّ جلال الله.
فسُمِّيَ الله بالرحمن وبالرحيم. الرحمن:
﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]
أتعرف أحدًا يرحم مثله؟ سبقت رحمته سبحانه وتعالى غضبه.
عظمة صلة الأرحام وعلاقتها بالتقوى ومحاسبة قاطعها
يبقى إذا خلق [الله سبحانه وتعالى] الرَّحِمَ واشتقّ لها اسمًا من اسمه سبحانه وتعالى، إذن يكون الأمر عظيمًا جدًّا. وجعلها مصدرًا للقرابة بين الناس، فتكون هذه القرابة أمرًا عظيمًا.
ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم صلة الأرحام من علامات التقوى ومن الأمور المستحبة، بحيث أن قاطع الرحم محاسَبٌ عند الله.
فالأرحام هل تريدون وصلها؟ إذن فاتقوا هذه الأرحام فلا تقطعوها.
تأسيس سورة النساء للاجتماع البشري والعلاقة بين الرجل والمرأة
وفي هذا إشارة إلى الاجتماع البشري الذي تحدثنا عنه مرارًا. هذه الآية تؤسس للاجتماع البشري؛ فتؤسس العلاقة بين الرجل والمرأة، وتعطي للرجل خصائص وللمرأة خصائص، وتجعل العلاقة بينهما علاقة التكامل وليس النزاع والخصام.
وحقوق المرأة وحقوق الرجل أبدًا المدخل [الصحيح ليس مدخل الصراع، هذا المدخل] خاطئ، وإنما هو التكامل والوئام والحب؛ غير أن لهذا [الرجل] خصائص ولهذا [المرأة] خصائص. وسيُفصَّل في سورة النساء هذا أجلى تفصيل.
المساواة وتقوى الله أساس الاجتماع البشري وصلة الرحم ركيزته
وفي النهاية، في نهاية هذا [التأسيس] يجعل [الله سبحانه وتعالى] المساواة لا التساوي هي الأساس، ويجعل تقوى الله هي طريق كلٍّ من الرجل والمرأة والخلق أجمعين، وهو الذي يُبنى عليه الاجتماع البشري.
ويجعل القرابة وصلة الرحم أساسًا من أسس الاجتماع البشري.
قراءة حمزة لكلمة والأرحام بالكسر ومعناها في العطف على الضمير
سيدنا حمزة [بن حبيب الزيات، أحد القراء السبعة] يقرأ ويقول: «والأرحامِ» بِهِ. ما هي [حركتها]؟ مكسورة. الضمير هنا في محل جر.
يقول: «والأرحامِ» فتبقى الأرحام معطوفة على الضمير الذي هو الهاء، هذه التي دلّت على الذات العليا سبحانه وتعالى. أي: تتساءلون بالله وبالأرحام.
وهنا يختلف المعنى؛ فتبقون أنتم تسألون بالله وتسألون بالأرحام. «أناشدك الله والرحم»، كان العرب يقولون هكذا: أناشدك الله والرحم. يبقى بتسأله بالله وبالرحم.
التحذير من التناقض بين القول والعمل في صلة الأرحام
فالأرحام التي أنتم تسألون بها في ألفاظكم، احذروا أن تضيّعوها في أفعالكم؛ حتى لا يتناقض القول مع العمل، ويبقى كلامكم له معنى وعملكم متسق معه.
﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]
مسألة العطف على الضمير المجرور وموقف النحاة من القرآن الكريم
وهنا تكلم النحاة في المسألة: هل يجوز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار؟ يعني هو يريد أن يقول ماذا؟ يقول: «بِهِ وبالأرحامِ»، ترجع «بِهِ» مرة أخرى.
واختلف الكوفيون والبصريون وما إلى ذلك وأحدثوا جدلًا حول هذه المسألة. فماذا نقول لهم؟ هذا نصٌّ معجز؛ نجعله الأساس والمعيار، ولا نجعله قابلًا للأخذ والرد. وهنا الشبهة [التي يتعلق] بها أعداء الإسلام، بارك الله.
قراءة حمزة حجة في جواز العطف والقرآن هو الأصل في النحو
هذا حمزة [بن حبيب] يقول: «والأرحامِ». أجل، يقول «والأرحامِ» وتبقى «والأرحامِ» صحيحًا. هو هذا العربي [الفصيح يقرأ]: «بِهِ والأرحامِ» من غير إعادة الباء، ومن غير [اشتراط] جواز العطف على الضمير. يبقى هو هذا الأصل وهذه الحجة.
دعنا من التخبط؛ لأن هذا تخبط لا داعي له. ولذلك فكّر العلماء في النحو القرآني؛ نحوٍ يكون أساسه القرآن، وسمّوه كذلك. وقالوا: لا، أيّ شيء في القرآن يبقى هو الصحيح والأساس.
نعم؛ لأنه في الأصل نصٌّ معجز جدًّا، معجز بحيث أنه لا يوجد شيء حوله [يُعاب]. ولم يجدوا في الوردة عيبًا فقالوا له: يا أحمر الخدين! ولكن هذا لم يعد وردة فحسب؛ وردٌ وياسمين ونرجس وأشياء جميلة وريحان. هذا كلام رب العالمين لكل العالمين.
حكم الوقف على كلمة والأرحام وقاعدة الوقف على السكون في العربية
«تساءلون به والأرحام»، وكثير من الناس لا تعرف ما المعنى عليها؛ لأنها موضع وقف. فنقول: «بِهِ والأرحامْ» نقف، ولا نقف على حركة.
قاعدة في اللغة العربية: هكذا يقول لك [النحاة]: ماذا عندما تأتي لتقف؟ تقف على السكون. فما نحن لا نقف على حركة؛ فلا يظهر هل عليها فتحة أم عليها كسرة. فكثير من الناس يقول لك: يعني ما أنا منتبه لها، هذه هي الأرحامَ [بالفتح] ولا الأرحامِ [بالكسر]؟
معنى اسم الله الرقيب ووجوب مراقبة العبد لأوامر الله تعالى
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
انظر المفتاح: «الرقيب»، فَعِيل يعني مراقِب لكم. فليكونوا [أي العباد] يراقبون أمره.
ما هو [معنى رقيب]؟ «رقيب» فَعِيل تصلح للفاعل والمفعول. اتّقِ الله وراقبه في عملك؛ لأنه ينظر إليك ولا تغيب عنه لحظة ولا أقل من ذلك، فهو رقيب.
انظر إلى التعبير: لم يقل «مراقِب»، لم يقل «مراقِب»، قال لك «رقيب».
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]
فاسلكوا طريق العدل كي يكرمكم الله. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
