سورة النساء | حـ 561 | 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 561 | 2 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • أمر الله تعالى في سورة النساء بإيتاء اليتامى أموالهم، وذلك ضمن البرنامج التفصيلي للاجتماع البشري.
  • رفع النبي صلى الله عليه وسلم مكانة كافل اليتيم حيث قال: "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة" وأشار إلى السبابة والوسطى.
  • كفالة اليتيم لا تقتصر على حفظ ماله والإنفاق عليه، بل تشمل الحنان والتربية والتوجيه وحفظه في عقله ودينه.
  • حذر الله من أكل مال اليتيم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فقال: "ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب".
  • نهى عن أكل أموال اليتامى بالحيلة كإدخال المال ضمن أموال الوصي.
  • وصف الله تعالى أكل مال اليتيم بأنه "حوب" وهي كلمة غير مألوفة الاستعمال تثير الانتباه وتحمل معنى الإثم العظيم.
  • استخدام القرآن لكلمة "حوب" يدل على فظاعة الاقتراب من مال اليتيم بغير وجه حق.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة في سورة النساء وبرنامج الاجتماع البشري وتقديم الأهم فالأهم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرسم لنا البرنامج التفصيلي للاجتماع البشري، ويقدم الأهم فالأهم، ويلفت أنظارنا لأمور قد نغفل عنها لكثرة الألفة أو لطول الألفة، فيقول:

﴿وَءَاتُوا ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ﴾ [النساء: 2]

بعد أن تحدث [الله سبحانه وتعالى] عن أصل الخلق تحدث عن اليتيم.

فضل كفالة اليتيم ومنزلة كافله بجوار النبي ﷺ في الجنة

والنبي صلى الله عليه وسلم يرفع من شأن اليتيم فيقول:

قال رسول الله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» وأشار إلى السبابة والوسطى.

كهاتين في الجنة، يعني بجانبي مباشرة. ما هذا! سيد الخلق في أعلى عليين في الفردوس الأعلى، ويكون بجانبه الجماعة الذين كفلوا اليتيم.

كفالة اليتيم الشاملة بالحنان والتربية وحفظ الدين والعقل والمال

وكفالة اليتيم ليست فقط بحفظ ماله، وليست فقط بالإنفاق عليه، وإنما بالحنان، وبالتربية، وبالتوجيه، وبحفظه في عقله وفي دينه بعد أن نحفظه في نفسه وفي حاله.

اليتيم عندما أمرنا الله سبحانه وتعالى بالأمر [بحفظ ماله] الذي قد يكون باب شر علينا نحن، وهو ماله الذي تركه له أبوه أو تركته له أمه، وأنه ضعيف وأنه غير قادر على الفهم ولا التصرف.

والمال المهمل يُعلِّم السرقة، ويأتي للإنسان كل تأويل حتى يهجم على مال اليتيم.

تحذير الله من الاقتراب من مال اليتيم وتقديمه على أحكام الزواج والميراث

حذرنا الله سبحانه وتعالى من هذا المدخل ومن هذا الباب، وجعله بعد تأصيل عقيدة الاجتماع البشري مباشرة؛ لمزيد من الاهتمام.

لنأخذ هكذا لنرى مراد الله عن اليتيم الآن: لماذا وقبل أن يتحدث عن أشياء مهمة؟ الزواج مهم، الميراث مهم، في أشياء أخرى كثيرة هنا مليئة بسورة النساء. لا، أول ما ينبهك [الله سبحانه وتعالى]: أنا أتحدث عن ماذا؟ وأتحدث عن الاجتماع البشري، ذهب إلى داخلك وجعل اليتيم أول شيء.

تفسير النهي عن استبدال مال اليتيم الطيب بالخبيث وقاعدة دخول الباء على المتروك

﴿وَءَاتُوا ٱلْيَتَـٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ﴾ [النساء: 2]

الباء تدخل [على] الشيء الذي ستتركه، يبقى هنا: أنت تركت ماذا؟ تركت الطيب وأخذت ماذا مكانه وأبدلت مكانه بماذا؟ بالخبيث. ولا يُبدَل الخبيث بالطيب.

