سورة النساء | حـ 572 | 7 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يؤسس القرآن الكريم للعلاقة الاجتماعية بين الرجال والنساء على قاعدة المساواة والعدالة، وليس التساوي المطلق.
- •هناك فرق بين المساواة والتساوي؛ فالمساواة تحقق العدل، بينما التساوي قد لا يحققه لأنه لا يراعي الوظائف والخصائص المختلفة.
- •قال تعالى: "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون"، فساوى بين الجنسين في أصل الميراث.
- •أحياناً يتساوى الرجل والمرأة في الميراث كالأم والأب (لكل منهما السدس)، وأحياناً يأخذ الرجل ضعف المرأة (للذكر مثل حظ الأنثيين).
- •هذا التقسيم ليس تمييزاً ضد المرأة، بل تنظيم عادل يراعي التكاليف الشرعية، كدفع الرجل المهر والنفقات وقيامه على العائلة.
- •الإسلام يكرم المرأة ويرفع شأنها، خلافاً لبعض المصادر التي تنتقص منها.
- •الميراث يتعلق بما يُترك بعد الوفاة وليس بما يُملك في الحياة، فلا سلطة للأبناء على ممتلكات آبائهم في حياتهم.
مقدمة حول تأسيس القرآن للعلاقة بين الرجل والمرأة على المساواة لا التساوي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يؤسس للعلاقة الاجتماعية والاجتماع البشري بين الرجل والمرأة، يقول قاعدة عامة فيها المساواة وفيها العدالة، ولكن ليس فيها التساوي.
إذن هناك فرق بين المساواة وبين التساوي؛ أرشدنا [الله سبحانه وتعالى] إلى المساواة ونفى التساوي؛ لأنه خلق الخلق على غير التساوي، إنما خلق الخلق على العدل وجعل العدل أساس الملك سبحانه وتعالى.
الأمر الإلهي بالعدل حتى مع الأعداء والفرق بين المساواة والتساوي في تحقيق العدل
وأمرنا [الله سبحانه وتعالى] بالعدل حتى مع العدو:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلْإِحْسَـٰنِ وَإِيتَآئِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنكَرِ وَٱلْبَغْىِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90]
فكذلك ولأنه أمر بالعدل فقد أمر بالمساواة لا التساوي؛ لأن المساواة هي التي تحقق العدل، ولكن التساوي قد لا يحقق العدل؛ لأنه لا يكون متكافئًا، ولا يحقق الوظائف والخصائص والمراكز التي أرادها الله تكاملًا، وأراد الله بها التعارف والتعاون، وأن تدور وتتداول الأيام لعبادته وعمارة الأرض وتزكية النفس.
آية المساواة في الميراث بين الرجال والنساء مع بيان الفرق بين المساواة والتساوي
ولذلك يقول [الله تعالى]:
﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: 7]
إذن فقد تكلم على الرجال والنساء معًا وساوى بينهم مساواةً، ولم يساوِ بينهم تساويًا. ولذلك سنفسر هذا الكلام فيما سيأتينا في سورة النساء.
فرأيناه مرة يعطي الرجل مثل المرأة، فأعطى الأم السدس والأب السدس، وجعل الإخوة لأم شركاء فتساووا؛ لأنها من قبيل المساواة لا التساوي، أي يمكن أن يكون التساوي مساواةً، لكن ليس كل مساواة تساويًا.
معنى المساواة في الميراث وتكليفات الرجل المالية التي تبرر اختلاف الأنصبة
وجعل [الله تعالى] للذكر مثل حظ الأنثيين، فقال:
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]
إذن لا يوجد تساوٍ لكن يوجد مساواة. ما هي المساواة؟ أنه أعطى الرجل وأعطى المرأة، لكن لم يساوِ بينهما؛ جعل الرجل يأخذ ضعفين نصيبين، وجعل المرأة تأخذ نصيبها.
وذلك في ظل كلام طويل عريض من التكليف الذي على الرجل؛ من أنه يدفع المهر، وأنه يدفع النفقات، وأنه هو الذي يقوم بالعائلة، وأنه يجب عليه ويجب عليه ويجب عليه. قد لا يترك الإنسان شيئًا، لكن أيضًا الرجل واجب عليه كل هذا.
