سورة النساء | حـ 597 | 15-16 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير آية "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم" في سورة النساء، وهي محكمة وليست منسوخة بآية الجلد في سورة النور.
- •الآية تتحدث عن الشذوذ الجنسي وليس الزنا، فالفاحشة هنا تعني انحراف المرأة مع المرأة، وقوله "واللذان يأتيانها منكم" يشير للشذوذ بين الرجال.
- •هذا الانحراف محرم في جميع الأديان السماوية وغير السماوية، رغم إباحته في بعض المجتمعات تحت مسمى الحرية.
- •لا يجوز اعتبار الشذوذ من حقوق الإنسان، فحقوق الإنسان هي المتفق عليها كالمحاكمة العادلة وعدم التعذيب والتكافل الاجتماعي.
- •اشتراط أربعة شهود على الفاحشة يؤكد أهمية الستر في الإسلام، كما قال النبي: "من ستر مؤمناً في الدنيا ستره الله يوم القيامة".
- •الفساد ينتشر بالجهر بالمعصية، والستر هو الأصل في التعامل مع المعاصي.
مقدمة تفسير آية الفاحشة في سورة النساء وحكم النسخ
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 15]
وقلنا أن بعضهم قد حمل هذا [اللفظ] على جريمة الزنا، وبذلك تكون هذه الآية قد نُسخ حكمها عندما أنزل الله سبحانه وتعالى سورة النور وجعل:
﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]
تفصيل عقوبة المرأة والرجل في الفهم الأول للآية على أنها الزنا
هنا إذا كان هذا [المراد بالفاحشة] يعني الزنا، نُمسك المرأة ونحبسها في البيت لمدة سنة. ثم يقول [الله تعالى] في الآية الأخرى:
﴿وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: 16]
يعني إذا كانت النساء فسنحبسهن لمدة سنة من غير ضرب ولا إهانة ولا شيء. أما الرجل فآذوهما، اضربوا الرجال؛ لأن الرجل يتحمل قليلًا من الضرب.
﴿فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَآ﴾ [النساء: 16]
فسنضربه وسنتركه في المجتمع بعد الضرب والتأديب، ولكن بعد التوبة.
اعتراضات العلماء على حمل الآية على الزنا والتفريق بين عقوبة الرجل والمرأة
الآخرون قالوا: هذا كلام فيه نظر.
النظر الأول: أنك جعلت العقاب مختلفًا بين الرجل والمرأة؛ فالمرأة تُحبس سنة والرجل يُضرب.
ثانيًا: مع هذا الاختلاف الذي لم نره في الشريعة، ما نحن نراه في الشريعة [هو عدم وجود] خلاف بين عقوبات النساء وعقوبات الرجال؛ إذا قتل [أحدٌ] فسيُقتل قصاصًا، إذا زنوا قومٌ فيُجلدون كل واحد منهم. وهكذا، يبقى أنت هنا تطعن في قضية المساواة [بين الجنسين في العقوبات الشرعية].
ترجيح إحكام الآية على النسخ وحملها على الشذوذ الجنسي لا الزنا
رقم اثنين: جعلت هذا [الحكم] منسوخًا. أليس من الأولى أن تجعله محكمًا يكون له معنى غير الزنا؟ فيكون القرآن الكريم قد تكلم عن مساحة أوسع من الأحكام، وبيّن لنا بدلًا من بيانه لشيء واحد بيّن لنا أحكام شيئين، هذا أجدى وأجدر.
رقم ثلاثة: يقول [الله تعالى]:
﴿وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ﴾ [النساء: 15]
ثم قال:
﴿وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَـٰنِهَا مِنكُمْ﴾ [النساء: 16]
هذا رجل ورجل، واللذان اثنان، رجل ورجل. مع من يعني؟ رجل ورجل مع امرأة وامرأة أم ماذا يعني معنى الآية؟
الرأي الراجح بأن الآيات محكمة وتتحدث عن الشذوذ الجنسي عند الرجال والنساء
حسنًا، إذا كانت كل هذه مشكلات في الفهم الأول [وهو حمل الآية على الزنا]، فماذا يكون معناها إذن؟
قال [العلماء]: أولًا الآيات محكمة وليست منسوخة. ثانيًا هذا يتحدث عن الانحراف الطبيعي عند المرأة والانحراف الطبيعي عند الرجال، الذي نحن نسميه الآن في عصرنا الشذوذ الجنسي.
