سورة النساء | حـ 575 | 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير آية "وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه" بالتفريق بين الوارثين وغير الوارثين.
- •الأقارب الوارثون من الرجال هم عشرة: الأب وإن علا، والابن وإن نزل، والأخ وابن الأخ، والعم وابن العم، والزوج والمعتق.
- •الوارثات من النساء سبع: البنت، وبنت الابن، والأم، والزوجة، والجدة، والمعتقة، والأخت.
- •الأقارب غير الوارثين كالخالة وبنت الأخ وبنت الأخت وابن الأخت يستحقون نصيباً من التركة عند حضورهم القسمة.
- •العطاء قد يكون مالاً أو عيناً كخاتم أو كتاب أو سلاح.
- •أهمية رعاية اليتامى ذُكرت ثلاث مرات في نص قصير، مما يدل على أهميتها في الإسلام.
- •النبي صلى الله عليه وسلم اهتم بالأطفال، كإطالة سجوده عندما كان الحسن على ظهره.
- •ينبغي الرزق من التركة مع القول المعروف دون المنّ أو الأذى.
- •التكافل الاجتماعي والمحبة أساس قيام المجتمع البشري.
مقدمة تفسير آية حضور القسمة في سورة النساء وتهيئة الناس لقسمة التركات
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يهيئ الناس لقسمة التركات:
﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8]
هذه المرة هناك «وارزقوهم» فيها. عندما تكلمنا عن المال الذي سنأخذه من السفيه الذي لا يحسن تدبيره ونعمل به، فنرزقه فيه وليس منه. أما هنا فسوف نوزع شيئًا من القسمة والتركة [أي نعطي الحاضرين من غير الورثة نصيبًا منها].
الفرق بين الأقرباء والورثة وأن دائرة القرابة أوسع من دائرة الإرث
﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النساء: 8]
يعني أولو القربى الذين لا يرثون. يبقى إذن الأقرباء أوسع من الورثة؛ الأقرباء أوسع من الورثة.
الوارثون من الرجال عشرة ومن النساء سبع، فليس هناك إذن هكذا؛ عشرة رجال وسبع نساء، الذين ليس اسمهم موجودًا في السبعة عشر يبقى ليس وارثًا.
ولذلك لا نجد في السبعة عشر الخالة لا نجدها، ولا نجد في السبعة عشر بنت الأخ لا نجدها، ولا نجد في السبعة عشر بنت الأخت لا نجدها، ولا نجد في السبعة عشر ابن الأخت.
حكم إعطاء الأقارب غير الوارثين إذا حضروا قسمة التركة
إذا لم نجدها [أي أسماء هؤلاء الأقارب في قائمة الورثة السبعة عشر] فهؤلاء ليسوا ورثة، حضروا القسمة وهم من العائلة. ابنة أختي والله هذه قريبة، هذا أنا خالها على الفور، ولكن ليست وارثة؛ حضرت فتأخذ شيئًا من التركة الحاضرة.
وهذا الشيء يجب أن يكون مالًا، قال: لا، ليس من الضروري أن تكون نقودًا سائلة؛ يمكن أن تأخذ خاتمًا، يأخذ كتابًا، يمكن أن يأخذ الإنسان هذا سلاحًا هكذا. أي لأن هذا مال على فكرة، ولكن ليس أي نقود؛ ما هي أموال هكذا [أي أعيان ومنقولات وليست نقودًا فقط].
تفصيل الوارثين من الرجال العشرة وأصنافهم في الشريعة الإسلامية
﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النساء: 8]
يبقى إذا عرفنا أن في أولي القربى هؤلاء منهم ورثة — هؤلاء ما يأخذونه سيأخذون في أنصبائهم — ومنهم غير وارث، هو غير الوارث هو الذي يأخذ [من هذا العطاء].
وقلنا عشرة [من الرجال] وما إلى ذلك وسبعة [من النساء]، فالعشرة الذين هم — ما هؤلاء العشرة؟ محصورون في: الأب وإن علا، والابن وإن نزل أي الابن والحفيد وهكذا إلى آخره، وبعد ذلك الأخ وابن الأخ والعم وابن العم، سواء كان هذا الأخ شقيقًا أو لأب أو لأم، وسواء كان هذا شقيقًا أو لأبي، فتصبح هؤلاء الناس جميعًا عصبة.
نظم الوارثين من الرجال والنساء في الفرائض الشرعية السبعة عشر
حسنًا، فمن هو الوارث بشروط معينة إذن؟ وبعد ذلك الزوج، ومن أيضًا؟ كان قديمًا يوجد شخص يسمى المعتق، الذي يعتق عبدًا فيصبح العبد حرًّا، فيصبح هو بمنزلة أبيه؛ فإذا لم يتزوج هذا العبد ولم ينجب ولم يفعل كذا إلى آخره، فإلى أبوه [أي معتقه] كذلك، يعني لأن أنا الذي أعتقته فيجب أن أعامله معاملة الأب للابن.