الإسلام ليس ضد المرأة والرد على من يزعم أن المرأة شيطان أو أقل مكانة
إذن فهذا تنظيم لا علاقة له بفكرة العرقية، يعني الإسلام ليس ضد المرأة لأنها امرأة. ليس كما ورد في بعض المصادر [غير الإسلامية] أن المرأة شيطان، ليس كما ورد فيمن يصلون في الصباح ويقولون: "الحمد لله الذي خلقني ذكرًا ولم يخلقني أنثى".
حسنًا، وماذا ستقول المرأة في الصلاة؟ تخيل أن سورة الفاتحة فيها آية تقول: "الحمد لله الذي خلقني ذكرًا ولم يخلقني أنثى"، حسنًا وماذا ستقول المرأة؟ لا تصلي؟!
لا، نحن لدينا امرأة تصلي، والفاتحة التي نقولها ليس فيها كلام مثل هذا. سورة الفاتحة تقول:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الفاتحة: 1-2]
شمولية القرآن للعالمين جميعًا وتكريم المرأة في الإسلام خلافًا لغيره
وفتح القرآن فتحه وجعل يده مفتوحة للعالمين، وفي آخرها آخر القرآن ماذا يقول؟ وكأنه يودع الناس:
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ﴾ [الناس: 1]
ليس برب المؤمنين ولا برب المسلمين، فبدأ بالعالمين؛ يعني كل جن وإنس، مؤمن كافر، رجل امرأة. انظر إلى الكلام!
ولكن هناك [في غير الإسلام] ماذا يقول؟ يقول لك: "الحمد لله الذي خلقتني ذكرًا ولم تخلقني أنثى". حسنًا، والمرأة كيف ستصلي؟ لا تصلي، ليست مكلفة، هذه المرأة شيطانة!
أما في الإسلام لا، المرأة ليست شيطانة. في الإسلام:
﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: 7]
حكمة فرض الميراث من الله وعدم تركه لأهواء البشر لتقرير العلاقة الاجتماعية
جعل [الله تعالى] نصيب كل فرد في الميراث فرضًا، ما تركت لنا [أي لم يترك تقسيم الميراث لأهوائنا وآرائنا]، فيأخذها الولد الكبير، يأخذها الولد الفقير، يأخذها الولد الذي يحتاج. أبدًا!
لماذا هذا؟ لكي يُقِرَّ العلاقة الاجتماعية بين الرجل والمرأة التي هي أساس الاجتماع البشري، وأن الأصل فيه المساواة. ولكن:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]
لا تخلطوا الأمور، كل واحد يقوم بالدور الذي خلقه الله فيه:
﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 7]
الفرق بين الملك والتركة وأن حق الأولاد في الميراث مما ترك لا مما ملك
إذن نحن عمَّ نتحدث هنا؟ ترك وليس ملك. إذن يوجد فرق بين ترك وبين ملك.
أولادي لهم حق فيما أملك أم فيما أترك؟ قال: لا، فيما تترك وليس فيما تملك. فيما تملك إذن سنجعل للأولاد سلطة على الآباء في تصرفاتهم، فعندما أريد بيع بيت يقول لك الولد: لماذا تبيعه؟ هذا ملكي وسآخذه من بعدك!
ولذلك أدعي ليل نهار أن تموت لكي أرث منك، وبهذا تفسد الأرض. إذن فسدت الأرض! أتتدخل في ملك الغير؟! لا يجوز. أتتمنى وفاة أبيك وأمك من أجل حطام الدنيا؟! شكلها سيء جدًا.
الميراث يكون مما ترك لا مما ملك والرد على من يطالب بميراثه في حياة والديه
فكيف تكون العلاقة إذن؟ العلاقة إنه إن شاء الله مما ترك لا مما ملك.
كثير من الناس يسأل يقول: أنا الآن أولادي يقولون إن الميراث الخاص بهم ميراث! أين الميراث الخاص بهم؟ هل ماتت أمهم؟ قال: لا، الحمد لله أمهم حية. فإذن هل مات أبوهم؟ قال: لا، أنا أبوهم.
فإذن كيف يكون ميراثًا؟ إذن لا يوجد ميراث بل يوجد ملك. وهذه المسألة تحتاج إلى تفصيل؛ لأن أناسًا كثيرين يسألون عنها، فسنجعلها لحلقة قادمة.
ونستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