فهناك شذوذ تكتفي فيه المرأة بالمرأة، وشذوذ آخر يكتفي فيه الرجل بالرجل، والعياذ بالله تعالى. وهذا محرّم في التوراة وعند النصارى وعند المسلمين، محرّم في كل الأديان، وتحرّمه البوذية والهندوكية. كل ملة ودين تحرّم هذا الانحراف وهذا الشذوذ.
رفض اعتبار الشذوذ الجنسي حقًا من حقوق الإنسان والرد على دعاة الحرية
إنما أباحته بعض المجتمعات تحت دعوى الحرية. هذا رأيهم، وتطوروا بهذا الرأي حتى جعلوه من حقوق الإنسان.
قلنا لهم: قفوا عند حدكم! حقوق الإنسان ما كان متفقًا عليه بين البشر. تريدون أن تمارسوا الشذوذ فأنتم أحرار، ليس لنا تدخل فيكم، ولكن كلمة الله تقول لكم أن هذا انحراف وحرام وخطأ وفسق وفساد.
ولكن لا نقبل إطلاقًا أن يتحول هذا من خطأ إلى حق من حقوق الإنسان. حقوق الإنسان أن يتمتع بمحاكمة عادلة، حقوق الإنسان ألا تُنتهك الكرامة بالتعذيب أو الإهانة، حقوق الإنسان أن نرعاه وأن نكفله اجتماعيًا فنوفر له العمل، وإذا لم يوجد نوفر له أجر البطالة حتى يأكل ويشرب وهو حر.
حقوق الإنسان الحقيقية هي التكافل الاجتماعي لا إباحة الفساد الأخلاقي
حقوق الإنسان ذلك التكافل الذي نراه بين المسلمين في صدقاتهم وزكواتهم وأغنيائهم وفقرائهم، هذه حقوق الإنسان. إنما حقوق الإنسان قلة الديانة وفعل الفساد المتفق عليه بين كل البشر [أنه فساد]، لا ينفع [أن يُسمّى حقًا].
﴿وَٱلَّـٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَـٰحِشَةَ﴾ [النساء: 15]
يعني امرأة اكتفت بامرأة من نسائكم، فاستشهدوا عليهن أربعة منكم. فيبقى كذلك يريدون أربعة يشهدون أن المرأة والمرأة في حالة انحراف. أساس للعدالة ألا نأخذ الناس بالكلام، الستر هو الأصل.
اشتراط أربعة شهود وموقف سيدنا عمر من الشهادة وأهمية الستر
فإن شهدوا، وانتبه: أربعة! وإن كانوا ثلاثة، سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] كان يرى أن يُضرب الشهود [إن لم يكتمل نصابهم]. الله! أأكون رجلًا تقيًا وذاهبًا لأنهى عن المنكر وأُضرب؟ قال له: هل قال لك أحد أن تشهد؟
هذين اليومين يقولون لك ماذا؟ نصمت يعني حتى ينتشر الفساد؟ علينا نحن هذا الكلام ماذا؟ الفساد انتشر عندما كانت هناك شفافية للمعصية وجهر بالمعصية وفضيحة بالمعصية.
عندما خرجنا عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالستر:
قال رسول الله ﷺ: «من ستر مؤمنًا في الدنيا ستره الله يوم القيامة»
ما نحن أطعناك فقد فسدت الأرض.
الدعوة إلى الستر وطاعة النبي ﷺ والتغافل عن زلات الناس
أطيعونا إذن لكي نجمع ما تبقى. لا تطيعونا نحن في ذواتنا، بل أطيعوا سيد الخلق [محمدًا ﷺ] في تبليغه عن ربنا الستّار الجميل.
فإن شهدوا فقد شهدوا. انظروا إلى الكلام: فإن شهدوا فليستشهدوا، اطلبوا أحدًا ليشهد. لا أحد؟ إذن لا بأس، لا أحد يشهد. أنتم تتجرؤون بالكلام على الفتيات هكذا!
فإن شهدوا، ما هو في ناس هكذا تحب الشهادة والأذى هكذا. فإن شهدوا، لكن الأربعة [شرط صعب التحقق]. يعني أنت يا مولانا تقول لنا تغافلوا عن هذه القضية؟ لا، تتركوا هذه القضية! أقول لك: استر لكي يسترك الله، وادعُ الله سبحانه وتعالى، وتواضع له، وربِّ أولادك.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