فالابن والوارثون من الرجال عشرة أسماؤهم معروفة مشهورة: فالابن وابن الابن مهما نزل، والأب والجد له وإن علا، والأخ من أي الجهات كان — قد أنزل الله به القرآن — وابن الأخ المدلي إليه بالأب، فافهم مقالًا ليس بالمكذوب، والعم وابن العم من أبيه، فاشكر لذي الإيجاز والتنبيه، والزوج والمعتق ذو الولاء، فجملة الذكور هؤلاء.
الوارثات من النساء سبع وبيان من يزيد عن الورثة يُعطى من التركة
والوارثات من النساء سبع، لم يُعطَ أنثى غيرهن الشرع: بنت، وبنت ابن، وأم مشفقة، وزوجة، وجدة، ومعتقة، والأخت من أي الجهات كانت، فهذه عدتهن بانت.
يبقى كم واحد؟ سبعة عشر. الذي يزيد منهم [أي من الأقارب الحاضرين عن هؤلاء السبعة عشر] نعمل ماذا؟ نعطيه هدية هكذا [من التركة الحاضرة].
﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ [النساء: 8]
اهتمام القرآن الكريم بالطفولة واليتامى وذكرهم المتكرر في سورة النساء
فإذا اهتم [القرآن الكريم] بالطفولة اهتمامًا بليغًا، فاهتمامه بالطفولة عجيب؛ للمرة الثالثة يذكر اليتامى في ما لا يوجد صفحة ونصف، واليتامى يحتاجون الرعاية والعناية.
كنا قديمًا عندما نجد — أي أصبحنا شبابًا هكذا — فهو قوم نجد الرجل هذا كان بقالًا في المكان، رجلنا هذا كان يأتي إلى منطقتنا فنلتقي به ونتحدث ونقول له: هذا أنت الذي ربيتني! هذا أنت الذي ربيتني! يعني كنت صغيرًا هكذا، فهو نعم، ما هو لو كانت تأتي سيارة لكان يجري عليّ ويحملني.
مسؤولية المجتمع بأكمله عن رعاية الطفولة وإشباعها بالحنان والأمان
أما التربية فهي عناية ورعاية؛ لو كنت سأتشاجر مع أحد ليس من منطقتنا ويأتي ليقف معي ويقول له: يا ولد ابتعد هكذا. حسنًا، إنه يحميني، أتدرك ذلك؟ هذا أنت الذي ربيتني! لأنه هو في الواقع لم يربني، هذه مواقف كهذه، لكنها مواقف معناها أن جميعنا مسؤولون عن الطفولة، حتى تخرج شبعانة من الحنان ومن الأمان.
يجب أن تنشأ [الطفولة] مشبعة هكذا. فمن المسؤول عن ذلك؟ جميع الناس مسؤولون عن أن تنشأ هذه الطفولة مشبعة.
حب النبي ﷺ للأطفال وإطالته السجود من أجل الحسن بن علي
ولذلك كنت تجد النبي صلى الله عليه وسلم عندما يأتي الحسن [بن علي رضي الله عنهما] ليركب فوق ظهره، فيطيل السجود، وتجده يمشي هكذا فينزله من على المنبر ويأخذه في حضنه أمامه ويصعد بها وهو على كتفه هكذا، هو صلى الله عليه وسلم.
ما هذا إذن؟ من أجل الأطفال! هذا هو قوم نطيل الصلاة. هذا أنتم تقولون: لو أطلت الصلاة من أجل واحد، قال:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [البقرة: 153]
وأطلت الركوع من أجله بطلت الصلاة! بعضهم يقول هكذا، بعضهم يقول هكذا، بعضهم [يقول ذلك].
قصة إطالة النبي ﷺ السجود للحسن تعلمنا حب الطفولة والتكافل الاجتماعي
ولكن الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أطال السجود لأن الولد كان راكبًا فوق ظهره، سيد شهداء أهل الجنة عليه السلام.
فما هذه الحكاية؟ الحكاية تعلمنا أن نحب الطفولة.
﴿أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ﴾ [النساء: 8]
التكافل الاجتماعي، صورة الاجتماع هذه، صورة النساء هذه، صورة ماذا؟ الاجتماع البشري.
الأمر بالإعطاء مع القول المعروف دون المنّ والأذى ودعوة إلى المحبة
﴿فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8]
إذن هذه المرة نفس الطريقة؛ نعطيهم منه ونقول لهم قولًا معروفًا. وليس وأنت تعطيه تقول: خذ! لكي تدعو له وتتذكر، تتذكر، لا تقل هكذا، وإنما قل له: ادعُ له بالخير.
أي دون الجرح، دون المنّ بالصدقة، دون الأذى بالكلام. فليحب بعضكم بعضًا؛ فهذه دعوة إلى المحبة، فيكون الاجتماع البشري لا يقوم إلا بالحب.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
