سورة النساء | حـ 565 | 3 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تناولت الآية الكريمة في سورة النساء قضية تعدد الزوجات كنظام عرفته البشرية عبر التاريخ.
- •أباحت معظم الحضارات والأديان كالفراعنة واليهودية والإسلام تعدد الزوجات للحفاظ على هيكل النسب.
- •سبب إباحة تعدد الزوجات دون تعدد الأزواج هو أن المرأة هي التي تحمل وتلد، فتعدد الرجال يؤدي لضياع النسب.
- •اختلفت المسيحية عن اليهودية والإسلام بعدم إباحة التعدد وتحريم الطلاق خاصة عند الكاثوليك.
- •تبين من دراسة الشعوب البدائية أن تعدد الأزواج كان نادراً جداً وارتبط بغياب فكرة السكن والبيت.
- •يؤكد القرآن أهمية السكن في العلاقة الزوجية كما في قوله تعالى "وجعل لكم من أزواجكم سكناً".
- •يشير النص إلى خطورة دعوات "الجندر" التي تهدف إلى تفكيك نظام النسب والأسرة.
- •يمثل الحفاظ على النسب والأسرة ركيزة أساسية في بناء المجتمعات واستقرارها.
مقدمة في نظام تعدد الزوجات عبر التاريخ البشري والحضارات القديمة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يتحدث ربنا سبحانه وتعالى عن آية جليلة عالجت التعدد [تعدد الزوجات]. والتعدد نظام عرفته البشرية واختلفت فيه؛ فأكثر البشر أجازوا تعدد الزوجات للرجل الواحد، وأجازوا ذلك عبر التاريخ.
فترى الفراعنة القدماء وأهل الصين وأهل الهند يعددون في الزوجات. ومبنى هذا قضية النسب؛ فإن المرأة هي التي كتب الله عليها الحمل والولادة، والرجل ليس كذلك لا يحمل ولا يلد. فلو عددنا الرجال [أي أبحنا للمرأة تعدد الأزواج] ضاع هيكل النسب، ولو عددنا النساء [أي أبحنا للرجل تعدد الزوجات] بقي هيكل النسب.
فأقرت النظم والأديان هذا الكلام، وعددوا الزوجات حفاظًا على النسب، ووحدوا الزوجة [أي منعوا تعدد الأزواج] حفاظًا على النسب. فترى هذا أيضًا عند اليهود.
موقف المسيحية من التعدد والطلاق والفرق بين الكاثوليك والأرثوذكس
ولما جاءت المسيحية رأت رأيًا آخر فيما شُرع لهم، أو شرعوا هم هذا الحكم، بأن الرجل الواحد تكون له امرأة واحدة. مع هذا حرّموا الطلاق.
ولذلك تجد الطلاق موجودًا في الديانة اليهودية، وتجده موجودًا في الديانة الإسلامية، لكن التعدد موجود في الديانة اليهودية، والتعدد موجود في الديانة الإسلامية. والمسيحية ألغت التعدد وألغت الطلاق.
حتى قالت فرقة الكاثوليك: لا طلاق على الإطلاق، أي أنه لا يوجد طلاق أبدًا، انتهى، ما جمعه الله لا يفرقه البشر، لا طلاق على الإطلاق. وقالت فرقة الأرثوذكس: لا، يوجد طلاق ولكن في حالتين نصّ عليهما الكتاب المقدس، والحالتان هاتان منهما كذا وكذا، لن ندخل في هذه الأحكام.
مقارنة بين الشرائع الثلاث في الطلاق والتعدد وموقف الشعوب البدائية
إذن يبقى إذن الطلاق والتعدد في الشريعة اليهودية وفي الشريعة الإسلامية، وفي الشريعة المسيحية لا يوجد لا طلاق ولا تعدد.