فالقاعدة نقولها مرة أخرى ونحفظها: أن الباء تدخل على المتروك.

﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61]

فالباء دخلت على ماذا؟ على المتروك، إذن تركوا الخير. نعم، حسنًا.

النهي عن أكل مال اليتيم صراحة أو بالحيلة كإدخاله شريكًا

﴿وَلَا تَأْكُلُوٓا أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ﴾ [النساء: 2]

فيكون في أكل صريح: أذهب فأهجم على مال اليتيم وأصرف. وفي أكل ملتوٍ قليلًا [وهو] حيلة. قال لي [الله سبحانه وتعالى]: لا تعمل هذه الحيلة.

ما هي الحيلة؟ أُدخِل معي [اليتيم] شريكًا وآكل الشريك. نعم، فيكون أنا الذي فعلته أنا أكلت من مالي يعني، وأنت في الحقيقة آكلُ مال اليتيم.

يبقى التصريح والتلميح كما يقولون قُفِلا، حقيقة ومجازًا: لا تقترب من مال اليتيم صراحة، ولا تقترب من مال اليتيم بحيلة ولفٍّ ودوران. أنت حر.

معنى كلمة حوبًا وأثرها النفسي في التحذير من أكل مال اليتيم

﴿إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: 2]

الحوب هو الظلم والجور. ولذلك في هذه الألفاظ المباركات أمور: يقول لك إنه كان حوبًا، جورًا يعني، أو ظلمًا.

فلماذا لم يقل "ظلمًا كبيرًا" ويقول لك "حوبًا"؟ قال: هذا يسميه علماء الصوتيات مردود الكلمة ومردود اللفظ. عندما يقول لك "ظلمًا"، نعم أنت سامع هذه الكلمة مرة وعشرين وثلاثين وفاهم معناها وكل شيء، قُم تلاقيك لها يكون أقل انتباهًا والتفاتًا.

"أنه كان ظلمًا كبيرًا" حسنًا، ظلم كبير، تجاوزها. "أنه كان جورًا كبيرًا"، جورًا أي جور، أي ظلم أيضًا أم ماذا؟ هكذا، أي هو ماذا؟ لا أعرف، جور أي ظلم بالضبط أم جور يختلف عن الظلم؟ لكن سمعتها من قبل.

سر اختيار القرآن لكلمة حوبًا الغريبة لإحداث الرعب والالتفات في النفس

"أنه كان حوبًا"، حوب أي ماذا؟ عذاب! حوب أي ماذا؟ ظلم! حوب أي ماذا؟ أي ستوقعونني في داهية! حوب أي ماذا؟

قوم، مردود الكلمة يُحدث التفاتًا لغرابتها؛ لأنها ليست مستعملة استعمالًا شائعًا، وإنما مستعملة استعمالًا موجودًا ولكن تحتاج منك سؤالًا، فيحصل لك التفات. هكذا هو ماذا يعني هذا؟ أنا فعلت هذا! أنا أكلت مال اليتيم، إلى أين ستأخذونني!

إذن الكلمة عندما يكون لها دلالات خفية أو غير معروفة تكون أكثر تأثيرًا في النفس من ناحية الإبهام؛ أنت لا تعرف أين سيأخذونك، لا تعرف أين سيأخذونك. حوبًا يا هذا! هذه حوب، فما معنى هذا؟ ويحدث له رعب من كلمة حوبًا هذه.

دلالة استعمال القرآن لكلمة حوبًا على فظاعة الاقتراب من مال اليتيم

فيكون إذن استعمال القرآن لهذه الكلمة [حوبًا] يدلنا على فظاعة الاقتراب من مال اليتيم بغير وجه حق.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.