سورة النساء | حـ 577 | 8 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يقرر الإسلام أن الرجال والنساء يتساوون في الميراث، وهو نظام فريد مقارنة بالنظم الأخرى سابقاً وحاضراً.
- •نظام القرابة هو أساس بناء المجتمع، بينما يدعو الحداثيون لإنهائه بدعوى المساواة.
- •الأسرة تنمو لتشكل شبكة قرابة من أبناء وإخوة وأعمام وأخوال، وهي أساس الأمن الاجتماعي.
- •رتب الله على نظام القرابة أحكاماً كثيرة في الميراث والعاقلة والزكاة، بهدف تحقيق التكافل.
- •الضمان الاجتماعي في النظم الحديثة مستمد من فكرة الأمن الاجتماعي في الإسلام.
- •يوصي الإسلام بإعطاء اليتامى ولو كانوا أغنياء، لحاجتهم للحنان والرعاية وليس فقط للمال.
- •ظاهرة أطفال الشوارع تشير إلى ابتعادنا عن تعاليم الإسلام في رعاية الضعفاء.
- •وجوب إكرام المساكين بالرزق المباشر والقول المعروف، ففلسفة الإسلام هي التكافل وليس الفقر.
- •يهدف الإسلام لبناء مجتمع قوي متماسك يحب بعضه بعضاً.
مقدمة حول تفرد نظام الميراث الإسلامي للرجال والنساء في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعدما قرر أن الرجال والنساء على حدٍّ سواء سيرثون من التركة، وهو أمر جديد نظّمه الإسلام فكان فريدًا في عصره، وكان فريدًا عمّا كان قبل ذلك سواء في الأديان أو في النُّظم، وكان فريدًا وإلى يومنا هذا، حتى بعدما ابتدع الناس ما ابتدعوا من نُظُمٍ مستفيدين من هنا أو ناكرين أيضًا من هناك.
أهمية نظام القرابة في الإسلام ودعوات ما بعد الحداثة لإنهائه
﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النساء: 8]
وأكّدنا قبل ذلك مرات على أن نظام القرابة هو الذي يُبنى عليه المجتمع، وإنما بعد الحداثة الآن يدعون إلى إنهاء نظام القرابة.
يقولون لك: هذا هو الذي يجعل لا توجد مساواة. ما هذا الذي لا توجد فيه مساواة؟ أن يبقى هناك قريب؟ كيف هذا؟ هو الرجل عندما تزوّج المرأة وأنجب منها طفلًا فيصبح هذا ابنًا وهذه أمًّا وهذا أبًا، وبعد ذلك أنجب طفلًا آخر فأصبح أخًا أو أختًا، وبعد ذلك هؤلاء الأطفال كبروا وتزوّجوا فأصبح عمًّا وخالًا وجدًّا. هذه كلها تسير على الأسرة التي نمت وبنت القرابة.
دعوات هدم نظام القرابة وتبرير الشذوذ الجنسي في مواجهة الفطرة الإلهية
قال [أصحاب هذه الدعوات]: يريدون هذه القرابة أن نُزيلها. يقولون هكذا الآن كلامًا غير مفهوم لا نستطيع كمسلمين أن نفهمه.
يعني ماذا؟ ما هو [الذي] أجاز الشذوذ الجنسي؟ وزواج الرجل مع الرجل والمرأة مع السيدة، وضجيج الاجتماع البشري يقود ستة مليارات يقولون: لا، وقليل منهم نحو خمسمائة أو ستمائة، قُل ألف، يقولون: نعم. والألف يريدون أن يُسيّروا الستة مليارات وفق إرادتهم، ويأبى الله سبحانه وتعالى ذلك.
تأكيد القرآن على رعاية أولي القربى وأهمية نظام الأسرة والعائلة
ويقول [الله تعالى]:
﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النساء: 8]
يبقى في رعاية وعناية توصلنا بالأمن الاجتماعي، وأول ذلك أولو القربى في نظام القرابة.
نظام العائلة الذي يؤكد أهمية الأسرة، والذي يؤكد أهمية العائلة، والذي يؤكد أهمية نظام القرابة. ربنا رتّب على هذه القرابة أمورًا كثيرة؛ ستجدونها في الميراث، ستجدونها حتى لو أن الإنسان أخطأ فقتل فتكون هذه على العاقلة.
