سورة النساء | حـ 583 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية القرآنية "للذكر مثل حظ الأنثيين" ليست تمييزاً بين الذكر والأنثى في ذاتيهما، فنظام الميراث في الإسلام متنوع الأحكام.
- •توجد حالات يتساوى فيها نصيب المرأة مع الرجل، كالأب والأم حين يأخذ كل منهما السدس، والإخوة لأم بدون تمييز بين الذكر والأنثى.
- •في حالات أخرى يأخذ الرجل ضعف نصيب المرأة، كما في حالة الأب والأم حين يأخذ الأب الثلثين والأم الثلث.
- •توجد حالات تأخذ فيها المرأة أكثر من الرجل، كما في امرأة توفيت وتركت زوجاً وأبوين، فالزوج يأخذ النصف والأم تأخذ الثلث والأب يأخذ السدس.
- •اختلف المجتهدون في بعض مسائل الميراث، كحالة وجود زوجة وبنت وأم وأخت شقيقة وعم، فذهب زيد بن ثابت إلى أن العم لا يرث شيئاً، بينما رأى عثمان أن العم يرث.
- •في بعض الحالات قد تأخذ الزوجة أكثر من الأبناء العشرة، فكل ابن يأخذ أقل من أمه.
- •الشبهات حول نظام الميراث الإسلامي ناتجة عن قلة الدراية بتفاصيله وتنوع أحكامه.
مقدمة حول آية المواريث في سورة النساء والرد على شبهة التمييز بين الذكر والأنثى
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]
وظنّ الناس أن هذا تمييز بين الذكر والأنثى في ذاتيهما، والأمر ليس كذلك، والله أعلم بما هنالك. وبيّنا ذلك في حلقات سابقة.
حالات يتساوى فيها نصيب المرأة مع الرجل في الميراث
واستيفاءً لهذا البيان نقول إن نظام الميراث كما سنراه قد أعطى المرأة مثل الرجل في بعض المسائل.
كما أعطى الأب والأم إذا توفي أحدهما [أي أحد أولادهما]؛ فإن الأب والأم في مسائل يأخذ الأب السدس والأم السدس. وكما أعطى بالسوية الإخوة لأم بدون تمييز بين الذكورة والأنوثة.
إذن فالمرأة تأخذ مثل الرجل في بعض الأحوال.
حالات يأخذ فيها الرجل نصيبًا أعلى من المرأة في الميراث
وفي أحوال أخرى يأخذ الرجل نصيبًا أعلى من المرأة، كما لو مات رجل وترك أبًا وأمًّا؛ فإن الأم تأخذ الثلث والأب يأخذ الثلثين. يبقى الأب قد أخذ ضعف ما أخذته المرأة [أي الأم].
حالة تأخذ فيها الأم ضعف نصيب الأب في مسألة الزوج والأبوين
وفي بعض الأحيان يأخذ الرجل أقل من المرأة، مرةً بالاتفاق ومرةً [باختلاف] الأئمة والمجتهدون من لدن الصحابة.
فلو ماتت مثلًا امرأة وتركت زوجًا وأبًا وأمًّا — أبوها وأمها أحياء وزوجها، وهي ماتت — فيأخذ الزوج النصف؛ إذ لا يوجد أولاد ولا فرع وارث ولا شيء، وتأخذ الأم الثلث؛ لأنه لا يوجد أيضًا فرع وارث ولا شيء، والباقي يأخذه الأب.
فيكون الأب قد أخذ ماذا؟ أخذ السدس. وحينئذٍ تصبح المرأة [أي] أمها أخذت مثل أبيها مرتين.
اختلاف الصحابة والمجتهدين في مسألة الزوج والأبوين وكيفية حلها
المسألة عندما تُحلّ هكذا تأخذ المرأة ضعف الرجل، وبه قال بعض الصحابة، قالوا: ما لنا أن ندخل، ربنا قال هذا وحسم الأمر. يبقى الرجل [أي] الزوج سيأخذ النصف، وأمها ستأخذ الثلث فرضًا، وبعد ذلك الباقي يأخذه الأب السدس. ما هو نصف؟ بقي نصف، أخذنا منه الثلث، بقي السدس، انتهى.
