سورة النساء | حـ 587 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 587 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يفصِّل الله تعالى في سورة النساء أحكام الميراث ويرسم خريطة كاملة لتوزيعه، فما ورد بالنص فهو قطعي لا اجتهاد فيه.
  • شكَّل إشراك النساء في الميراث ثورة تشريعية وفكرية واجتماعية، إذ أصبحت المرأة ذات ذمة مالية مستقلة وصارت ترث بعد أن كانت تُورث.
  • ترث المرأة أحياناً مثل الرجل وأحياناً أكثر منه وأحياناً ترث وهو لا يرث وأحياناً على النصف منه، مما يؤكد عدالة النظام وعدم تحيزه.
  • قبل توزيع التركة يجب استيفاء الحقوق المتعلقة بها: حق الله وحق الميت من دين ووصية.
  • الدين له شأن عظيم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتنع عن الصلاة على من مات وعليه دين حتى يتكفل به أحد.
  • حتى الشهيد لا يُغفر له دينه إلا أن يعفو عنه الدائن، وهذا يؤكد عظم حقوق الناس.
  • الوصية تصرف موقوف لما بعد الموت ولا تنفذ قبله.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في تفصيل الله لقواعد الميراث في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يوضح لنا الله سبحانه وتعالى قواعد الميراث على سبيل التفصيل، ويرسم لنا خريطة كاملة لهذا الميراث وكيف يُوزَّع.

بعضها قطعي لأنه بالنص فلا اجتهاد فيه، وما لم يكن هناك نص يجوز الاجتهاد فيه. لكنه قطع علينا الاجتهاد سبحانه وتعالى في أصل الميراث لأنه فصّله تفصيلًا، والاجتهاد يأتي في الصور البينية التي لم يذكرها الله سبحانه وتعالى من غير نسيان جلّ جلاله، وإنما من أجل أن نختلف فيها وأن تكون هناك وجهات نظر نأخذ ببعضها ونترك بعضها.

حكم نصيب الأم عند وجود الإخوة ونزولها من الثلث إلى السدس

يقول [الله تعالى في آية المواريث]:

﴿فَإِن كَانَ لَهُٓ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ﴾ [النساء: 11]

هؤلاء الإخوة جماعة إخوة، إذا وُجدوا فالأم تنزل من الثلث إلى السدس، حتى لو لم يرثوا. إن ورثوا انتهى الأمر لا شأن لها بذلك، لم يرثوا هي أيضًا تأخذ السدس بالرغم من أنهم لم يرثوا.

إذن الأم سواء أكانت تأخذ أم لا تأخذ ثلثًا أو سدسًا، مرتبط ذلك بوجود الإخوة [لا بإرثهم فعليًّا].

ثورة الإسلام التشريعية في إشراك المرأة في نظام الميراث

ولكن يضع الله قاعدة عامة في التصرف في التركة بعد بيان الأنصبة، بعد إشراك النساء في الميراث ولم يكنّ يُعطَين شيئًا من الميراث. هذه ثورة في العالم أن يُورَّث المرأة ويُدخلها في منظومة الميراث؛ ثورة تشريعية وثورة فكرية وثورة في العلاقة الاجتماعية وثورة في علاقة الرجل مع المرأة.

فبدلًا من أن يبيعها ويشتري بها ويُورّثها أهلُ زوجها لأخي زوجها بعد موته، بدلًا من هذا الكلام أصبحت المرأة لها ذمة مستقلة، بل أصبحت المرأة ترث.

حالات ميراث المرأة المتعددة ونفي التحيز في نظام الميراث الإسلامي

بل ترث [المرأة] في بعض الأحيان أكثر من الرجل، وفي بعض الأحيان مثل الرجل، وفي بعض الأحيان ترث ولا يرث الرجل، وفي بعض الأحيان ترث على النصف من الرجل.

يبقى [هذا] نظامًا ما فيه تحيّز، يفهم المسلم من ذلك أنه ما فيه ضدية للمرأة. هذا هو نظام الميراث [في الإسلام].