ما هذا؟ هذا يريد، يريدنا أن نعيش في أسرة وعائلة قوية متماسكة، كل واحد منا يشعر أنه محتاج إلى الآخر.
دعوات هدم الأسرة واللغة والدين والثقافة والدولة والرد عليها
الآن يقول لك [أصحاب هذه الدعوات]: لا، نريد هذه الأسرة أن نهدمها، ونريد اللغة أن نهدمها، ونريد الدين أن نهدمه، ونريد الثقافة أن نهدمها، ونريد الدولة أن نهدمها.
ونحن نقول لهم: فليهدم حِيَلكم! أنت ستظل تهدم هكذا، وبعد ذلك كيف تبني بعدها؟ الله بناها فلماذا تريد هدمها؟
مفهوم الأمن الاجتماعي في الإسلام من خلال رعاية القريب والزكاة
﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النساء: 8]
فإنه [الإسلام] يهتم بماذا؟ بالقريب، ويكفيه ويعطيه ويؤمّنه اجتماعيًّا. هناك أخذوها وعملوها واسمها ماذا؟ الأمن الاجتماعي.
الأمن الاجتماعي يعني ماذا؟ الأمن الاجتماعي عمل له معاشات وعمل له تأمينات وعمل له إلى آخره؛ إنه حضر في المجتمع أولو القربى، أولو القربى فليبقوا حولك.
ولذلك جاء في الزكاة وقال لك ألّا تنقلها من مكان إلى مكان، فلتكفِ أولًا منطقتك التي تخصك. لا يجوز نقل الزكاة إلا إذا اكتفت البلد، المنطقة، إلا إذا اكتفى الذين حولك. أمنٌ اجتماعي [وهو] تنظيم.
تطبيق فكرة الزكاة المحلية في الضرائب وضرورة تحويل الأفكار إلى مؤسسات
أخذوا هذه الفكرة وقالوا: الضرائب التي تخص الحيّ تذهب للحيّ نفسه. نعم، هذا هو هذا، نحن نقول هذا.
ولكننا نريد تطوير الأفكار وتحويلها إلى مؤسسات وتحويلها إلى واقع معاش يخدم الأمة.
رعاية اليتامى في الإسلام ليست مسألة فقر بل حنان وتربية وتعليم
﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ [النساء: 8]
هنا يكون لهم وضع خاص، واليتيم قد يكون غنيًّا، فتكون المسألة ليست مسألة فلسفة الفقر ولا سدّ العوز، بل المسألة مسألة الحنان والرعاية والعناية.
فاليتيم سأعطيه له ولو كان غنيًّا؛ لأنني أريد أن أعلّمه، وأريد كذلك أن أربّيه التربية والتعليم، وأريد أن أدرّبه، وأريد أن أجعله مُشبَعًا بالحنان.
انظر إلى الكلمة: مُشبَع بالحنان. عندما يكون مُشبَعًا بالحنان يصبح مواطنًا صالحًا، ومن لم يكن مُشبَعًا بالحنان سيصبح من أطفال الشوارع.
ظاهرة أطفال الشوارع دليل على الابتعاد عن تعاليم الإسلام ومسؤولية المجتمع
لا يوجد شيء اسمه أطفال الشوارع عندنا في الإسلام، إنما في الواقع أصبحت أولاد الشوارع ظاهرة. إذن نحن ابتعدنا عن الإسلام ونواصل الابتعاد، ونطرح أسئلة غريبة جدًّا: الذبابة عندما أضربها هكذا هل دمها نجس أم غير نجس؟ وأنا واقف في الصلاة حرّكت عيني هكذا هل بطلت الصلاة أم لم تبطل؟ ونظل نتفحّص الكلام بشكل عجيب، وعندنا أطفال شوارع!
قال رسول الله ﷺ: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، من بات شبعانًا وجاره جائع»
ما هذا؟ إذن ما دامت هذه الظاهرة موجودة فجميعنا في أعناقنا مسؤولية وحساب حتى تنتهي.
