سورة النساء | حـ 586 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الميراث في الإسلام يتم وفق قواعد محددة فصلها الله في سورة النساء تفصيلاً يمنع الاجتهاد.
- •القاعدة الأولى أنه لا سائبة في الإسلام، فالمال إما عام مشترك أو خاص يتصرف فيه الإنسان ما لم يكن مبذراً، أو تنظيمي تملكه الدولة لمصلحة المجتمع.
- •عند وفاة صاحب المال الخاص، ينتقل إلى ورثته المحددين شرعاً وهم عشرة رجال وسبع نساء.
- •عند فقدان الورثة، ينتقل المال لذوي الأرحام وهم ليسوا من الورثة الأصليين.
- •عند فقدان ذوي الأرحام، ينتقل المال إلى الخلف العام وهو بيت مال المسلمين (بنك ناصر الاجتماعي في مصر).
- •فصل الله كيفية توزيع الميراث، فللذكر مثل حظ الأنثيين، وللبنتين فأكثر الثلثان، وللبنت الواحدة النصف.
- •للأبوين لكل منهما السدس مع وجود الولد، وإن لم يكن للميت ولد، فللأم الثلث والباقي للأب.
- •في حالة وجود الإخوة تنتقل الأم من الثلث إلى السدس حتى لو كان الإخوة محجوبين ولا يرثون.
مقدمة في تفصيل الله لأحكام الميراث في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، نرى الله سبحانه وتعالى وقد فصّل لنا تفصيلًا يمنع الاجتهاد [في] أمور الميراث. والميراث يتم طبقًا لقواعد حددها الشرع.
القواعد الشرعية الثلاث المنظمة للمال في الإسلام
أول هذه القواعد أنه لا سائبة في الإسلام، وهذا نصّ حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والقاعدة الثانية أن المال إما أن يكون مالًا عامًّا يشترك فيه الناس وهو ملك من سبق، وإما أن يكون مالًا خاصًّا.
والقاعدة فيه [في المال الخاص] أن الإنسان يتصرف فيه ما لم يكن مبذّرًا مسرفًا سفيهًا؛ فحينئذٍ نحجر عليه وعلى تصرفه، لأن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
﴿إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوٓا إِخْوَٰنَ ٱلشَّيَـٰطِينِ﴾ [الإسراء: 27]
إذن نحجر عليه [أي على السفيه في تصرفه بالمال].
أنواع المال الثلاثة وانتقال المال الخاص بعد الوفاة
والمال الثالث مال تنظيمي تقوم فيه الدولة بملكية تكون لمصلحة المجتمع كله، وهذا يُسمّى مال دولة. يبقى هناك مال خاص، ومال عام، ومال دولة.
فإذا مات صاحب المال الخاص انتقل ماله، ولأنه لا مباحة في الإسلام، [انتقل] لمن خلفه من بعده. نظّم الله لنا هذا الخلف تمامًا، فأوجد نظام الميراث بالتفصيل، وبيّن لنا كيف نعطي كل شخص من هؤلاء [الورثة].
ترتيب الورثة من أصحاب الفروض إلى ذوي الأرحام
فجعل [الله] هناك ورثة عشرة رجال وسبع نساء إجمالًا هكذا. فإذا فقدنا الورثة انتقلنا بنظام محكوم معلوم لذوي الأرحام.
وذوو الأرحام ليسوا أصلًا من الورثة، وليسوا السبعة عشر هؤلاء — عشرة رجال وسبع نساء — ولكن ذوي الأرحام خارج هذا [العدد]، غير مذكورين فيهم.
انتقال المال إلى الخلف العام عند فقدان الورثة وذوي الأرحام
حسنًا، وإذا فقدنا ذوي الأرحام فإنه لا سائبة في الإسلام.
فإلى أين نذهب إذا كان أصلًا لا يوجد وارث ولا يوجد ذو أرحام؟ قال [العلماء]: يأتي دور الخلف العام. فالخلف إما أن يكون خاصًّا — ورثة وذوو أرحام — وإما أن يكون عامًّا وهو الدولة، الذي نسمّيه بيت مال المسلمين.
الذي لدينا في مصر نسمّيه بنك ناصر الاجتماعي. بنك ناصر الاجتماعي هو بيت مال المسلمين؛ اللائحة الخاصة به تقول هكذا: أن هذه المؤسسة هي بيت مال المسلمين.
مثال على المنقطع من شجرة العائلة وانتقال ماله لبيت المال
فالتركات — واحدة كما نقول في كلامنا العامّي هكذا — منقطع من شجرة [أي ليس له أقارب]: أين أبوه وأمه؟ غير موجودين. أين أولاده؟ لم يتزوج. أين إخوته؟ كان وحيدًا.
