سورة النساء | حـ 579 | 10 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يحذر القرآن في سورة النساء من أكل أموال اليتامى ظلماً، مفرقاً بين أكل المال بالحق وأكله ظلماً.
- •أكل مال اليتيم بالحق يكون بالإنفاق عليه في تعليمه وصحته ومعيشته بالمعروف حسب العرف السائد ومستوى عائلته.
- •يجب مراعاة مستوى اليتيم الاجتماعي فيُربى ابن التاجر كتاجر وابن العالم كعالم دون إسراف أو تقتير.
- •للوصي الفقير أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف كأن يأكل معه في طبق واحد ويعامله كابنه.
- •شدد الله على حرمة أكل مال اليتيم ظلماً بقوله: "إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا".
- •استخدام المؤكدات المتعددة في الآية (إنَّ، إنما، السين) يشير إلى خطورة المسألة وقرب العقاب.
- •التأكيد المكرر في الآية غايته تنبيه السامع وحمايته من الوقوع في هذا الإثم العظيم.
مقدمة في تحذير الله تعالى لأولياء اليتامى من أكل أموالهم ظلمًا
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يحذر أولئك الذين يقدمون خدمة رعاية اليتيم، يحذرهم من أن تنقلب هذه الخدمة إلى وبالٍ عليهم، فيقول:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا﴾ [النساء: 10]
الفرق بين أكل مال اليتيم بالحق وأكله بالظلم
يبقى إذن في أكل مال اليتيم حقًّا وفي أكل مال اليتيم ظلمًا. أكل مال اليتيم حقًّا هو أن تُنفق عليه في تعليمه وفي صحته وفي حياته ومعيشته من ملبسٍ ومأكلٍ ومسكنٍ، وأن يكون ذلك بالمعروف.
والمعروف معناه العرف السائد؛ إذا كان هذا اليتيم ابن ملكٍ فيجب أن يُربَّى على هذا المستوى، هذا هو [المعروف]. أبوه كان تاجرًا فليرتقِ إلى مستوى التاجر، وأبوه كان عالمًا فليرتقِ إلى مستوى من كان أبوه عالمًا، وهكذا من غير تبذير ومن غير تقتير، هذا هو الحق بالمعروف.
صور أكل مال اليتيم ظلمًا بالإسراف والتبذير والمبادرة قبل كبرهم
أما الظلم فهو أن نأكل تلك الأموال إسرافًا، فيكون في إسرافٍ وتبذيرٍ وبدارًا أن يكبروا [أي مسارعةً في إنفاق المال]، قبل أن يكبروا فلننتهِ من هذا المال، من أجل أن يكبر الولد ولا يجد شيئًا.
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا﴾ [النساء: 10]
ولكن بالحق لا يوجد مانع؛ أكلتَ معه في طبقٍ واحدٍ وأنا لن أقول له: على فكرة هذه قطعة اللحم خاصتك! أجعل الولد يكره نفسه وأُقتِّر عليه الطعام الذي سيأكله؟ هذا ليس من الأخلاق.
العُرف أن تأكل معه ويأكل معك وهكذا، وتعيش [معه] مثل ابنك.
﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 6]
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا﴾ [النساء: 10]
التشبيه القرآني بأن أكل مال اليتيم كأكل النار في البطون
انظر إذن التشبيه:
﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10]
هذا عذاب الدنيا. أنت الآن تقول: ماذا؟ هنيئًا مريئًا! شيءٌ هنيءٌ هكذا وينزل سهلًا، حيثما يسري يمرئ. إنما هذا ماذا هنا؟ إذن حارٌّ كالنار.
قلنا من قبل هذا الكلام: هنيئًا مريئًا في مقابلتها ما هو حارٌّ كالنار، شيءٌ حارٌّ ثم يصبح كالنار، فما هذا؟! يأنف الإنسان أن يأكل هكذا.
﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10]
ضد هنيئًا مريئًا، يكون هنا تحذيرٌ وتقبيحٌ لهذا الفعل، وتعظيمٌ لهذا الإثم، وبيانٌ لحالته الدنيوية. وانتهى: نارٌ، وانتهى! يكفي هذا.
دلالة السين في وسيصلون سعيرًا والفرق بين السين وسوف
لا، وأيضًا في وسيصلون يكون في إضافة هنا ستكون للمستقبل، نعم:
﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]
السين هنا لماذا؟ السين لتحويل الفعل المضارع إلى المستقبل.
﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]
ما الفرق بين السين وبين سوف؟ بعضهم قال أنه لا يوجد فرقٌ، وبعضهم قال: لا، بل يوجد فرقٌ. السين هذه للقريب، وسوف هذه للبعيد؛ لأن "سوف" ثلاثة أحرفٍ فيكون بعيدًا حتى تصل إلى الفعل، يعني بعيدٌ قليلًا. قرأتَ السين والواو والفاء، بعيدةٌ هكذا هو. والسين لا، "سيصلون" و"سيصلون" مباشرةً، فتكون السين ماذا؟ مرتبطةً بالفعل مباشرةً. طيب، فتكون هذه للقريب.
دلالة السين على قرب يوم القيامة وتحذير آكل مال اليتيم
﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]
هذا السعير أليس يكون يوم القيامة؟ نعم، ولكن اعتبر يا آكل مال اليتيم أنك وصلتَ إليه بالفعل.
فما معنى ذلك؟ معنى القرب هذا: أنت اعتبر نفسك في النار! أليس يوم القيامة؟ قالوا: ما انتهى الأمر إذن، وليس ماذا؟ أليس يوم القيامة بعيدًا؟
﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 6-7]
فإذا:
﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]
هذه السين هنا لها مكانها.
﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10]
أعوذ بالله!
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا﴾ [النساء: 10]
سبب تأكيد الله بمؤكدات متعددة في آية أكل مال اليتيم
يبقى هنا أكَّد هذا [التحذير]. طيب، ولماذا أكَّده؟ قال: لأن فيها زخرفًا وزينةً وفتنةً وشهوةً، يعني يقول لك: لا تستهن! "إنَّ" للتأكيد.
﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا﴾ [النساء: 10]
"يقولون" [أي العلماء]: للقصر والحصر. "إنما" يؤكد ثانيةً ويقول لك: "إنما" يعني زيادةٌ في التأكيد.
﴿يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10]
يبقى إذا قدر التأكيد يأتي مع حال السامع؛ الشخص الذي عنده يتيمٌ يُؤكَّد عليه لأنها فتنةٌ كبيرةٌ جدًّا. والفتنة آتيةٌ من أي شيء؟ من خلطة مال اليتيم معه.
فائدة التأكيد المكرر في حماية ولي اليتيم من التأويل والشهوة
وهنا نرى أن الله سبحانه وتعالى قد أكَّد بمؤكداتٍ، والمؤكدات تتعلق بحال السامع؛ لأنها فتنةٌ كبيرةٌ لولي اليتيم خاصةً مع الاختلاط، أن يُقرِّر إذا ما كان غنيًّا أو فقيرًا، وإذا ما كان سوف يحافظ على مال اليتيم كله أو أنه سوف يخلطه فيأكل بالمعروف، وما قيمة هذا المعروف؟ مسألةٌ فيها مداخل كثيرةٌ للتأويل لعدم الاحتياط.
ولذلك يقول: "إنَّ" وَ"إنَّ" هذه للتأكيد:
﴿ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَـٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا﴾ [النساء: 10]
هذا يُكرِّر التأكيد مرةً أخرى للحصر والقصر. فيكون إذا هذا التأكيد المكرر فائدته تنبيه السامع وحمايته من نفسه، ومن أن يُؤوِّل لنفسه، ومن أن يسمح لنفسه أن يتركها تشتهي مال اليتيم وتأكله على سبيل الظلم.
وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
