سورة النساء | حـ 599 | 17 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 599 | 17 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح القرآن أسس التعامل النفسي والتربوي في قوله تعالى: "إنما التوبة على الله" بصيغة توحي بوجوب التوبة على الله، وهذا تعبير لا يمكن أن يصدر إلا من الله نفسه.
  • التوبة واجبة "للذين يعملون السوء بجهالة"، والجهالة تختلف عن الجهل؛ فالجهل هو فقدان الإدراك، أما الجهالة فهي فقدان الإرادة والسيطرة على النفس.
  • يمثل المتحدث لذلك بحالة الطلاق أثناء الغضب، حيث يتم التحقق من حالة المطلق من خلال خطوتين: الأولى التحقق من الإدراك بسؤاله عن الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
  • الخطوة الثانية هي التحقق من الأملاك (القدرة على التحكم بالنفس)، فإذا كان مدركاً لكنه غير مالك لنفسه، فللعلماء قولان في وقوع الطلاق.
  • في مصر، يميل العلماء إلى عدم وقوع الطلاق إذا فقد المطلق الإدراك أو الأهلية أثناء الغضب الشديد.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أن سورة النساء تعلمنا أسس التعامل النفسي والتربوي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا أسسًا للتعامل النفسي والتربوي مع الإنسان؛ مع النفس، مع الآخر، مع الفرد، مع المجتمع، مع الجماعة.

دلالة قوله تعالى إنما التوبة على الله على أن القرآن كلام الله لا كلام بشر

يقول [الله تعالى]:

﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [النساء: 17]

انظر إلى الكلمة: "على"! نعم، هذا لا يقوله إلا الله؛ لأنه يقول: إنما التوبة كأنها واجبة على الله، ومن ذا الذي يوجب على الله من البشر؟

لو أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو الذي كتب القرآن بشخصيته التي نعرفها من خشيته لله وتعظيمه لشأن الله جدًا، كما هو واضح في القرآن، بافتراض أنه هو الذي كتبه، ما كان يجرؤ على أن يقول على الله. لو كان هو الذي كتبه ما كان قال هذه الكلمة، كان قال: إنما التوبة عند الله، كان قال: إنما التوبة بالله لله، لكن "على" ما يعرف يقولها [أي لا يجرؤ بشر على قولها].

تعظيم رسول الله لربه في القرآن يؤكد أن هذا الكلام لا يصدر إلا من الله

رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يعظم ربنا كثيرًا في القرآن، ويصف الله بأنه عليم وحكيم ورؤوف ورحيم وجبار ومنتقم. رسول الله يصفه جل جلاله بصفات لا يمكن معها أن يقال "على الله"، لا يجوز.

ولكن لما رأينا في القرآن:

﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ﴾ [النساء: 17]

عرفنا أن هذا الكلام لا يصدر إلا من الله [سبحانه وتعالى].

معنى وجوب التوبة على الله وأنه كتب على نفسه الرحمة سبحانه وتعالى

إنما التوبة واجبة على الله، أي أن الله سيتوب عليه، سيتوب عليه، انتهى الأمر.

﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ ٱلرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: 54]

انتهى الأمر، كتب الله. ما هذا؟ كتب على نفسه. من الذي يقول كتب على نفسه؟ هو سبحانه وتعالى.

وإنما التوبة على الله، واجبة على الله، لمن؟ إذن:

﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ [النساء: 17]

معنى الجهالة في الآية وأنها فقدان الإرادة لا فقدان الإدراك

يبقى أول شيء أن الإنسان وهو يرتكب المعصية لم يكن قاصدًا، غابت عنه إرادته. انظر إلى الكلمة: غابت عنه إرادته، أي أنه فعل المعصية تحت وطأة النسيان، فعلها تحت وطأة الشهوة، فعلها تحت وطأة الضعف، فعلها تحت وطأة الجهل.

﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ [النساء: 17]

لم يقل "بجهل"، بل "بجهالة"، أي أن الجهالة فقدان الإرادة لا فقدان الإدراك. فالجهل فقدان الإدراك، لكن الجهالة فقد الإرادة.

الشاهد الشعري على أن الجهالة تعني فقدان الإرادة والخروج عن الاعتدال

ألا لا يَجهلَنَّ أحدٌ علينا، فنجهلَ فوق جهل الجاهلينا. أي ليس الأمر أنه "ألا لا يجهلنَّ أحد"، ماذا يعني؟ أي فقد صوابه وإرادته فخرج عن حد الاعتدال في الكلام.

التحقيق مع المستفتي في الطلاق حال الغضب والتفريق بين الإدراك والإملاك

ولذلك عندما يأتي أحد ويقول لي: أنا طلقت زوجتي وأنا في ثورة الغضب، نقوم فنجلس نحقق معه. فالمشايخ الذين علمونا كيف نحقق معه [في مسائل الطلاق]، كثير من الناس لا تعرف هذه الحكاية، لكن [هذه] صنعة السؤال والإفتاء.

