سورة النساء | حـ 566 | 4 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرسم لنا بالتفصيل العلاقة بين الرجل والمرأة بإعتبارها أساسا من أسس المجتمع بل والاجتماع البشري كله ويتحدث عن قضية الزواج التي تتكون الأسرة من خلاله حتى يكون فارقا بين الحلال والحرام، ويتحدث ايضا عن أركان وشروط ومستلزمات ذلك الزواج فيقول: "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا" [النساء: ٤]
إذاً هذا فعل أمر: "آتوا" والأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة تدل على غير ذلك؛ والمقام هنا مقام خطير لأن عقد الزواج يخالف سائر العقود بشدة أهميته، فهناك عقد البيع لكن عقد الزواج أهم منه، وهناك عقد الإجارة والهبة والوصية، لكن عقد الزواج أهم من كل تلك العقود لتعلقه بآثار كثيرة: من حل الإستمتاع ومن النسب ومن
النفقة ومن العلاقات الاجتماعية ومن الحلال والحرام فهو في غاية الأهمية؛ وآتوا النساء صدقاتهن يستفيد منها القارئ المطلع السامع لكتاب الله سبحانه وتعالى أن المهر فرض على الرجل للمرأة؛ وحتى لا يقوم أحدهم ويكون الأمر محل خلاف ونظر ويقول: إن فعل الأمر يأتي أيضا لغير الوجوب؛ فقد يأتي للإرشاد أو كنافلة للندب وقد يأتي لغير ذلك، وحتى لا نختلف فقال: "نِحْلَة" وكلمة
نحلة سدت القرائن الخارجية والداخلية -التي خارج النص وداخل النص- من أن تصرف ذهنك عن الوجوب وأكدت الوجوب المتضمن في فعل الأمر وآتوا النساء صدقاتهن نحلة وكلمة نحلة نراها أنها من مادة (ن ح ل) والنحلة هي الفريضة وهي المذهب المؤكد أي الملة وهي الديانة؛ ومن هذه المادة (النون ؛الحاء واللام) جاءت تسمية النحل والنحل
يجلب لنا العسل أي أن النون؛ والحاء واللام هذه تشعر فيها بالقوة على هذا الترتيب، وتشعر فيها بالاتساق. وما بها عسل نحل ,و المذهب الخاص بك أي النحلة الخاصة بك تعني ملة الإسلام ودين الإسلام ونحلة الإسلام، أي أن مذهبي وما أتمسك به وأعتقد فيه هو الإسلام لكن عندما تعكس كلمة (نحل) تجدها لحن، (اللام ؛الحاء والنون) واللحن يعني الضعف والنحل قوة لأننا قمنا بعكسها فالنحلة
هذه فيها قوة، العربي الأول عندما يسمع هذه الكلمة يحدث بداخله شعور بأن هذه المسألة قوية أي أنها ليس فيها مزاح لذا يجب أن تنفذ هكذا تعبدا لله، فإن لم تنفذ فثمة معصية فثمة لذلك فالرجل يجب أن يعطي المرأة حقها أي أن هذا ركن من الأركان والإسلام دين عالمي متجاوز للزمان والمكان يخاطب الناس من السكان الأصليين في المجاهل والغابات ويخاطب
العلماء ويخاطب الأتقياء والذين هم متوسطون والذين هم أقل ومعنى ذلك أن الزواج لا يتم إلا عندما يكون الشخص مهرا، فيصبح المهر ركنا من أركان العقد لا ينعقد إلا به. وبعد أن تحدث الله عن كونه فرض وواجب ومؤكد أن الله بدأ يفتح قليلا فإذا حدث أن رجلا أحب امرأة وليس معه مال فماذا يفعل؟ وهي تحبه حبا شديدا فيقول: "فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا" [النساء: ٤]
لابد أن نري أنه لا يعرف أحد من أصحاب القوانين أن يجعل هذه القضية واجبا وفرضا ولكن هناك إستثناء لكي يتجاوز بها الزمان والمكان حتي مع بقاء الوجوب على حاله، ويبقي كما هو نحلة ومأمورا به لكن إذا اتفق الاطراف فيصبح وضع آخر ومن هنا رأى كثير من العلماء أن المهر ليس ركنا في العقد، وإنما هو من آثار العقد فهو واجب لكن نتيجة عن العقد ليس ركنا فيه العقد؛ لأنه لو كان ركناً ما جاز أبداً التنازل عنه، فلما أجاز التنازل عنه فلا يعد ركنا لكنه
واجب وهذا يؤيد كلام الشافعية: أجل؛ أنه نحلة هنا هي واجب المهر لكنه ليس ركنا من أركان العقد "وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا" [النساء: ٤] ننتبه لقوله عز وجل "عن شيء منه فهذا يعد تنازل جزئي لكن إذا سألنا والشيء منه هذا يصل إلى أي حد؟ لم يذكر في الآية الكريمة لذا فيمكن أن يكون المهر كله هذه جهة أولى أن الله يسر فتح بعد ما ألزم وترك اللزوم على لزومه، جعل هناك إستثناءات لكي يبقى الإسلام دين يسر، وحتي يكون الزواج ميسرا؛ وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن المغالاة في المهور علي الرغم من أنه يؤكد
على اللزوم فيقول: "التمس ولو خاتما من حديد" صحيح البخاري. فيشير الرسول إلي ضرورة تقديم المهر ولو شيئا بسيطا حتي يبقي اللزوم كما هو حفاظا علي عزة المرأة التي يحرص عليها الإسلام ولقد ظلت المرأة مكرمة عند المسلمين وإن شاء الله يكون ذلك إلى يوم الدين. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.