الحقوق المتعلقة بالتركة وتوزيعها بين الخلف الخاص والعام

يقول [الله تعالى]:

﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]

يبقى إذا هذه نسميها الحقوق المتعلقة بالتركة. ملك الإنسان الخاص مات عنه فأصبح ماله تركة؛ إما أن تذهب إلى خلف خاص [وهم الورثة]، وإما أن تذهب إلى خلف عام وهو الدولة.

والخلف الخاص عندما نأتي ونوزع التركة نقف حتى نستوفي الحقوق المتعلقة والمحمّلة على التركة.

ما هي إذن هذه الحقوق؟ حق لله بأمر الله مباشرة، وحق للميت بأمر الميت مباشرة.

حق الله في وفاء الديون وتعظيم النبي لشأن الدين

الحق الذي لربنا [هو وفاء] الديون التي في ذمتي للآخرين؛ أمرني الله بوفائها وعدم المماطلة فيها.

قال رسول الله ﷺ: «مَطْلُ الغنيّ ظلمٌ يُحِلّ عقوبته وعِرضه» أخرجه ابن حبان

مطل الغني يعني لديه المال وليس راضيًا أن يسدد الدين. وكان رسول الله ﷺ يعظّم شأن الدين جدًّا، حتى إذا كان الميت يُؤتى به فيقول: «هل على صاحبكم دين؟» فإذا قالوا: نعم يا رسول الله، قال: «صلّوا على صاحبكم» [أي امتنع عن الصلاة عليه].

تكفل النبي بسداد ديون أصحابه بعد الفتوحات رحمةً بهم

حتى يقوم أحد أحبائه [أحباء الميت] وهو يريد بركة صلاة رسول الله ﷺ فيقول: يا رسول الله دَيْنُه عندي، أي في ذمتي، أي أنا أؤديه، فيصلي رسول الله ﷺ عليه.

وظل كذلك حتى جاءت الفتوحات وكثر المال، فقال رسول الله ﷺ:

«ومن كان عليه دين فعليّ، أنا منكم مثل الوالد للولد» رحمةً ﷺ

فكان يسدد عن أصحابه الكرام ديونهم من ماله ﷺ.

محبة النبي ﷺ الواجبة لكل من يقرأ سيرته العطرة

تقرأ في السيرة لا يسع أحدًا من البشر إلا أن يحبه ﷺ. آه والله يعني تقرأ سيرته وما أحببته، سواء كان مؤمنًا أو غير مؤمن يبقى في القلب شيء. تبقى أنت مخطئًا لأن الدنيا كانت في يده ولم تكن في قلبه.

حتى لو لم تؤمن به فهو ﷺ كان محلًّا للحب. يبقى أعمى القلب هذا الذي يجلس يسبّ سيدنا رسول الله؛ هذا قدر أصبح فيه هكذا، هذا ربنا ختم عليه لأمر أراده في الآخرة.

أما كلما تقرأ ماذا كان يفعل في السيرة وفي الحديث تحبه عليه الصلاة والسلام.

عظم شأن الدين حتى إن الشهيد لا يُغفر له الدين

فالدين عظيم، وعظّم شأنه رسول الله ﷺ لدرجة أن في حديث يقول لك أن الشهيد هذا سوف يُغفر له كل شيء إلا الديون. لا فائدة إلا الدين، ويظل يترجّى في الدائن يوم القيامة أن يعفو عنه أم لا.

وانظر هل سيعفو الدائن أم لن يعفو؟ إلا الدين فشأنه عظيم جدًّا زيادة عن اللزوم. يعني حقوق الناس يجب أن تعظّمها في نفسك.

الفرق بين الوصية كتصرف بعد الموت والهبة كتصرف في الحياة

فيقول [الله تعالى]:

﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ﴾ [النساء: 11]

هذا الذي من طرفه هو [الميت]؛ إنني أوصي بالوصية. [والوصية] تصرف موقوف لما بعد الموت، أي أقول: عندما أموت يكون شرطًا هكذا، عندما أموت تُعطوا المبلغ الفلاني لفلان.

فماذا لو افترضنا أنه حيّ؟ فلا يأخذ [لأن الوصية معلّقة بالموت]. فماذا لو افترضنا قلت: لا، أعطوه الآن؟ فتكون هبة [لا وصية].