سورة النساء | حـ 571 | 6 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يفصّل الله في سورة النساء أسس الاجتماع البشري المرتبطة بسننه الكونية، وهذه الأنظمة غير قابلة للتعديل عند المسلمين كأنصبة الميراث.
- •الأمن الاجتماعي أساس من أسس أحكام المسلمين، ومن ذلك رعاية اليتيم ماليًا وعاطفيًا.
- •للكفالة أربع حالات: الأولى إذا كان اليتيم والكافل أغنياء، فيحفظ مال اليتيم وينفق الكافل عليه متعففًا حتى يبلغ الرشد.
- •الثانية إذا كان اليتيم غنيًا والكافل فقيرًا، فيجوز للكافل الأكل من مال اليتيم بالمعروف.
- •الثالثة إذا كان اليتيم فقيرًا والكافل غنيًا، فهذا محمود لكفالته من لا يملك شيئًا.
- •الرابعة إذا كان اليتيم والكافل فقيرين، فأجرهما عند الله.
- •عند دفع المال لليتيم بعد بلوغه، ينبغي الإشهاد على ذلك لحماية الكافل من كلام الناس.
- •يجب اختبار اليتيم قبل تسليمه المال للتأكد من رشده في التعامل مع الحياة.
مقدمة في سورة النساء وأسس الاجتماع البشري في القرآن الكريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، حيث يوضح لنا الله سبحانه وتعالى أسس الاجتماع البشري بالتفصيل. وإذا ما فصّل الله سبحانه وتعالى في كتابه شيئًا، فإنه يكون مرتبطًا بسننه الكونية التي لا تنتهي إلى يوم الدين؛ لأن القرآن تجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
وإذا فصّل الله سبحانه وتعالى نظامًا، فإنه نظام غير قابل عند المسلمين للتعديل أو المناقشة أو الزيادة أو النقصان، ويكون مرتبطًا بفعل الله في البشر. ولذلك لا نستطيع أن نستجيب لمن يطالب بتغيير أنصبة الميراث؛ لأنها ذُكرت بالتفصيل في القرآن الكريم.
الأمن الاجتماعي أصل من أصول الإسلام وآية ابتلاء اليتامى
يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يفصّل لنا العلاقة الاجتماعية التكافلية، وأن الأمن الاجتماعي الذي استوردناه من الغرب ومن الشرق إنما هو أساس من أسس أحكام المسلمين وإرشاد ربهم لهم:
﴿وَٱبْتَلُوا ٱلْيَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَٱدْفَعُوٓا إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: 6]
أمر [الله سبحانه وتعالى] بأن يقوم المجتمع في أفراده ومؤسساته برعاية اليتيم.
كيفية رعاية اليتيم بالحنان والأمان وفضل كافل اليتيم
كيف نرعى اليتيم؟ رعاية اليتيم تكون بالحنان وإشعاره بالأمان، فمن وضع يده على رأس يتيم كان له بكل شعرة من رأسه حسنة.
قال رسول الله ﷺ: «أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة» ويشير بإصبعيه الشريفين صلى الله عليه وسلم.
فكافل اليتيم ليس فقط يكفله في المال؛ فقد يكون اليتيم غنيًا وقد يكون الكافل فقيرًا.
الحالة الأولى في كفالة اليتيم: اليتيم غني والكافل غني
يبقى لدينا أربع أحوال على الفور، ما دام هناك يتيم وكافل وغني وفقير، اثنان في اثنين بأربعة.
الحالة الأولى: اليتيم غني والكافل غني. ماذا سنفعل في هذه الحالة؟ التي أدركناها من مشايخنا وآبائنا، كانوا عندما يحدث ذلك يأخذون مال اليتيم ويضعونه في صُرّة ويُغلقونه هكذا ويضعونه في الخزانة؛ الألماس والحُلي، إذا كانت أسهم شركات أو شيء، عقد لقطعة أرض، ليس لنا أن ندخل فيها.
ويقوم الكافل بالإنفاق على اليتيم من بدايته إلى نهايته؛ لأنه يتعفف كما أمرت الآية.
اختبار اليتيم عند بلوغه سن الرشد وتسليمه ماله بشهادة شهود
وعندما يبلغ اليتيم سن الرشد، يختبرونه في شيء بسيط في شأن التعامل والتجارة والصناعة ومعايشة الحياة، أي التعامل في الحياة هكذا: أغبيٌّ أم نجحت فيه تربيتنا؟
فإذا وجدوه رشيدًا سلّموه المال، لكن بشهادة شهود؛ حتى يتبرأ الكافل الذي كان وصيًا على ذلك الولد من كل تهمة.
ناظر الوقف متهم، وقابل الأمانة والوديعة متهم، وكافل اليتيم متهم من الناس. يعني بينه وبين الله نعم لا شيء عليه، لكن الناس تُشكّك فيه.
واوات الحتوف الأربعة: الوكالة والوصية والوديعة والوقف
فهذه يقولون عنها واو الوصية والوكالة والوديعة والوقوف، واو واو واو واو، أربعة من الحتوف. يعني هذه الأربعة: الوكالة والوصية والوديعة والوقف، يعني تحيط بهم المخاطر.
فالذي يريد أن يتجرأ عليهم فليفعل حسابه على أن الناس ستتحدث عنه. ولكي لا يتحدث الناس عنه، فيكون هناك تسليم وشهادة.
الحالة الثانية: اليتيم غني والكفيل فقير وحكم الأكل بالمعروف
الصورة الثانية: اليتيم غني لكن الكفيل فقير. وهنا أجاز الله له أن يأكل ولكن بالمعروف.
مقابل المعروف ما هو؟ والمعروف ما هو؟ إذا طبخ طبخًا ويجلب فيها لحمًا، فيأكل معه قطعة له وقطعة لليتيم؛ لأنه ينبغي ألا يشعر اليتيم بأنه شيء ثقيل في البيت. لا أبدًا، هذا واحد من الأفراد ونأكل مع بعضنا البعض.
ولكن لا داعي لأن تذهب وتشتري كبابًا وكفتة، لا داعي لأن تذهب وتبذّر وتقول قبل أن يأتي الموعد: هذا الولد أصبح عمره ثمانية عشر عامًا، قبل هذه السنوات الثلاث لا ينتهون، دعونا ننتهي ونستمتع قليلًا. لا تقل هكذا!
وهذا الذي يقول ماذا:
﴿وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ [النساء: 6]
ويقول له:
﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6]
رأيناها.
﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6]
الحالة الثالثة والرابعة في كفالة اليتيم وحكم الإشهاد عند تسليم المال
الحالة الثالثة: اليتيم فقير ليس معه مال والكافل غني. نعم، الحمد لله، هذه لن يلومه أحد على هذا، بل سيقولون له في كل مرة: كثّر الله خيرك؛ لأنك أخذت هذا الولد الذي لا يملك شيئًا، يا مولانا، كما خلقتني إلى آخر الكلام الذي نقوله.
الحالة الرابعة: هي أن يكون اليتيم فقيرًا والكافل فقيرًا، فيكون أجري وأجره عند الله، وهكذا تتربى معنا، واللقمة الهنية تكفي مائة.
﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: 6]
فالشهادة هنا ليست واجبة، وإنما هي لتسلية خاطر الكافل؛ حتى لا يتحدث عنه الناس.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
