سورة النساء | حـ 578 | 9 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 578 | 9 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تشير الآية الكريمة إلى أهمية الجانب الاجتماعي في توزيع التركة، فالله يأمر بإشراك أولي القربى واليتامى والمساكين فيها.
  • الآية تربط بين المال والمجتمع من خلال العقيدة القائمة على الإيمان بالغيب والإيمان بالله.
  • المؤمن الرباني يرجو رحمة الله ويخشى عذابه، ويعمل لمصلحة أبنائه وذريته من بعده.
  • هناك وجهة نظر غير ربانية ترى استهلاك الكون للمنفعة الآنية وتقديمها على المنفعة المستقبلية.
  • القرآن ينتقد غير الرباني بغض النظر عن دينه أو زمانه أو مكانه، ولا ينتقد الأديان بذاتها.
  • الإنسان الرباني يخشى على ذريته الضعاف من بعده، فيتقي الله ويقول قولاً سديداً.
  • المفهوم الرباني يدعو لوضع خطط واستراتيجيات طويلة الأمد لحماية المجتمع وكفالته الاجتماعية.
  • من يعيش لنفسه ويفسد في الأرض يخالف منهج الله والفطرة، فيعيش في عذاب حتى قبل الآخرة.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في بيان الجانب الاجتماعي لتوزيع التركة في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يبيّن لنا محضر توزيع التركة، ويؤكد على الجانب الاجتماعي للفعل الاقتصادي وللمال، يقول:

﴿وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَـٰفًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]

يكون لديّ مال ولديّ اجتماع بشري ولديّ تربية نفسية لمن يقوم بالوصل بينهما.

الأمر بالإحسان إلى أولي القربى واليتامى والمساكين عند قسمة التركة

المال متمثّل في التركة التي تركها الميت؛ ربنا أمرنا:

﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُولُوا ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ﴾ [النساء: 8]

في الآية السابقة:

﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 8]

فأمرني [الله سبحانه وتعالى] بالإحسان إليهم من الناحية الخُلقية، ومن ناحية العلاقة الاجتماعية. فعندي مال، والمال يعني عصب الحياة، يعني الاقتصاد، وعندي مجتمع، وعندي شخص عنده عقيدة يتصرف في العلاقة بين المال وبين المجتمع.

العقيدة الربانية أساسها الإيمان بالغيب والإيمان بالله سبحانه وتعالى

فكيف تكون هذه العقيدة؟ هذه العقيدة أساسها الإيمان بالغيب، الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب يتمثل أساسًا في الإيمان بالله؛ فهو غيب الغيوب سبحانه وتعالى.

فالإنسان المؤمن بالله يرجو رحمته ويخشى عذابه، ويريد وعوده سبحانه وتعالى وجنّته. وهو في الوقت نفسه إنسان يشعر بالمشاعر الإنسانية؛ يحب أبناءه، يعمل لمصلحتهم من بعده.

نقد وجهة النظر المادية التي تقدم المنفعة الآنية على المستقبلية

وهذا [الإيمان بالغيب والعمل للأبناء] مخالف لوجهة نظر أخرى ترى أننا ينبغي أن نستهلك هذا الكون لمصلحتنا. أحياءٌ ترى أننا لا نتزوج ولا نتناسل؛ لأن الأبناء لن يصنعوا لنا شيئًا، وأحسن منهم تربية الكلاب.

ترى المنفعة الآنية مقدّمة على المنفعة المستقبلية. وجهة نظر كذلك، فهل هذه الوجهة ربانية أم غير ربانية؟ غير ربانية طبعًا.

التفريق بين الرباني وغير الرباني بعيدًا عن التعميم على شرق أو غرب

ليس كل [ما نذكره ينطبق على جهة بعينها]، مثلًا عندما نقول هذا الكلام لا يذهب أحد في ذهنه إلى أن الغرب هكذا أو أن الشرق هكذا. لا أبدًا، هذا إنسان هكذا موجود عندنا وموجود في الشرق وموجود في الغرب وموجود في كل مكان وموجود في كل زمان أيضًا.

