سورة النساء | حـ 594 | 12 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 594 | 12 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • حدد القرآن الكريم أنصبة الورثة في التركة من بعد تنفيذ الوصية والدين، شريطة عدم الإضرار بالورثة.
  • أقر الرسول صلى الله عليه وسلم قاعدة "لا ضرر ولا ضرار" التي أصبحت من القواعد الفقهية الكبرى.
  • اشتقَّ الفقهاء من هذه القاعدة مبدأ "الضرر يزال" وهي إحدى القواعد الخمس الكبرى في الفقه الإسلامي.
  • مرض الموت هو المرض المتصل بالموت وليس مجرد المرض الخطير أو المزمن.
  • تصرفات المريض في مرض موته قابلة للإلغاء وليست باطلة بذاتها، مما يعني إمكانية الطعن فيها أمام القضاء.
  • تبقى تصرفات مريض الموت سارية ما لم يطعن فيها أحد الورثة أمام القاضي.
  • يجب أن تكون الوصية والدين في مرض الموت حقيقيين وليس الغرض منهما الإضرار بالورثة.
  • منح الشرع للنظام القضائي صلاحية إبطال تصرفات المريض التي تخالف العدالة وتضر بالورثة.
  • أوصى الله بتنفيذ الدين والوصية بشرط عدم الإضرار، والوصية من الله واجبة الاتباع.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة في بيان أنصبة الورثة وقاعدة لا ضرر ولا ضرار في التركات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يوضح لنا بالتفصيل ما الذي نفعله في التركة وأنصبة الورثة:

﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾ [النساء: 12]

وهذا وفقًا للقاعدة الشرعية المقررة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت إحدى القواعد الكبرى وهي:

قال رسول الله ﷺ: «لا ضَرَرَ ولا ضِرَار»

يعني لا تضر نفسك ولا توقع الضرر والأذى بغيرك.

إماطة الأذى شعبة من الإيمان ووضعه من شعب الفسق والكفر

وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم إماطة الأذى عن طريق الناس شعبة من شعب الإيمان. فترك الأذى [مطلوب شرعًا]، وبطريق الأولى وضع الأذى في طريق الناس من شعب الفسق والكفر.

لماذا؟ لأنه لا ضرر ولا ضرار.

قاعدة الضرر يزال وأثرها في بناء الفقه الإسلامي

والفقهاء ماذا فعلوا؟ قالوا: الضرر يُزال. كلام الفقهاء أصبح: الضرر يُزال. هذه إحدى القواعد الخمس الكبيرة التي بُني عليها الفكر الفقهي الإسلامي:

خمس محررة قواعد مذهبي، للشافعي بها تكون بصيرًا:

  1. ضرر يُزال أولها هكذا.
  2. وعادة قد حُكِّمت.
  3. وكذا المشقة تجلب التيسيرا.
  4. والشك لا تُرفع به متيقنًا.
  5. وخلوص نية إن أردت أجورًا؛ الأمور بمقاصدها، الأعمال بالنيات.

يبقى خمسة هكذا، أولها ما هو: الضرر يُزال، لا ضرر ولا ضرار. ونحن نسير في الفقه هكذا في باب الوضوء، الصلاة، المعاملات، باب الجهاد، باب العلاقات الدولية، باب القضاء والشهادات؛ الضرر يُزال.

تعريف مرض الموت وحكم تصرفات المريض فيه وأثرها على التركة

غير مضارٍّ حكمت تصرفات المريض. والإنسان في مرض الموت قد يتصرف تصرفات تضر بالورثة وتضر بالتركة.

فنريد أن نعرف: ما معنى مرض الموت؟ وما حكم تصرفات المريض فيه؟

مرض الموت هو ذلك المرض المتصل بالموت. مرض، والعامة يقولون لك ماذا: ربنا لا يُرقد لك جسدًا! لا، هذا انتهى؛ حكم الله [عليه بالمرض] وظل مريضًا في فراشه حتى مات، هذا مرض الموت.

يبقى مرض الموت ليس هو المرض الخطير، لا. وليس مرض الموت هو المرض المزمن أبدًا. هذا مرض الموت هو المرض المتصل بالموت، يعني ظل راقدًا حتى توفاه الله سبحانه وتعالى.

