سورة النساء | حـ 588 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح القرآن في سورة النساء كيفية التصرف في تركة الميت، إذ لا سائبة في الإسلام.
- •المال ينتقل إما للخلف الخاص (الورثة وذوي الأرحام) أو الخلف العام (بيت المال).
- •يجب استيفاء الديون والوصايا من التركة قبل توزيعها على المستحقين.
- •الوصية جائزة في إنشائها وواجبة في تنفيذها عند جماهير العلماء.
- •فرق بين إنشاء الوصية وتنفيذها، فالإنشاء جائز بينما التنفيذ واجب بالإجماع.
- •ابن حزم يرى وجوب الوصية في بعض الحالات، وأخذ بهذا القانون المصري عام 1946.
- •الوصية الواجبة تكون لأحفاد المتوفى من أبناء أو بنات ماتوا في حياته.
- •يشترط أن يكون هؤلاء الأحفاد غير وارثين لوجود أولاد آخرين للمتوفى يحجبونهم.
- •الهدف من الوصية الواجبة تحقيق العدالة حتى لا يجمع على الأحفاد مصيبتان: فقد الجد وفقد الأب.
- •القانون يلزم بالوصية الواجبة في هذه الحالات.
مقدمة في أحكام تركة الميت وتوزيعها في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يصف لنا كيف نتصرف في تركة الميت إذا مات؛ لأنه لا سائبة في الإسلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأن المال إما أن يذهب إلى الخلف الخاص وقد فصّله الله تفصيلًا، أما من الورثة وهم عشرة من الرجال وسبع من النساء، وأما من ذوي الأرحام، وهذا هو الخلف الخاص. وأما أن يكون للخلف العام، والخلف العام هو بيت المال، فبيت المال وارثُ من لا وارث له.
وجوب استيفاء الدين والوصية من التركة قبل توزيعها على المستحقين
وهذا [التوزيع يكون] بعد استيفاء المستحقات التي على التركة، ولذلك نرى الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]
فـالدين أمره خطير، فصّلنا القول فيه، ولا بدّ أن نستوفيه من التركة قبل توزيعها على مستحقيها، سواء من الخلف الخاص أو ذهبت إلى الخلف العام، فلا بدّ أن نستوفي منها الدين.
وأما وكذلك وقبل التوزيع يجب أن نستوفي منها الوصية. والوصية جائزة في إنشائها، واجبة في تنفيذها.
التفريق بين جواز إنشاء الوصية ووجوب تنفيذها عند العلماء
تبقى الوصية جائزة في إنشائها عند جماهير العلماء. هل يجب عليك أن توصي؟ هذا [ما أجاب عنه] جماهير العلماء، قالوا: لا يجب عليك أن توصي، لكن إذا أوصيت، هذا فعلتَ الجواز، دخلتَ أيها الإنسان في وجوب تنفيذ الوصية؛ لأنه قال سبحانه:
﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]
أداء الدين واجب أم ليس واجبًا؟ واجب. إذن أداء الوصية واجب أيضًا.
إذن لا نخلط ولا نمزج بين إنشاء الوصية وتنفيذ الوصية؛ فإنشاء الوصية جائز، وتنفيذ الوصية واجب.
التنبيه على عدم الخلط بين جواز الإنشاء ووجوب التنفيذ في الوصية
حسنًا، إنشاء الوصية جائز عند جماهير العلماء، وتنفيذ الوصية واجب عند كل العلماء، إذن واجب، نعم بالإجماع والاتفاق.
فيأتي أحدٌ ويقول لك: هذه وصية، والوصية جائزة أم الوصية واجبة؟ فتقول له: لا. فيقول لك: حسنًا إذن لنتركها. فتكون واعيًا وتقول له: الوصية جائزة الإنشاء، واجبة التنفيذ، وتنتبه لهذين المعنيين.
ويسألك ويقول لك: لا ننفذها، أي إذا كانت جائزة فلماذا توجبها؟ فتقول له: لا، هذه جائزة الإنشاء، واجبة التنفيذ.
رأي ابن حزم والقانون المصري في الوصية الواجبة الإنشاء
حسنًا، فهل هناك وصية واجبة الإنشاء؟ جمهور العلماء على أنه ليس هناك وصية واجبة الإنشاء، إلا أن ابن حزم رحمه الله يرى أنه في بعض الأحيان تجب الوصية.
وبها أخذ القانون المصري، فالوصية التي أنشأها قانون سنة ألف وتسعمائة ستة وأربعين يرى أن هناك ما يُسمى بـالوصية الواجبة. وهذا أتوا به من بعض مذاهب علماء المسلمين، صحيح ليس الجمهور؛ لأن الجماهير تقول أنها جائزة الإنشاء.
شروط وجوب الوصية الواجبة لأحفاد الابن أو الابنة المتوفين
في أن تكون الوصية واجبة، قال [ابن حزم]: تكون الوصية واجبة على الشخص الذي مات ابنه أو ابنته في حياته، الابن والابنة فقط لا غير.
حسنًا، افترض مات أخي أو ابن عمي؟ لا. حسنًا، افترض ماتت أمي أو أبي؟ لا. حسنًا، افترض ماتت زوجتي أو أختي؟ لا، وإلا فمن الذي مات؟ ابني أو ابنتي.
رقم اثنين: ويكون الولد والبنت أولادي الذين ماتوا في حياتي تاركين أحفادًا، هذا رقم اثنين. حسنًا، لنفترض أنهم لم يتركوا أحفادًا؟ لا.
رقم ثلاثة: وأحفادي هؤلاء ليسوا ورثة؛ لأنه يمكن أن يكون أحفادي ورثة، والابن وابن الابن مهما نزل فهو يبقى ابن الابن يرث، وابن البنت أيضًا يرث. فهنا لا يكونون ورثة، وذلك أن لديّ أولادًا آخرين سيحجبون أولاد أخيهم الذي مات.
ملخص شروط الوصية الواجبة الثلاثة ودور علماء الأزهر في تقنينها
يبقى إذا: رقم واحد الولد مات في حياتي، رقم اثنين الولد أو البنت -الفرع يعني- أنهم مخلّفون أحفادًا، رقم ثلاثة أنهم لا يكونون ورثة.
حينئذٍ كان يجب أن يقول ولي الأمر هكذا، فاللجنة التي وضعت القانون من أهل الشرع الشريف كانت ترى ذلك. وولي الأمر هنا من؟ علماء الأزهر كانوا يرون أنه يجب على الجد أن يوصي لأبناء ابنه أو ابنته حين ماتوا أو مات أو ماتت في حياته، وهم ليسوا من الورثة. كان يجب عليه أن يوصي لهم بحاجة إليه طلبًا للعدل.
حكمة الوصية الواجبة في تحقيق العدل بين الأحفاد وأبناء العم
لأننا لو متُّ وعندي ابنٌ وبنتٌ وولدٌ مات في حياتي وعنده ولد، فكيف تتوزع التركة؟ الولد والبنت للذكر مثل حظ الأنثيين، انتهت الحكاية.
فكان ينبغي -لا ليس ينبغي، أشدّ من ينبغي- كان يجب أن أوصي للولد الحفيد، حتى عندما يلعب مع أولاد عمه وأولاد عمته أي يكونوا متساوين، وليس أن يجمع الله عليهم مصيبتين: مصيبة فقدان الجد ومصيبة فقدان الأب، لا!
فقالوا: هيا، ماذا نجعله يجب عليه؟ طيب هو لم يوصِ، قال القانون يُلزم بـوصية واجبة. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، نصف بعد ذلك الوصية الواجبة وأحكامها. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