صنعة [الإفتاء] قال لك: أمسكه واجعله يجلس هكذا، واسأله أولًا عن الإدراك، فإذا وجدته مدركًا؛ فاسأله عن الإملاك. بالترتيب هكذا، هذا يعلموننا إياه خطوة فخطوة.

أولًا نسأل المستفتي عن ماذا؟ عن الإدراك. وجدناه مدركًا فننتقل إلى الملف الثاني [الخطوة الثانية]، تسأله عن الإملاك.

حكم الطلاق عند فقدان الإدراك أو الإملاك وأقوال العلماء في ذلك

فإذا وجدته ليس مدركًا لا يقع الطلاق باتفاق العلماء؛ لأنه لا طلاق في إغلاق.

وإذا وجدته مدركًا لكن وجدته غير مالك لنفسه [لإرادته في لفظه]، فللعلماء قولان: بعض العلماء قال يقع الطلاق، وبعض العلماء قالوا لا يقع الطلاق. ونحن سرنا في مصر على أنه لا يقع الطلاق.

إذن لا يقع الطلاق عندما يكون الإنسان غاضبًا، إذا فقد الإدراك أو فقد الإملاك. يقولون هكذا، فنحن فهمنا وحفظنا هذا الكلام.

كيفية التحقيق في الإدراك بسؤال المستفتي عن الزمان والمكان والأشخاص والأحوال

تعال الآن، حقق معه في الملفات الخاصة بالإدراك: كيف تدرك أنت كعالم أنه قد فقد الإدراك؟ قلنا: نسأله أربعة أسئلة؛ نسأله عن الزمان وعن المكان وعن الأشخاص وعن الأحوال.

فنقول له: أكنت بالليل أم بالنهار وأنت تطلق؟ قال: لا، كنت بالنهار لأن أنا كنت عائدًا من العمل حينها. أين كنت؟ في الصالة أم في غرفة النوم؟ قال: أنا كنت في الصالة واقفًا عند السفرة.

نقول له: حسنًا، أنت كنت واقفًا ولست جالسًا؟ قال: لا، كنت واقفًا وكنت أمسك الكرسي بيدي اليمنى [كرسي السفرة].

التحقق من إدراك الأشخاص والأحوال في مسألة الطلاق حال الغضب

الله! هذا مدرك، هذا مدرك الزمان ومدرك المكان ومدرك الحالة التي هو واقف فيها [هو واقف أم جالس].

فمن الذي كان حاضرًا؟ قال: هي كانت في الناحية الأخرى وجالسة تصرخ عليّ وتشتمني وتلوح بيديها. فيكون هذا مدرك الأشخاص.

ومن كان معكم؟ قال: في الصالة أم في البيت؟ الله! أنت تعرف الصالة وتعرف البيت. لا، الذي في الصالة [أسأل عنه]. قال: كان الولد الكبير، وكانت البنت موجودة في المطبخ، كنت قلت لها قبل الخلاف اعملي لنا كوب شاي، فابنتي موجودة هناك في المطبخ.

نعم، هذا يعرف الأشخاص؛ فهذا يكون مدركًا.

صورة فاقد الإدراك الذي لا يتذكر شيئًا من ملابسات الطلاق

أما لو قال لي: والله ما أنا عارف يا مولانا، أنا كنت متولٍّ [أي مضطربًا] ولست أعرف أين أنا، في ليل أم في نهار. أكنت واقفًا أم كنت جالسًا؟ كنت في الصالة أم في ماذا؟ قال لي: أنا لست أتذكر إطلاقًا، كأن شيئًا قد مُحي من عقلي هكذا، لم أعد أعرف.

هذا غير مدرك، لا أدرك زمانًا ولا أدرك مكانًا. وهي جالسة معه تقول له: لا، كنت في الصالة. أنا لا أريد كلامها هي، أنا أريد كلامه هو؛ لأنه هو الذي سنبني عليه الأحكام [الشرعية].

التحقيق في الإملاك وسؤال المستفتي عن قدرته على التحكم في ألفاظه

ثم ننتقل إلى الإملاك. أنا عرفته هكذا أنه مدرك، أقول: حسنًا، أكنت تحافظ على كلامك أم كنت تخرج [ألفاظك] كالصاروخ والرصاص؟ قال: لا، كان يخرج كالصاروخ والرصاص ولا يقدر على نفسه، لدرجة أنني أمسكت بالمزهرية التي أمامي وضربتها في الأرض فكسرتها.

آه، هذا لا يملك نفسه إذن.

خلاصة الفرق بين الجهل والجهالة وربطه بآية التوبة في سورة النساء

فما الجهل؟ عدم الإدراك. وما الجهالة؟ عدم الإملاك.

ها قد فهمنا، فيصبح الجهل عدم الإدراك، والجهالة عدم الإملاك، أي فقدان إرادته.

وهنا:

﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ [النساء: 17]

وليس بجهل، بجهالة يعني: فقدان إرادته، فقدان إرادته. لماذا؟ لأنه تحت وطأة الشهوة، تحت وطأة الجهل، يمكن تحت وطأة كذا وكذا.

والآية الكريمة سنكملها مرة أخرى في لقاء آخر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.