سورة النساء | حـ 576 | 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •سورة النساء تعلمنا أسس الاجتماع البشري من العلاقات الأسرية والتوارث والتكافل الاجتماعي بالتفصيل.
- •أقر الإسلام للنساء حقوقًا في الميراث لم تكن موجودة في الجاهلية، وجعلهن شقائق للرجال في مراكز قانونية محسوبة تتجاوز الزمان والمكان.
- •الآية "وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه" تؤسس قاعدة للأمن الاجتماعي والكفالة بدون مقابل.
- •المال يُكتسب إما مقابل عمل (أجر)، أو مقابل مال (تجارة)، أو مقابل ضمان، بينما الإكساب في الآية واجب اجتماعي.
- •كلمة "حضر" يمكن فهمها على المستوى الفردي أو الجماعي بحسب الظروف، مما يتيح تطبيق مبادئ التكافل على مستوى المؤسسات.
- •فهم القرآن يتطلب النظر للمستويات المختلفة للكلمة دون حصرها بزمن أو قوم معينين.
- •الانحراف في فهم القرآن إما بإنكاره بالكلية، أو بالجمود على حرفية تطبيقه دون مراعاة تغير الظروف.
مقدمة في سورة النساء وأسس الاجتماع البشري التي يعلمنا إياها الله
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والتي يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى فيها أسس الاجتماع البشري؛ كيف نجتمع معًا، كيف تنشأ العلاقة بين الرجل والمرأة في ظل الأسرة بالتفصيل، كيف يتم التوارث بين الناس وبالتفصيل، كيف يتم التكافل الاجتماعي وبالتفصيل، كيف تكون العلاقة بين المسلم واليتيم الذي فقد والديه فانتقلت رعايته والعناية به إلى من حوله.
إدخال نظام توريث المرأة وجعل النساء شقائق الرجال في الإسلام
يقول ربنا سبحانه وتعالى بعدما قال:
﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾ [النساء: 7]
فأدخل [الله سبحانه وتعالى] على العرب شيئًا لم يكن من قبل، وهو أن يُورَّث المرأة وأن يجعل الوارثات جزءًا من النظام، ولم يكن الأمر كذلك بهذا التفصيل ولا بهذه الهيئة عند الجاهليين.
فإذا به يتكلم عن أصل الخلق، ثم بعد ذلك يرى الاجتماع البشري قد تكوَّن من الرجل والمرأة بالأساس، ويجعل النساء شقائق للرجال، ويدخلهن في مراكز قانونية محسوبة مفصلة قطعية لا كلام فيها، تتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
الأمن الاجتماعي في القرآن وواجب الكفالة عند حضور القسمة
ثم يقول [الله سبحانه وتعالى] وهو ينظر إلى الأمن الاجتماعي الذي أخذه منا غيرنا وطبقوه في مجتمعاتهم فسعدوا، ونحن غفلنا عن أنفسنا وعن الكنز الذي بين أيدينا فكان هذا حالنا:
﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8]
إذن أقرَّ لنا قاعدة وهي أن الاجتماع البشري يوجب مسؤوليات على المجتمع للرعاية بدون مقابل.
طرق اكتساب المال الثلاث عند الشيخ الكاساني في بدائع الصنائع
لأن اكتساب المال إما أن يكون في مقابل عمل وهو الأجر، وإما أن يكون في مقابل مال كتأجير الأرض وكالمضاربة والمرابحة والتجارات، وإما أن يكون في مقابلة ضمان.
ولكن الكلام الذي نقوله هذا هو نص الشيخ الكاساني في كتابه [بدائع الصنائع]؛ أن المال يُكتسب في مقابل تلك الثلاث [العمل والمال والضمان].
الفرق بين الاكتساب والإكساب وحقيقة الواجب الاجتماعي في الكفالة
قال [الشيخ الكاساني]: لا، هذا [ما جاء في آية القسمة] هنا ليس اكتسابًا بل هذا هنا إكساب؛ لأنه يمكن أن يدخل إليك المال إما من عملك أو من مالك - والمال قد يُطلق على الأرض وقد يُطلق على النقود وقد يُطلق ويُطلق في ملكك - وأما من ضمانك.
طيب، ماشي، وتفصيل الضمان هذا؟ أرى في أعينكم استفسارًا كذلك. يقول: يعني ما هو الضمان؟ ما عليه شيء بعد ذلك، إنما هذا لا، هذا كسب المال من غير حاجة [أي من غير مقابل عمل أو مال أو ضمان]، فيكون هذا إكسابًا وليس اكتسابًا، أليس كذلك؟ فأنت لا تعمل شيئًا لكي تكسب المال.
فيكون كلام الشيخ الكاساني صحيحًا مائة بالمائة. ولكن ما هذا هنا؟ هذا واجب اجتماعي للكفالة الاجتماعية للأمن الاجتماعي.
معنى الحضور في الآية بين الحضور الفردي في المجلس والحضور الجماعي في المجتمع
وإذا حضر القسمة، فما معنى حضر؟ ما معنى الحضور يا ترى؟ الحضور في المجلس، نعم، ممكن صورة من الصور، أم الحضور في المجتمع؟ فيبقى الذي معه جنسية يأخذ هذه الأموال، صورة من الصور أخرى تحتملها اللغة العربية ولا تنقض الصورة الأولى.
ونبقى في مجتمع تنظيمنا فيه قليل نطبق على مستوى الأفراد، وهذا لا يمنع إنشاء تنظيمات ومؤسسات تقوم بنفس الوظائف على المستوى الكبير إذا تغير الزمان والمكان أو تغير الأشخاص أو تغيرت الأحوال.
كلمة حضر تحتمل التفسير الفردي والجماعي وأسس فهم القرآن ككتاب هداية
فكلمة حضر هذه يمكن أن نجعلها فردية ويمكن أن نجعلها جماعية، وهذا لا يتناقض مع ذلك؛ تفسيران، إما هذا وإما ذاك، أبدًا. فهذا بظروفه وأحواله أو ذاك بظروفه وأحواله.
فهذان الاثنان معًا يشكلان أساسًا من أسس فهم القرآن حتى يكون كتاب هداية، بأن تنظر وأنت تقرأ إلى المستويات المختلفة للكلمة ولا تحصرها في صورة معينة في زمن معين عند قوم معينين، بل هو كتاب للعالمين إلى يوم الدين.
التحذير من نوعين من الفهم الخاطئ للقرآن بين الجمود والإفراط
ولذلك ومع هذا الفهم ستجد فيه هداية. أخونا الذي لا يريد أن يفهم هكذا على نوعين:
النوع الأول: قال: لا، هذا الكتاب الخاص بكم هذا قاصر على أيام النبي [صلى الله عليه وسلم] وليس لنا شأن به.
والنوع الثاني: قال: لا، هذا الكتاب هذا قاصر على نعم على أيام النبي ويجب أن نبقى كما كنا في أيام النبي صلى الله عليه وسلم.
فهذا [النوع الثاني] جمد فأضلَّ، وهذا [النوع الأول] أفرط فكفر.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