حسنًا ننتقل بعد ذلك، حسنًا أين خاله؟ كانت أمه وحيدة أيضًا. حسنًا أين عمه؟ هذا العم من الإرث لم يكن موجودًا. حسنًا لا يوجد ابن خال ولا ابن خالة ولا بنت عم أمه، أيّ أحد — ما لا يوجد!
هذه هي عائلة منذ ثلاثة أجيال ينجبون طفلًا واحدًا هنا وهنا، وهذا مات. أو يكون قادمًا من بلاد بعيدة وأصبح مصريًّا وكل شيء ومات، آه من هذا؟ من هذا أصلًا؟ يعني أين عائلته؟ أين الناس؟ لا يوجد.
مصير أموال من لا وارث له ودور بيت المال كخلف عام
ما ترك شيئًا، ما قال عنوانًا [لأحد من أقاربه].
إذن إذا كان هذا منقطعًا من شجرة فأين تذهب أمواله؟ قال [العلماء]: يأخذها بيت المال — الخلف العام — لفقدان الخلف الخاص.
فلماذا هكذا؟ فماذا نفعل؟ ما هو النظام الذي في ذهنك؟ أين نذهب بهذا المال؟ فهو لا يُترك سائبًا في الإسلام. قالوا: ولا شيء [آخر يمكن فعله].
فماذا يفعل الناس حياله؟ وتنتزع منه شيئًا؟ قالوا: لا، هذه تصبح فوضى، هذه كل واحد يأخذ منه شيئًا مثل زوربا اليوناني هكذا. لا، زوربا اليوناني هذه لا تنفعنا، ليس عندنا في شريعة الإسلام ولا في الفقه الإسلامي سمعت عن أحد اسمه زوربا اليوناني! عندنا ما يوجد [هذا]، نعم.
تفصيل آية المواريث في نصيب الأولاد والأبوين من التركة
فيصبح نعمل ماذا؟ قال [الله تعالى]:
﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ﴾ [النساء: 11]
الذين هم الخلف الخاص:
﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَآءً فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةً فَلَهَا ٱلنِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ﴾ [النساء: 11]
شرح أسلوب الاكتفاء في نصيب الأم والأب من الميراث
وهذه يسمّونها الاكتفاء؛ إن هو [أي النص القرآني] يقول: فلأمه الثلث. طيب والأب؟ يبقى الباقي.
ما لم يقل [النص] "الباقي"، طيب بقي هذا [في] عقل [المستمع]، بقي هذا يسمّونه في العربية ماذا؟ الاكتفاء.
نقول: وورثه اثنان — الأب والأم — الأم تأخذ الثلث، انتهى. هو هذا أصل [الحكم]، ما هو ليس كلامًا كثيرًا هكذا، هذا كتاب هداية [من الله]. أخذت [الأم] الثلث، وورثه أبوه سيأخذ كم؟ الثلثين الباقيين على الفور. تبقى واعيًا هكذا.
حكم نزول نصيب الأم من الثلث إلى السدس عند وجود الإخوة
إذن فلأمه الثلث:
﴿فَإِن كَانَ لَهُٓ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ﴾ [النساء: 11]
فإن كان له إخوة، يعني في هذه الحالة أبوه وأمه وأخوه، أم على الفور في أي حالة أن الإخوة ما داموا موجودين — جمع من الإخوة — تبقى الأم تنزل من الثلث للسدس، سواء كان الأب موجودًا أم لم يكن موجودًا.
فهي في حالة وجود الإخوة تختلف عن حالة عدم وجود الإخوة.
هل يمكن أن يكون الإخوة محجوبين ومع ذلك ينزلون نصيب الأم
فهل يمكن أن يكون هؤلاء الإخوة الذين أنزلوا الأم من الثلث إلى السدس محجوبين ولا يرثون؟ قالوا: نعم، ينزلونها ولا يرثون هم.
انظر إلى الدقة: ينزلونها من الثلث إلى السدس وهم لا يرثون! فيبقى هؤلاء سمّاهم الفقهاء أشياء كذلك — أنا لست معهم في هذه التسميات — سمّه ماذا؟ الإخوة الشؤم.
لماذا؟ لأنهم حرموا أمهم يا عيني من الثلث إلى السدس، وبعد ذلك هم أنفسهم لم يستفيدوا شيئًا بهذا الحرمان. قوم يسمّونه ماذا؟ الإخوة... لا، نحن لا شؤم في الإسلام.
وهذه أشياء طلبة العلم يتحدثوا بها وهكذا، فنحن ننزّه أنفسنا عنها، لكن موجودة في الكتب بهذه الطريقة.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
