سورة النساء | حـ 589 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة النساء يبين لنا ربنا سبحانه وتعالى معالم نظام الميراث في الإسلام ويجعل توزيع التركة "مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ" [النساء: ١١]، ونحا القانون المصري المأخوذ من الشريعة الإسلامية وقواعدها بعد خبرة طويلة في التنفيذ والتطبيق وقد صدر هذا القانون سنة ألف وتسعمائة وستة وأربعين واسمه قانون الوصية بأن هناك ما يسمى بالوصية الواجبة، وذلك أنه كان يجب على الجد قبل أن
يموت أن يوصي لحفيده أو لحفيدته أو لأولاد ابنه أو ابنته حيث ماتا (ابنه وابنته) أو مات أحدهما في حياته أن يوصي بشيء من التركة لهما، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث عن الوصية قال: "الثلث، والثلث كثير"، إذن فنهاية الوصية ثلث التركة، فالوصية التي تزيد عن الثلث يكون فيها شيء من اختلال توزيع الأنصبة على الآخرين، أما إذا كانت في حدود الثلث فهي بيد الإنسان، ولذلك كان يجب على ذلك الرجل
أن يكتب الثلث، فإذا كتب الجد السدس يرفعها القانون إلى الثلث، وإذا لم يكتب شيئا يتدخل القانون ويعطي الولد في حدود الثلث أو نصيب أبيه أو أمه أيهما أقل لأنه لا يستفيد من موت أبيه بأكثر مما لو كان حيًا، فنستطيع إذن أن نقول أن الولد يستحق بوصية واجبة قد أوجبها القانون -إن لم يفعلها الجد- في حدود نصيب أبيه أو أمه أو الثلث أيهما أقل. وتحل مسائل الوصية على
خطوتين أو ثلاث؛ الخطوة الأولى أن تفترض الميت حيا وتوزع التركة، فلو أن شخصًا مات وترك ابنا على قيد الحياة وبنتا على قيد الحياة وابنا قد توفي في حياته نفترضه حيا. أول شيء نفعله هو أن نفترض الميت حيًا، وستكون إذن كأن المسألة أن رجلا قد مات وترك ولدين وبنتًا، وطالما أنه ترك ولدين وبنتا فإن المسألة ستحل من خمسة؛ كل
ولد يأخذ سهمين وكل بنت تأخذ سهمًا فإذا ترك خمسمائة ألف جنيه فإن البنت ستأخذ مائة ألف والولد سيأخذ مائتا ألف والولد الثاني سيأخذ مائتي ألف، وإذا ترك ستمائة ألف جنيه نفترض أنها ست مائة، إذن البنت ستأخذ مائة وعشرين وكل ولد سيأخذ مائتين وأربعين، جميل، الستمائة على ثلاثة كم تكون النتيجة؟ كم؟ تكون مائتين، إذن أولاد هذا المتوفى لا يأخذون إلا مائتين، وعندما حللنا المسألة تبين أن
هؤلاء الأحفاد لهم أن يأخذوا نصيب أبيهم مائتين وأربعين، لا، مائتان وأربعون كثير لأنها فوق الثلث، فلنقف عند في الثلث؛ ستمائة على ثلاثة فيها كم؟ مائتان، إذن هؤلاء الأولاد (الأحفاد) لهم مائتان فقط، لهم مائتان فقط، إذن المائتان من الستمائة تساوي كم؟ علينا أن نخرج الوصية أولا، وهذه هي الخطوة الثانية، إذن يبقى أربعمائة، إذن عرفنا أن المائتين سنخرجهما ونضعهما جانبا لنعطيهما لأحفاد المتوفى (أي لأولاد الرجل الذي توفي في حياة أبيه)، ونأتي لنحل المسألة مرة أخرى؛ الأربعمائة: رجل توفي وترك أربعمائة ألف وترك ولدا
وبنتا، فالولد يأخذ الثلثين والبنت تأخذ الثلث، إذن نقسم أربعمائة على ثلاثة فتخرج مائة وثلاثة وثلاثون (ثلث)، والولد يأخذ مائتين وستة وستين وثلثين من الأربعمائة؛ (ثلث وثلثين) أي: "للذكر مثل حظ الأنثيين" [النساء: ١١]، إذن فعلنا كم خطوة؟ ثلاث خطوات؛ حللنا المسألة أولًا كما لو كان الولد حيا فكانت النتيجة مائتان وأربعون وهي أكثر من الثلث، فأنقصناه الى الثلث ثم وضعنا هذا الثلث جانبًا وكأنه ليس من التركة.
والباقي رقم ثلاثة وهي أن نحل المسألة من جديد ونقسم التركة على الموجودين (الأحياء)، فهذه بذلك ثلاث خطوات، وهذا هو عدل الله أن هؤلاء الأحفاد (أولاد الابن المتوفى) لم يأخذوا أكثر من الثلث وفي الوقت نفسه لم يحرموا وفي الوقت نفسه لم ننقص الموجودين [الابن والبنت الذي على قيد الحياة] كثيرًا، وهكذا، وأخذنا بالعدل من الولد مثل البنت لأن التركة إذا كانت ست مائة كان الابن سيأخذ أربعمائة والابنة ستأخذ مائتين فنقصنا المائتين إلى مائة وثلاثة وثلاثين وثلث ونقصنا أربعمائة إلى مائتين وستة وستين وثلث لأجل أولاد أخيهم رحمهم الله. الوصية
الواجبة عملت بها بعض البلدان مثل سوريا ومصر وهكذا ولم تعمل بها بعض البلدان، "مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا" [النساء: ١١] أي يوصي بها فعلا أو حكمًا؛ يوصي بها فعلا أي عمل الوصية أو حكما لم يعمل الوصية والقانون أرغمه أن يعملها لكي يحقق التساوي بين الخلائق. إذن الوصية الواجبة فيها صفات من الميراث وفيها صفات من الوصية؛ فيها بعض صفات الوصية لأنها لا تزيد عن الثلث ولأنها
لا تكون لوارث وفيها بعض صفات الميراث لأنها تحل محل الميراث وتوزع بين الذكر والأنثى، لنفترض أن الرجل المتوفى هذا ترك ولدا وبنتا، فالمائتان اللتان أخذوها تُوَزع عليهم "لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ" [النساء: ١١] (أي توزيع الميراث) وهكذا، ففيها شبه من هنا وشبه من هناك. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.