سورة النساء | حـ 564 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 564 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • أصل الزواج في الفطرة والخلق هو الوحدة، إذ خلق الله لآدم امرأة واحدة هي حواء.
  • التعدد جاء بشرط في قوله تعالى: "وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع".
  • وجود الشرط يدل على أن التعدد زيادة عن الأصل، فالشرط دائماً يكون زيادة على الأصل.
  • عندما ذكر الله "مثنى وثلاث ورباع" فهذا يشير إلى أن الواحدة هي الأصل لأنه لم يذكرها.
  • التعدد مرتبط أيضاً بشرط العدل، كما في قوله: "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة".
  • العدل مع الواحدة عدل ذاتي (النفقة والرعاية وحسن المعاشرة)، أما العدل مع التعدد فهو عدل المقارنة والمساواة.
  • قوله تعالى: "فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم" يؤكد أن الواحدة هي الأصل.
  • نظام الرق الذي كان موجوداً عند مجيء الإسلام يخالف أصل الخلقة، فالأصل في الناس الحرية.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية التعدد من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ﴾ [النساء: 3]

هل التعدد هو الأصل أم أن الزواج بواحدة هو الأصل في الفطرة؟

وهنا يسأل السائل: هل التعدد هو الأصل أم أن الوحدة [الزواج بواحدة] هي الأصل؟

وتحدثنا ونحن نشرح الآية الأولى أن التعدد يخالف أصل الفطرة وأصل الخلق؛ لأن الله عندما خلق لآدم خلق له واحدة هي حواء، خلقها من آدم، خلق آدم من تراب وخلقها هي من آدم.

وكان [الله سبحانه وتعالى] قادرًا على أن يخلق منه نساءً كثيرات، لكنه لم يفعل. فدلّ ذلك على أن أصل الخلقة أن يتزوج الرجل بامرأة [واحدة].

اشتراط الآية شرطًا للتعدد يدل على أن الأصل الزواج بواحدة

وهنا تأكيد لذلك [أن الأصل الزواج بواحدة]؛ لأنه قال:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 3]

أي يضع شرطًا، وما دام هناك شرط فهناك زيادة عن الأصل. فالشرط زيادة عن الأصل، وكل شرط زيادة عن الأصل.

مثال الوضوء كشرط زائد عن الأصل لتوضيح معنى الشرط

يعني أننا قائمون من النوم، هكذا هو الأصل، ها نحن قائمون منتبهون. يا فتاح يا عليم، يا رزاق يا كريم، بسم الله الرحمن الرحيم.

فأحدهم يقول لي: صلِّ. أقول له: حسنًا، حاضر، ها توكلنا على الله أكبر. يقول لي: لا، قبل أن تصلي توضأ. نعم، إذن الوضوء شرط في الصلاة، إذن هو خلاف الأصل.

إذن نحن غير متوضئين، الأصل فينا أننا غير متوضئين، عندما نفتح أعيننا هكذا هو ما نحن نستقبل اليوم، هو على بياض هكذا غير متوضئين. وعندما جاء الشرط جاء ماذا؟ زيادة على الأصل.

الأصل في الزواج واحدة والتعدد زيادة مشروطة عن الأصل

الرجل والمرأة يتزوجان: الرجل يتزوج امرأة واحدة، والمرأة تتزوج رجلًا واحدًا، هذا هو الأصل.

﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ [النساء: 1]

يأتي الشرط إذن:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 3]

واحدة؟ لا، ما قال واحدة؛ لأن الواحدة هي الأصل. قال: مثنى. إذا لما ذكر كلمة مثنى كان ذلك دليلًا على أن الأصل واحدة.

التعدد خلاف الأصل خلقةً وحكمًا لأنه مرتب على شرط

تريد أن تعمل مثنى فيبقى هناك شرط، ثلاثة رباع فيبقى في شرط، فيبقى التعدد خلاف الأصل.

طيب، الأصل الواحدة خلقةً، والأصل الواحدة حكمًا؛ لأنه رتّب التعدد على شرط، والشرط طلب زيادة. يلزم أن يكون في الشرط طلب زيادة مثل الوضوء [شرط زائد عن أصل الحال]. هكذا:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ [النساء: 3]

هذا هو الشرط.