تصرفات المريض غير الحكيمة عند استشعاره قرب الأجل من بيع وانتقام

طيب، الإنسان عندما يستشعر أن أجله قد اقترب وأن هناك موتًا داهمه وجاءه هكذا، ماذا يفعل؟ يمكن أن تكون تصرفاته غير حكيمة بالقدر اللازم.

فتراه يبيع ملكه، يريد أن يتبرأ من كل ملكه لله. تراه قد يريد أن ينتقم: يا الله! أنا سأموت، وفلان الذي آذاني طوال عمره هذا سيأخذ تركتي! حسنًا، والله الذي أنا ماذا فعلت فيه مقلبًا جيدًا، وسأتصرف في أموالي [بما يحرمه منها].

الفرق بين التصرفات القابلة للإلغاء والتصرفات الباطلة في مرض الموت

ولذلك فحكم تصرفات مريض الموت — وهو المرض المتصل بالموت — قابلة للإلغاء. تبقى غير ملغاة وإنما هي قابلة للإلغاء.

ما الفرق بين ملغاة وقابلة للإلغاء؟ ملغاة تعني باطلة، تعني تقع وكأن لم تكن؛ مزِّقها وألقِها في سلة المهملات.

حسنًا، وقابلة للإلغاء؟ نعم، هذا يعني أن هناك شخصًا ينازع ويقول: يا حضرة القاضي، هذا الرجل فعل هكذا لكي يضرني. فلنفترض أنه لم يقل أحد وجميعهم وافقوا على تصرفاته، إذن يصبح الأمر منتهيًا ومقبولًا.

إذن يوجد فرق بين قابل للإلغاء وبين ملغية باطلة وقابلة للبطلان. قابلة للبطلان تحتاج إلى أن يقول القاضي: أنا سألغيها، ويكون من حقه أن يلغيها. وإذا لم يقل له أحد تبقى سارية المفعول. هذه [قابلة] للإلغاء، لكن باطلة هذه لا تريد أحدًا؛ هذه باطلة بذاتها هكذا مرفوضة.

اشتراط حقيقية الوصية والدين وعدم قصد الإضرار بالورثة في مرض الموت

فهو في مرض الموت ويوصي أو ينشئ دينًا، ينبغي أن تكون وصية حقيقية وينبغي أن يكون دينًا حقيقيًا، وإلا يكون القصد به هو إيقاع الضرر والأذية بورثته.

لأي سبب كان من أسباب: فعل الخير، أو من أسباب الانتقام، أو من أسباب سوء التصرف واختلال الموازين بيد المريض؛ لأنه لا يملك نفسه تمام الملك.

الوصية الإلهية بعدم الإضرار ودور النظام القضائي في تصحيح تصرفات المريض

غير مضارٍّ، فيوصينا [الله سبحانه وتعالى] أن لا نتعجل وأن نكون حكماء وأن نضبط أنفسنا. فإن اختل الأمر في أيدينا فيُعطى للهيئة الاجتماعية وللنظام القضائي إجازة بإبطال ما قد فعلته وأنا لست في كامل الوعي من الناحية الجسدية والصحية؛ يُبطلها من بعدي حتى تستقيم الأمور.

وهذا الكلام، ما هذا الكلام؟ كن واعيًا! المريض مريض، فيه نظام قضائي حاكم: نفِّذوا الدين والوصية بشرط عدم الضرر؛ لا تضروا ولا تؤذوا الناس.

وصية الله بالعدل في التركات وصفة العليم الحليم سبحانه وتعالى

كل هذا النظام هذا وصية من الله، فيكون ربنا يوصينا. وقلنا من قبل أن الوصية من الله واجبة؛ أي إن علينا أن نطيع عهد الله ووصاياه سبحانه وتعالى.

﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: 12]

انظر كيف هو عليم بحياتنا، بما يسعدنا، وحليم بنا وفي التصرفات العجيبة التي تصدر منا. فهو قد رأف بنا وتجاوز عنها وصححها وقبل منا ذلك.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.