لكن هذا ليس ربانيًّا. الإنسان الذي يفكر هكذا ليس ربانيًّا، وستجد في الغرب وفي الشرق وعندنا وعندهم وفي الزمان [كله] إنسانًا ربانيًّا. فانتبه، ليس كلما نقول شيئًا يذهب ذهنك إلى أننا أخيار والغرب شرير. لا، ليس كذلك؛ الرباني حسن والذي ليس ربانيًّا سيّئ حيثما كان، عندنا أو عندهم، قديمًا أو الآن.

القرآن ينتقد غير الرباني بصرف النظر عن ديانته أو انتمائه

وهذه هي النقطة التي لا يريدون أن يفهموها في القرآن؛ أنه عندما تحدّث عن الناس نعى على غير الرباني حالته، سواء كان يهوديًّا أم كان نصرانيًّا. لم يشتم اليهودية ولا شتم النصرانية ولا شتم الصابئة، لا، بل شتم الذي ليس ربانيًّا وانتقده وقال له: لا، عيب عليك، اخجل.

الخشية أمر قلبي يخاطب المشاعر الإنسانية من حب وعطف وخوف على الأبناء

فإذن ﴿وَلْيَخْشَ﴾ [النساء: 9]، الخشية أمر قلبي، نعم، هذا يخاطب قلبي. إذن ويخاطب قلبي في كوني إنسانًا أحبّ وأميل وأعطف وهكذا.

﴿وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَـٰفًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 9]

أخاف عليه، أخاف عليه فأنظر إلى المستقبل. أخاف عليه فأنظر إلى ابني، ليس فقط رأسي والطوفان [من بعدي]، وأنا ما لي بابني وما لي بغيري. لا، هذا أنا إنسان [مسؤول عمّن بعدي].

تقوى الله لا تكون إلا بالإيمان به أولًا ثم التربية على الأخلاق

﴿فَلْيَتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 9]

إنه مؤمن بالله وليس أنه غير مؤمن بالله. فليتقوا الله، ولا يعرف كيف يتقي الله إلا من آمن به؛ ثم بعد ذلك يتقيه، ومتربّى لديه أخلاق.

معنى القول السديد بين سدّ مواطن الخلل والوصول إلى الغاية والهدف

﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: 9]

سديد على وزن فعيل، يصلح لاسم الفاعل واسم المفعول، فيكون إما قولًا مُسدَّدًا وإما قولًا سادًّا. فيكون سدّ ماذا؟ سدّ مواطن الخلل والفتن والفتنة بين الناس.

ومُسدَّد أي يعني قد وصل إلى غايته وهدفه. الرأي هذا رأي مسدَّد، يعني وصل إلى غايته والذي هدفه. وما غايتك في الحكاية هذه؟ غايتي أن أحمي أولادي.

الآية تصلح لوضع الخطط والاستراتيجيات طويلة الأمد لحماية المجتمع

فإذن الآية هذه تصلح لوضع الخطط والاستراتيجيات طويلة الأمد لحماية المجتمع وكفالته الاجتماعية. هذه هي آية واحدة، هي [آية واحدة] ولكن هذا تفكير رباني؛ أن تهتم بأولادك وأن تتقي الله وأن تعمل لمستقبلهم وأن تخاف عليهم. كل هذا الكلام يجعلك ربانيًّا.

أما أن تعيش لنفسك وأن تُهلك الكون قبل أن تموت؛ لأن الإنسان غير مضمون العمر فيجب أن تُفسد في الأرض، فهذا إفساد. هذا وضع غير رباني.

مخالفة الفطرة تجعل الإنسان غير الرباني يعيش في جحيم الدنيا قبل الآخرة

بالإضافة إلى أنه [هذا الوضع غير الرباني] مخالف لله، فهو مخالف للفطرة التي خلقها الله. ولذلك هذا الذي هو غير رباني يشعر بأنه في الجحيم وهو حيّ.

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَدْنَىٰ دُونَ ٱلْعَذَابِ ٱلْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة: 21]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.