﴿فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ﴾ [النساء: 3]

شرط العدل في التعدد وأنه زيادة تؤكد أن الأصل الواحدة

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 3]

هذا رقم ثلاثة، إذن الذي يؤكد هذه الوحدانية [أن الأصل الزواج بواحدة]:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 3]

لماذا؟ هل المثنى لازم نعدل؟ قال: ما يبقى في مقارنة، هاهو واحدة في مقابل واحدة. طيب ماذا نفعل؟ قال: لازم تعدل. إذن يبقى العدل شرط، والشرط زيادة أم لا؟ زيادة على الأصل، يبقى الأصل الواحدة.

خفت أن أنت لا تأتي بهذا الشرط الثاني الذي هو شرط العدالة:

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَٰحِدَةً﴾ [النساء: 3]

الفرق بين العدل الذاتي مع الواحدة والعدل المقارن مع التعدد

فهل الواحدة ليس معها عدل؟ نعم، هذا عدل ذاتي، لكن ذلك عدل مقارن. انتبه، أنت مأمور بأن تعدل مع الواحدة، أي أن تنفق عليها، وأن ترعاها، وأن تعاملها وتعاشرها بالأخلاق الحسنة.

قال رسول الله ﷺ: «خياركم خياركم لأهله، وأنا خيركم لأهله»

فما معنى ذلك؟ حسن الخلق.

أما العدل الثاني الذي نتحدث عنه فهو عدل المساواة، عدل المقارنة، أي أن هذه تقارن بهذه وهذه تقارن بهذه. فيجب إذن أن تمسك ميزانًا وتضع هذه في كفة وتزنها تمامًا مع الناحية الأخرى في كفتها.

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 3]

عدل المقارنة هذا، فواحدة.

الخوف من عدم حسن الخلق مع الواحدة وبديل ملك اليمين في نظام الرق

لكن أنا خائف أيضًا، أنا لا أعرف أُحسن الخلق مع المرأة الواحدة أو أكلّفها ما لا تطيق. فربنا سبحانه وتعالى لما جاء الإسلام كان هناك نظام الرق.

والرق طائفة من البشر اعتادت على ذلك، ونتج رقّها من الحروب أساسًا. لكن نفسية العبيد كانت نفسية قابلة للطاعة المطلقة ولهضم كثير من الحقوق.

ولذلك شاع في طبقة العبيد شيء من سوء الخلق ومن التفلّت والتسيّب، ليس شأنهم شأن الأحرار الذين كانت لديهم عزة وكانت لديهم كرامة، وكان أيضًا لديهم حقوق يطالبون بها، وكان عليهم واجبات يقومون بها.

طبيعة واجبات العبيد وحقوقهم المنتقصة ومخالفة الرق لأصل الخلقة

لكن طبقة العبيد واجباتهم من النوع الدنيء، نوع الخدمة: ينظّف ويمسح ويطبخ ويغسل ويعمل، وليس من النوع صاحب المهام الكبيرة.

وكانت حقوقهم أيضًا منتقصة إلى حدٍّ ما. ولذلك هذا الرق ضد أصل الخلقة. لم تستعبدون الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟

وعندنا أيضًا شيء يقول لك: الحر لا يدخل تحت اليد، يعني لا تستطيع أن تحوّل إنسانًا حرًّا إلى عبد.

قاعدة أن الحر لا يدخل تحت اليد وأحكام العتق وبطلان بيع الأحرار

والعبد لا تستطيع أن تحوّله حرًّا [بمجرد إرادتك]، أنت أعتقته لوجه الله، فماذا؟ يعتق بمجرد أن فمك يعمل هكذا؟ إذن هو حرٌّ؛ لأن أصله حر.

أما العبد فأحضر واحدًا هكذا حرًّا وقل له: أنا ضربت عليك الرق، فلا ينفع، كلامك باطل. فأنا أعطيت لأبيه واشتريته، والحوادث التي من هذا القبيل يقول لك: هذا باع ابنه، لا يجوز أن يبيع ابنه.

لكن هذا الابن ملكي أنا، ابني أنا. والأموال التي أخذتها؟ لا قيمة لها، هذه هبة إذن، فلا تؤاخذني. أي أن المشتري الساذج الذي اشترى [خُدع]، وهكذا فالحر لا يدخل تحت اليد.

خاتمة الدرس والعودة إلى حكم الواحدة أو ملك اليمين عند الخوف من عدم العدل

﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ [النساء: 3]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم السلام ورحمة الله.