رعاية اليتامى الأغنياء وأطفال الشوارع المهملين من آبائهم
واليتامى، هؤلاء اليتامى حتى لو كانوا أغنياء، فما بالك بأولاد الشوارع؟ وأولاد الشوارع قد يكون آباؤهم موجودين ومهملينهم هكذا كالبهائم، ويتركونهم دون مسؤولية ودون تربية ودون رعاية.
معنى المساكين في القرآن والقاعدة اللغوية إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا
قوم قال: ماذا لكي يقطع عليك الكلام؟ والمساكين، ها هم والمساكين.
والمسكين إذا انفرد أُطلق على المُعدَم وعلى غير المُعدَم. انفرد يعني ماذا؟ يعني جاء وحده هكذا. أما لو ذُكر مع الفقراء، آه، فيكون الفقراء شيء والمساكين شيء آخر؛ لأن الواو تقتضي المغايرة، ولكن عندما يُذكر وحده يصبح معناه الاثنين، والفقراء أيضًا كذلك.
ولذلك قالوا: إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا. وضعوا قاعدة في كلام كهذا في اللغة العربية: إذا اجتمعا افترقا في المعنى، وإذا افترقا في الكلام اتّحدا في المعنى.
تطبيق قاعدة الاجتماع والافتراق على لفظي الفقراء والمساكين في آية الصدقات
﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ﴾ [التوبة: 60]
فيكون الفقراء شيئًا والمساكين شيئًا آخر. ولكن لو قلنا "المساكين" [وحدها] فيكون هو الفقراء والمساكين الذين هناك.
﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ﴾ [التوبة: 60]
ولو قلنا "الفقراء" [وحدها] فيكون أيضًا الفقراء الذين هناك والمساكين كذلك؛ لأنهم افترقا في الكلام. فإذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
معنى فارزقوهم منه وقاعدة الإنسان قبل البنيان في صرف الزكاة
﴿فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8]
ارزقوهم منه، ليس فيه [أي ليس استثمارًا فيه]، ولكن هنا "منه"، فيكون سأعطي له فورًا.
وهنا معنى "منه" يعني ماذا؟ ذهبوا يفعلون قاعدة: الإنسان قبل البنيان. لا تذهب لتقول لي ضع الزكاة في المسجد، لا! هذا أنت تؤدي الزكاة للإنسان ليقوم بها مباشرة كي يستهلكها.
هناك ونحن نصادر أو نضع أيدينا أو نقوم [على] مال السفيه؛ سأشغّله وأرزقه فيه، المائة ألف جنيه سأحبسهم وأشغّلهم والربح سأعطيه منه. أما هنا فلا، هذا هنا ميراث، والميراث ماذا سنفعل فيه؟ سنرزقه منه كي يستهلكه، فيذهب ليلبس ويأكل ويسدّد ديونه ويتمتّع ويأكل فاكهة أيضًا ولحمًا، لا مانع في ذلك.
فلسفة الإسلام هي التكافل لا الفقر في توزيع المال
فنرزقه منه، ليس هناك فلسفة للفقر، بل فلسفة للتكافل. بعض الناس تظن أن الإسلام يتضمن فلسفة الفقر، لا! هذا هو في فلسفته التكافل.
﴿فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8]
الجانب المعنوي في العطاء وأهمية القول المعروف لبناء مجتمع متماسك
طيب، الجانب المعنوي إذن:
﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 8]
وهذا غير موجود في جميع الأنظمة؛ أنك وأنت ذاهب لتأخذ الراتب الخاص بالضمان الاجتماعي، أي الخاص بالتأمينات، أي الخاص بالمعاشات، يجب أن يتبسّط الرجل معك وهو يعطيك إياه، يضحك ويربّت عليك ويأخذك حتى آخر المصلحة، أو يعطيك ورقة هكذا ليُضحكك أو شيئًا من هذا. كلا، لا يوجد هذا، لا يوجد بعد!
كلا، هنا يقول لك: وقولوا لهم قولًا معروفًا.
حسنًا، وماذا ينتج منه؟ القول المعروف [ينتج عنه] مجتمع قوي يحب بعضه بعضًا، وليس أناسًا قاعدين يسبّون بعضهم بعضًا. وما نحن واجدون لا لها معنى ولا له طعم.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
