سورة النساء | حـ 600 | 17 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الفرق بين الجهل والجهالة أن الجهل هو عدم الإدراك، بينما الجهالة هي عدم القدرة على ضبط النفس عند المعصية.
- •من يقع في المعصية بجهالة يفعلها من ضعف وتسرع دون قصد الأذى، أما من يخطط للإيذاء فهو شرير يحتاج لأكثر من التوبة.
- •التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة، أي بنقص في الإرادة مع العلم بأنها معصية، أما الجاهل بكونها معصية فقد لا تكتب عليه.
- •أركان التوبة ثلاثة فيما بين العبد والله: الإقلاع عن المعصية، الندم، والعزم على عدم العودة.
- •تضاف ركن رابع في حقوق العباد: رد المظالم وإعادة الحقوق لأصحابها.
- •ستر المعصية من تمام التوبة، وعدم المجاهرة بها والتفاخر بارتكابها.
- •بعد التوبة مرحلتان: استحضار الذنب والندم عليه أولاً، ثم نسيانه بعد ذلك والانطلاق بصفحة بيضاء.
مقدمة الحلقة والوقوف عند آية التوبة في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، وقفنا عند قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ [النساء: 17]
وذكرنا أن هناك فرقًا بين الجهل وبين الجهالة؛ وأن الجهل هو عدم الإدراك، وأن الجهالة هي عدم الإملاك؛ بألّا أكون قادرًا على أن أملك نفسي من المعصية.
أسباب وقوع المعصية بجهالة دون قصد التدبير والإيذاء
فتقع المعصية من شدة الشهوة، من شدة الضعف، من شدة الجهل، من غير قصدٍ بالتسرع، بنسيان الله وأحكامه سبحانه وتعالى، بتداخل الأمور واختلاطها، باستهانتي في شيءٍ ما، لا بأن أُدبِّر وأقصد الأذية لخلق الله.
فالذي تتم عنده المعصية بجهالة يقع في المعصية، لكن الذي يخطط ويدبر أن يجعل بمعصيته هذه أذًى فهذا شرير. هذا يحتاج إلى شيء فوق التوبة، هذا يحتاج أن يُربّي نفسه، هذا يحتاج أن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى بكليته.
حال الشرير الذي يحتاج أن يجلس مع ربه ويعترف بذنبه
هذا يحتاج أن يجلس مع ربه ونرى ما هذا الأمر، يقول له: يا رب أنا لقد اضطربت تمامًا، لست مسؤولًا عن ذلك، لقد تبتُ وأعرف أنني مجرمٌ آثمٌ وقد تبتُ الآن. هذا أمرٌ آخر.
أما الناس وهي تسير دون قصدٍ فتقع في الخطيئة أي بجهالة؛ لأنها لم تملك نفسها بعقلٍ وحكمةٍ ووعيٍ تام. فالقدح بالجهالة إنما يكون في الإرادة لا في الإدراك.
الفرق بين من يعلم المعصية ولا يملك نفسه ومن يجهلها أصلًا
يبقى إذن أنا عالمٌ أنها معصية لكن لم أستطع أن أمنع نفسي عنها، فليتب الله عليّ. أما الذي لا يعلم أنها معصية فهذا يمكن ألّا تُكتب له السيئة أصلًا.
﴿ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ﴾ [النجم: 30]
فالله هنا لم يقل «يعملون السوء بجهل»؛ لأن الذين يعملون السوء بجهلٍ [أي لا يعلمون أنها معصية] لن يُؤاخَذوا. هذه أول مرتبة الأخذ: أن تكون عارفًا أنه [ذنب]، نعم.
﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]
فيجب أن تكون عارفًا أن هذه معصية.
حكم من فعل المعصية ظانًّا أنها خير ثم تبيّن له خلاف ذلك
أما أنت فتعمل شيئًا وأنت تظن أنه خير، أو تعرف أنها ليست معصية ولا شيئًا، ثم تبيّن أنها معصية، قال [العبد]: أنا إذن فعلت ذلك حسنًا، لنتب إلى الله من اليوم.
ولكن ليس هذا هو المقصود [في الآية]، بل المقصود أنني أعرف كل شيء ولكن هناك نقصٌ في إرادتي وفي إمساكي لنفسي.
﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ﴾ [النساء: 17]
أي لا يقصدون بها إيذاء الناس ولا يفعلونها عن خطةٍ وتدبير، وإنما يفعلونها جهالةً وضعفًا ثم يتوبون.
