سورة النساء | حـ 589 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 589 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يبين القرآن الكريم في سورة النساء نظام الميراث، وتكون التركة بعد الوصية والدين.
  • أخذ القانون المصري الصادر عام 1946 من الشريعة الإسلامية، واستحدث الوصية الواجبة.
  • الوصية الواجبة حق للأحفاد الذين مات آباؤهم في حياة الجد، وهي واجبة على الجد للحفيد أو الحفيدة.
  • حدد النبي صلى الله عليه وسلم الوصية بقوله "الثلث والثلث كثير"، فلا تتجاوز الوصية ثلث التركة.
  • يتدخل القانون إذا لم يوصِ الجد ويعطي الحفيد نصيب أبيه أو أمه أو الثلث أيهما أقل.
  • تُحل مسائل الوصية الواجبة على ثلاث خطوات: افتراض الميت حياً، ثم تخصيص نصيب الوصية، ثم توزيع باقي التركة.
  • تجمع الوصية الواجبة بين صفات الميراث والوصية، فهي كالوصية لا تزيد عن الثلث ولا تكون للوارث، وكالميراث تُوزع للذكر مثل حظ الأنثيين.
  • طبقت الوصية الواجبة في بعض البلدان كمصر وسوريا لتحقيق العدل بين الورثة.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة في نظام الميراث في الإسلام وتوزيع التركة بعد الوصية والدين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يبين لنا ربنا سبحانه وتعالى معالم نظام الميراث في الإسلام، ويجعل توزيع التركة:

﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]

قانون الوصية الواجبة في مصر ووجوب وصية الجد لأحفاده

ونحا القانون المصري المأخوذ من الشريعة الإسلامية وقواعدها، بعد خبرة طويلة في التنفيذ والتطبيق -وقد صدر هذا القانون سنة ألف وتسعمائة وستة وأربعين واسمه قانون الوصية- بأن هناك ما يسمى بـالوصية الواجبة.

وذلك أنه كان يجب على الجد قبل أن يموت أن يوصي لحفيده أو لحفيدته، أو لأولاد ابنه أو ابنته حيث ماتا [ابنه وابنته] أو مات أحدهما في حياته، أن يوصي بشيء من التركة لهما.

حد الوصية بالثلث وأثر الزيادة عنه على توزيع الأنصبة

والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن الوصية قال:

قال رسول الله ﷺ: «الثلث، والثلث كثير»

إذن فنهاية الوصية ثلث التركة؛ فالوصية التي تزيد عن الثلث يكون فيها شيء من اختلال توزيع الأنصبة على الآخرين، أما إذا كانت في حدود الثلث فهي بيد الإنسان.

تدخل القانون لرفع الوصية إلى الثلث أو نصيب الأب أيهما أقل

ولذلك كان يجب على ذلك الرجل [الجد] أن يكتب الثلث، فإذا كتب الجد السدس يرفعها القانون إلى الثلث، وإذا لم يكتب شيئًا يتدخل القانون ويعطي الولد [الحفيد] في حدود الثلث أو نصيب أبيه أو أمه أيهما أقل؛ لأنه لا يستفيد من موت أبيه بأكثر مما لو كان حيًا.

فنستطيع إذن أن نقول أن الولد [الحفيد] يستحق بـوصية واجبة قد أوجبها القانون -إن لم يفعلها الجد- في حدود نصيب أبيه أو أمه أو الثلث أيهما أقل.

خطوات حل مسائل الوصية الواجبة وافتراض الميت حيًا كخطوة أولى

وتُحل مسائل الوصية الواجبة على خطوتين أو ثلاث:

الخطوة الأولى: أن تفترض الميت [الابن المتوفى] حيًا وتوزع التركة. فلو أن شخصًا مات وترك ابنًا على قيد الحياة وبنتًا على قيد الحياة وابنًا قد توفي في حياته، نفترضه حيًا.

أول شيء نفعله هو أن نفترض الميت حيًا، وستكون إذن كأن المسألة أن رجلًا قد مات وترك ولدين وبنتًا. وطالما أنه ترك ولدين وبنتًا فإن المسألة ستُحل من خمسة؛ كل ولد يأخذ سهمين وكل بنت تأخذ سهمًا.

مثال تطبيقي على توزيع تركة ستمائة ألف جنيه وحساب نصيب الأحفاد

فإذا ترك خمسمائة ألف جنيه فإن البنت ستأخذ مائة ألف، والولد سيأخذ مائتي ألف، والولد الثاني سيأخذ مائتي ألف.