قال بعض المجتهدين: لا، هذا الكلام يثير النزاع في البيت، والثقافة السائدة تقول إن الرجل يجب أن يأخذ أكثر؛ لأن المصروفات تقع على عاتقه، وعليه لا أدري ماذا. وهذا يحدث، قالوا حسنًا، فكيف نحلّ هذه المسألة؟ ليس لها حلّ، قالوا لا يوجد لها حلّ، إذن كيف نحلّها؟
قالوا: الزوج يأخذ النصف كما شرع الله، والأم تأخذ الثلث من الباقي. ها، الباقي كم؟ الباقي نصف، وثلث النصف كم؟ سدس. إذن السيدة الأم ستأخذ السدس وزوجها [أي] والد المتوفاة يأخذ الثلث.
قاعدة للذكر مثل حظ الأنثيين ليست قاعدة عامة في جميع مسائل الميراث
وهكذا يكون للذكر مثل حظ الأنثيين كأنها قاعدة عامة، وهي ليست قاعدة عامة ولا شيء. وبيّنّا ذلك بيانًا وافيًا، ونحن نوفي بيان [أنهم] اختلفوا فيها في هذه الحالة.
قال لك يا أخي: هذا أحيانًا رجل وكل شيء، رجل وامرأة موجودة في المسألة أيضًا، فهي تأخذ وهو لا يأخذ؛ رجل من الورثة ولا يأخذ، وامرأة وتأخذ وتمنعه أيضًا وتحجبه.
مسألة ميراث فيها الأخت الشقيقة تحجب العم وتأخذ نصيبه على رأي زيد بن ثابت
مات رجل وترك زوجته وبنتًا وأمًّا وأختًا شقيقة وعمًّا. العم وارث يرث عصبًا، كيف تُحلّ هذه المسألة؟
قال لك: والله أنا أعطي الزوجة الثمن — شرع الله بنص القرآن — انتهى، انتهينا. والبنت النصف، أخذت النصف. والأم السدس فرضها، أخذت السدس.
قال: والأخت تأخذ الباقي. لماذا؟ قال: لأنها تعصّبت مع البنت، عملوا عصبة، فتأخذ الباقي — خمسة على أربعة وعشرين — تأخذه الأخت.
ماذا عن العم؟ قال: العم لا يأخذ شيئًا! هو ذكر وأنثى [أي الأخت الشقيقة] في المسألة [حجبته وأخذت نصيبه].
اختلاف عثمان بن عفان وزيد بن ثابت في مسألة الأخت الشقيقة مع البنت والعم
سيدنا عثمان [بن عفان رضي الله عنه] قال: أنا لست معكم في الحكاية هذه. سيدنا زيد بن ثابت [رضي الله عنه] قال الكلام الذي قلته الآن [أي أن الأخت تتعصّب مع البنت ويُحرم العم]. سيدنا عثمان قال: لا، أنا لي وجهة نظر أخرى. هذه تبقى محلّ اجتهاد فقد اختلفوا فيها.
قال [عثمان رضي الله عنه]: الزوجة تأخذ الثمن، والبنت تأخذ النصف، والأم تأخذ السدس — هذا لا خلاف فيه — ولكن البنت هذه التي هي الأخت الشقيقة تأخذ تكملة الثلثين مع البنت. فالبنت أخذت النصف، يبقى هي [الأخت] تأخذ السدس، كما أن أمها أخذت سدسًا هي تأخذ سدسًا، ويتبقى في المسألة واحد على أربعة وعشرين يأخذهم العم.
القانون المصري أخذ برأي زيد بن ثابت في حجب الأخت للعم من الميراث
القانون المصري لم يسِر على رأي سيدنا عثمان [بن عفان]، القانون المصري سار على رأي سيدنا زيد بن ثابت [رضي الله عنه]. وهنا عندما يذهب هذا الرجل [أي العم] إلى المحكمة، ستقول له المحكمة: لا، ليس لك ميراث؛ لأن المرأة [أي الأخت الشقيقة] غلبتك.
مسألة ميراث يأخذ فيها كل ولد أقل من أمه والرد على مثيري الشبهات
هذه الحكاية: رجل مات عن أمّ وأحد عشر ولدًا، هكذا كل ولد من هؤلاء الأولاد، أو [مات عن] زوجة وأحد عشر ولدًا. فالزوجة ستأخذ الثمن، وكل واحد من الأحد عشر ولدًا يأخذ أقل من أمه، كل ولد يأخذ أقل من أمه. ما هي ستّ [أي الأم]؟ أهي أخذت أكثر من الآخرين!
مسائل لا نهاية لها، فيبقى الناس الذين يثيرون الشبهة هذه نضحك هكذا ونبتسم ونقول لهم: لا، اذهبوا ادرسوا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