أركان التوبة الثلاثة في المعصية بين العبد والخالق
طيب، عرفتُ الآن وفهمتُ ووعيتُ ورجعتُ إلى نفسي، إذن لا بدّ من التوبة.
وأركان التوبة معروفة: ثلاثة في المعصية التي بينك وبين الخالق، وأربعة في المعصية التي بينك وبين الخلق.
أولها: الإقلاع عن المعصية، لا تقل أنا تبتُ وأنت ما زلت تمارس المعصية؛ إذن يجب أن تُقلع عن المعصية.
وثانيها: الندم، تندم وتشعر بالندم في صدرك أنك قد وقعت في هذه المعصية. لا تكون فرحًا وتتحدث عنها كأنك فارسٌ نبيل لأنك قد فعلت هذه المعصية، بل ينبغي أن تكون خجلًا ومتواضعًا.
الستر الجميل وعدم المجاهرة بالمعصية وحديث النبي في ذلك
ولذلك ما الذي يُظهر أنك لست فرحًا بها؟ الستر الجميل؛ أنك عندما ترتكب معصية لا تجلس تتفاخر بها بين الناس.
قال رسول الله ﷺ: «يغفر الله إلا للمجاهرين» قالوا: ومن المجاهرون يا رسول الله؟ قال: «رجلٌ يفعل الخطيئة بالليل يستره الله، ثم يُصبح فيقول: فعلتُ كذا وكذا»
أي أنه يجاهر ويفتخر. وهذا ضد النظرة الأخرى العصرية التي تقول لك: كن شفافًا وقل كل شيء تفعله؛ لأنه لا توجد معصية ولا شيء! أي شيء تفعله من الخطيئة قلها هكذا وافتخر بها أمام الناس.
التحذير من إشاعة الفاحشة والركن الثالث العزم على عدم العودة
﴿ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [النور: 19]
قومٌ يتكلمون بالمعصية وكأنها ليست معصية ولا شيء.
فيكون الإقلاع عن الذنب أولًا، ثانيًا: الندم، ثالثًا: العزم على ألّا يرجع لمثلها أبدًا. ما دامت معصية وما دامت خطيئة ومن القاذورات وآثامٍ مما لا يرضي الله، فكيف أعود إليها؟ لن أعود إليها أبدًا.
هذا إذا كان الأمر بينك وبين الله [أي المعصية التي بينك وبين الخالق].
الركن الرابع في حقوق الخلق رد المظالم والحقوق إلى أصحابها
فإذا كان [الذنب] هو الذي بينك وبين الخالق هكذا [بالأركان الثلاثة]، أما الخلق فقال [العلماء]: الخلق يجب لا بدّ أن تردّ إليهم ما أخذته منهم.
يعني لو أن أحدًا سرق فيجب أن يردّ، إذا ارتشى فيجب أن يردّ الرشوة، وإذا اغتصب قطعة أرض فيجب أن يردّ [الأرض] المغتصبة. ويجب أن يردّ ضمانًا لما أتلفه؛ وإذا أتلف شيئًا كسيارةٍ وصدمها فيجب أن يدفع ثمنها، إلا إذا سامحه الرجل صاحب هذا الشيء.
التوبة النصوح وشروطها ومرحلة نسيان الذنب بعد التوبة
فإذن نحن الآن أمام توبة، والتوبة النصوح هي التي تتوفر فيها تلك الشروط المذكورة.
ولكنه يقول لك: انتبه، هذه التوبة في أول الأمر؛ يعني أنا تبتُ الآن من الذنب ومن ضمنه الندم، فلا تبقَ نادمًا لأن ذلك يجعلك تتخبط. قالوا: وبعد ذلك تبنا إلى الله وكذلك وصلّينا وصمنا والحمد لله وهكذا.
قال [العلماء]: تنسى الذنب. هذه المرحلة الثانية؛ إذن فالمرحلة الأولى: استحضر الذنب واستعظمه واندم وابكِ، وبعد ذلك انسَه.
فائدة نسيان الذنب بعد التوبة والختام بقوله تعالى ثم يتوبون من قريب
هذا يفيد إذن. هل أنا ارتكبتُ ذنبًا؟ لا، الحمد لله أنا صفحةٌ بيضاء، عمري ما ارتكبتُ ذنبًا. قُم! هذا [النسيان] يساعدني على أن أتوب.
نسيان الذنب [بعد التوبة والندم يعين العبد على المضي قدمًا في طاعة الله]. في البداية يقول تعالى:
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17]
هذه قصةٌ أخرى نذكرها في حلقةٍ تالية. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