وإذا ترك ستمائة ألف جنيه -نفترض أنها ستمائة- إذن البنت ستأخذ مائة وعشرين وكل ولد سيأخذ مائتين وأربعين.

جميل، الستمائة على ثلاثة كم تكون النتيجة؟ كم؟ تكون مائتين. إذن أولاد هذا المتوفى [الابن المتوفى في حياة أبيه] لا يأخذون إلا مائتين.

تقييد نصيب الأحفاد بالثلث وعدم تجاوزه في الوصية الواجبة

وعندما حللنا المسألة تبين أن هؤلاء الأحفاد لهم أن يأخذوا نصيب أبيهم مائتين وأربعين، لا، مائتان وأربعون كثير لأنها فوق الثلث.

فلنقف عند الثلث؛ ستمائة على ثلاثة فيها كم؟ مائتان. إذن هؤلاء الأولاد [الأحفاد] لهم مائتان فقط، لهم مائتان فقط.

الخطوة الثانية إخراج الوصية الواجبة من التركة وتوزيع الباقي

إذن المائتان من الستمائة تساوي كم؟ علينا أن نخرج الوصية أولًا، وهذه هي الخطوة الثانية.

إذن يبقى أربعمائة. إذن عرفنا أن المائتين سنخرجهما ونضعهما جانبًا لنعطيهما لأحفاد المتوفى -أي لأولاد الرجل الذي توفي في حياة أبيه-.

ونأتي لنحل المسألة مرة أخرى؛ الأربعمائة: رجل توفي وترك أربعمائة ألف وترك ولدًا وبنتًا، فالولد يأخذ الثلثين والبنت تأخذ الثلث.

حل المسألة النهائي وتوزيع الأربعمائة ألف على الابن والبنت

إذن نقسم أربعمائة على ثلاثة فتخرج مائة وثلاثة وثلاثون وثلث [للبنت]، والولد يأخذ مائتين وستة وستين وثلثين من الأربعمائة [ثلث وثلثين]، أي:

﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]

إذن فعلنا كم خطوة؟ ثلاث خطوات:

  1. حللنا المسألة أولًا كما لو كان الولد [المتوفى] حيًا، فكانت النتيجة مائتان وأربعون وهي أكثر من الثلث.
  2. فأنقصناه إلى الثلث، ثم وضعنا هذا الثلث جانبًا وكأنه ليس من التركة.
  3. والباقي رقم ثلاثة وهي أن نحل المسألة من جديد ونقسم التركة على الموجودين [الأحياء].

فهذه بذلك ثلاث خطوات.

عدل الله في الوصية الواجبة بين الأحفاد والورثة الأحياء

وهذا هو عدل الله؛ أن هؤلاء الأحفاد -أولاد الابن المتوفى- لم يأخذوا أكثر من الثلث، وفي الوقت نفسه لم يُحرموا، وفي الوقت نفسه لم ننقص الموجودين [الابن والبنت الذين على قيد الحياة] كثيرًا.

وهكذا، وأخذنا بالعدل من الولد مثل البنت؛ لأن التركة إذا كانت ستمائة كان الابن سيأخذ أربعمائة والابنة ستأخذ مائتين، فنقصنا المائتين إلى مائة وثلاثة وثلاثين وثلث، ونقصنا أربعمائة إلى مائتين وستة وستين وثلث لأجل أولاد أخيهم رحمهم الله.

تطبيق الوصية الواجبة في بعض البلدان ومعنى الوصية فعلًا أو حكمًا

الوصية الواجبة عملت بها بعض البلدان مثل سوريا ومصر وهكذا، ولم تعمل بها بعض البلدان.

﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَآ﴾ [النساء: 11]

أي يوصي بها فعلًا أو حكمًا؛ يوصي بها فعلًا أي عمل الوصية، أو حكمًا [أي] لم يعمل الوصية والقانون أرغمه أن يعملها؛ لكي يحقق التساوي بين الخلائق.

صفات الوصية الواجبة الجامعة بين خصائص الميراث والوصية

إذن الوصية الواجبة فيها صفات من الميراث وفيها صفات من الوصية:

  • فيها بعض صفات الوصية لأنها لا تزيد عن الثلث، ولأنها لا تكون لوارث.
  • وفيها بعض صفات الميراث لأنها تحل محل الميراث وتُوزع بين الذكر والأنثى.

لنفترض أن الرجل المتوفى هذا [الابن المتوفى في حياة أبيه] ترك ولدًا وبنتًا، فالمائتان اللتان أخذوها تُوزع عليهم:

﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]

أي توزيع الميراث. وهكذا، ففيها شبه من هنا [الوصية] وشبه من هناك [الميراث].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.