هذا نظام، عندما اطلعنا على الشعوب البدائية التي لم يصلها العلم ولم يصلها الفكر ولم يصلها حتى أديان، مثل سكان الماكو في مستنقعات الأمازون في أمريكا الجنوبية، ومثل بعض مجاهل أستراليا عندما اكتُشف السكان الأصليون في تسمانيا، وكذلك في شعوب بدائية، وجدنا قليلًا جدًا ممن أباح تعدد الأزواج [أي أن تتزوج المرأة أكثر من رجل].
العلاقة بين فقدان السكن وتعدد الأزواج عند الشعوب البدائية ومفهوم السكن القرآني
وارتبط هذا [تعدد الأزواج عند تلك الشعوب] بشيء غريب عجيب وهو فقدان السكن.
ماذا يعني فقدان السكن؟ يعني أنه ليس لهم بيت. عندما دخلنا على هؤلاء الناس في هذه القبائل البدائية لم نجد لديهم فكرة البيت، ولذلك كلهم متزوجون كلهم في ذلك [أي في تعدد الأزواج].
الله سبحان الله، يعني كأن هذا السكن كأن لها علاقة مع النسب ومع الأسرة ومع علاقة الرجل بالمرأة. انظر كيف هذه [المفاهيم] مع بعضها البعض.
ولذلك الله سبحانه وتعالى جعل لنا من أزواجنا سكنًا. الله لماذا سكن؟ يعني لماذا لم يقل هدوءًا؟ لماذا لم يقل راحة؟ لكي يُفهمنا أن كلمة سكن لها علاقة بالرجل والمرأة. أصل هذا كلام رب العالمين، وكل فترة قصيرة تكتشفه في العالم هكذا هو أمامك.
آية التعدد في سورة النساء وحكمة تعدد الزوجات دون الأزواج حفاظًا على النسب
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 3]
يقول لك [الله سبحانه وتعالى]:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِى ٱلْيَتَـٰمَىٰ فَٱنكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَٰحِدَةً﴾ [النساء: 3]
التي هي الأصل [أي الزوجة الواحدة]، أو ما ملكت أيمانكم.
حسنًا، أنت عددت في النساء ولم تعدد في الرجال، لماذا؟ تجيبه فورًا وتقول له: لأجل عمود النسب. انظر كيف يكون الرد.
لماذا لم تُبِح للمرأة خمسة رجال أو أربعة رجال أو كذلك؟ لعمود النسب، حتى نحافظ على النسب.
دعاة الجندر وهدم النسب والأسرة وخطورة ذلك على بنية الدولة والمجتمع
ولذلك الجماعة الآن الذين يدعون إلى الجندر يقولون لك: يا أخي قضية النسب هذه هي التي تعقّدنا قليلًا، فلماذا؟ تعال نحرر البشرية.
كيف تحررها؟ قالوا لك: ألا يكون له لا أب ولا أم ولا عم أم خال أم شيء آخر. حسنًا ما دمت كذلك فإنك تكون قد فككت الأسرة. قال: ما نفكك الأسرة. قلنا له: إنك كذلك تكون قد فككت الدولة؛ لأن هذه الأسرة فيها انتماء، فأنت تذهب لتدافع عن بلدك.
قال: دعنا من الدفاع ودعنا من هذا، ولنجعل كل واحد برأسه ولا يعلم من أبوه، من عمه، من خاله. أي اقضوا على هذه القرابة والنسب.
تحذير من فوضى إلغاء النسب وعجز القوانين الغربية عن تحمّلها والخاتمة
فواحد منهم خرج وقال: انتبهوا يا إخواننا، إن القوانين السائدة في عالمنا في أمريكا أو في لندن أو في باريس، أي وليس في عالم المسلمين، لا تتحمل هذا، لا تتحمل هذه الفوضى. فانتظروا حتى نبتكر قوانين تتحملها وعندئذ نفعلها.
حسبنا، حسبنا الله ونعم الوكيل، سيغنينا الله من فضله ورسوله. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
